(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش اليوم" إن جماعة بارزة ضمن قوات "الحشد الشعبي" المدعومة من الحكومة العراقية احتجزت وضربت رعاة من قرية قرب الموصل – منهم طفل – في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، للاشتباه في انتمائهم لتنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش").

رجل يسير على طريق شرق الموصل ومعه قطيع كبير من الأغنام أثناء هروبه من المناطق الخاضعة لسيطرة داعش.

قال ضحايا وشهود إن عناصر من "عصائب أهل الحق" احتجزوا 10 رعاة وضربوا 5 منهم على الأقل، بما في ذلك الطفل، بشكل متكرر أحيانا. كان الرعاة قد فرّوا من قرية عداية، فأوقفوا واحتُجزوا لعدة ساعات في قرية غزيل. أطلق المقاتلون سراحهم ولكنهم أخذوا منهم حوالي 300 رأس غنم، قطيع القرية بأكمله.

قالت لمى فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يُعرّض المدنيون الفارون من داعش حياتهم للخطر بحثا عن الأمان. على القوات الحكومية القيام بكلّ ما في وسعها لحمايتهم ومساعدتهم، وليس الاعتداء عليهم ونهبهم".

في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، زارت هيومن رايتس ووتش مخيما يأوي نازحين من جنوب الموصل، وقابلت 10 من سكان عداية، 35 كلم جنوب غرب الموصل، كانوا قد فروا من منازلهم صباح 3 نوفمبر/تشرين الثاني في مجموعة تضم 500 شخص تقريبا بعد أن ألحقت غارة جوية أضرارا ببعض المنازل. مازالت المنطقة تحت سيطرة داعش، ولكن مقاتليه لم يمنعوا القرويين من المغادرة.

قال السكان إن المجموعة سارت نحو 10 كلم إلى الجنوب فاعترضهم مقاتلون عرّفوا بأنفسهم على أنهم من "لواء الطفوف"، قوة صغيرة تابعة لقوات الحشد الشعبي، في قرية الطسة. قال القرويون إن المقاتلين فتشوا المجموعة وفحصوا بطاقات هويتهم ووضعوهم في سيارات وساروا بهم جنوبا نحو مخيم الجدعة للنازحين. لكن مجموعة من 10 رعاة استمروا سيرا على الأقدام مع نحو 300 رأس غنم من القرية.

لما وصل القرويون الذين أخذوا في سيارات إلى غزيل، أبعد بسبعة كلم نحو الجنوب، حوالي الساعة 2 ظهرا، اعترضهم مقاتلون من عصائب أهل الحق، عرّفوا بأنفسهم وكانوا يحملون شعار هذه الجماعة على الرايات والشارات. قال 5 رجال من المجموعة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم سمعوا المقاتلين يتهمون المجموعة بالانتماء لـ داعش، وقالوا إنهم سيحتجزونهم أو يقتلونهم. ولكن تدخل قائد من لواء الطفوف وأمر عناصر مقاتلي عصائب أهل الحق بترك القرويين في حالهم، ففعلوا. وصلت السيارات إلى مخيم الجدعة، 65 كلم جنوب الموصل، حوالي 4 ظهرا، بحسب القرويين.

قال 3 رجال وطفلين (14 و15 عاما) إنهم كانوا ضمن الرعاة العشرة الذين بقوا مع الأغنام. قالوا إنهم وصلوا إلى غزيل سيرا على الأقدام حوالي 4 ظهرا، فحاصرهم 6 من مقاتلي عصائب أهل الحق وأدخلوهم بالقوة إلى ساحة منزل قريب مهجور، واستجوبوهم كل على حده. قال الرعاة إن الحراس سألوهم إن كانوا ينتمون لـ داعش أو إن كانوا يعرفون منتمين آخرين. قال الطفل البالغ من العمر 15 سنة إن أحد المقاتلين ضربه على ظهره ورأسه أثناء استجوابه. قال رجل آخر (40 عاما) إنهم صفعوه على خده أثناء الاستجواب أيضا. الآخرون قالوا إنهم لم يتعرضوا للضرب أثناء الاستجواب الأوّلي.

يُعرّض المدنيون الفارون من داعش حياتهم للخطر بحثا عن الأمان. على القوات الحكومية القيام بكلّ ما في وسعها لحمايتهم ومساعدتهم، وليس الاعتداء عليهم ونهبهم.

لمى فقيه

نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

نقل الحارسان بعد ذلك 5 من الرجال المحتجزين إلى منزل آخر قريب، وتركوا الخمسة الآخرين، ومنهم الطفلان، في ساحة المنزل الأول ومعهم الأغنام. قام الحارسان والمقاتلين الآخرين بعد ذلك باستجواب الرجال الذين نُقلوا إلى البيت الثاني، وكانوا يُخرجونهم للاستجواب الواحد تلو الآخر. قال أحدهم (20 عاما) إنه كان أول من أُخذ إلى الخارج، ولمدة 15 دقيقة تقريبا اتهمه المقاتلون بالانتماء لـ داعش، واستمروا في طرح نفس الأسئلة عليه مرار وهم يضربونه بأيديهم ويركلونه وهو على الأرض، وأطلقوا رصاصة فوق رأسه.

قال آخر (22 عاما) إنه كان آخر من اُخرج للاستجواب. قال إن 6 مقاتلين استجوبوه ووجهوا له تهما لمدة ساعة تقريبا، وأسقطوه أرضا وركلوه بأرجلهم وضربوه بالعصي. أضاف أنهم أوقفوه على رجليه بعد ذلك، وشدّوا له يديه خلف ظهره واستمروا في ضربه على ساقيه بعصى. قال أيضا إنه شعر بثلاث صدمات كهربائية في يديه على الأقل. كانت عيناه مملؤتان بالدموع وهو يقول: "لقد فعلوا بي أشياء أخرى"، دون أن يشرح أكثر.

بعد الضرب، لم يكن قادرا على المشي، ولذلك استعان المقاتلون بثلاثة من القرويين الآخرين لنقله إلى شاحنة، حيث غطوا له ساقيه ببطانية. أمر المقاتلون الرجال الآخرين والطفلين بالصعود في الشاحنة، وساروا بهم إلى مخيم الجدعة. استولى المقاتلون على الأغنام، وخشي الرجال السؤال عن سبب ذلك، أو كيف سيسترجعونها. الاستحواذ على قطيع الأغنام بأكمله ترك القرويين بلا رزق.

قال أحد الرجال (22 عاما) إنهم لما وصلوا إلى المخيم حوالي 8 مساء، نُقل هو على جناح السرعة إلى سيارة اسعاف ومنها إلى مستوصف في المخيم، حيث قال له الأطباء إن رجله اليُسرى مكسورة. شاهدت هيومن رايتس الجبيرة التي يحملها. قال إن الأطباء سألوه كيف كُسرت رجله، ولكنه لم يُخبرهم خشية الانتقام.

قال الرعاة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إن واحدا من الرجال الذين نقلوا إلى المنزل الثاني، ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من مقابلته، بدا متألما على متن السيارة، وقال إن المقاتلين ضربوه على رجليه. نُقل هو الآخر بسيارة اسعاف. قالوا إن الرجلين الآخرين الذين نقلا أيضا إلى المنزل الثاني لم تبدو عليهما أي علامات اعتداء.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على جميع قوات الأمن والجماعات المسلحة التقيد بالقانون الدولي واحترام الحظر المطلق على التعذيب وسوء المعاملة. يُعتبر الحظر على التعذيب وسوء المعاملة من المحظورات الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا توجد أي ظروف استثنائية يُمكن أن تبرر التعذيب. العراق طرف في أهم الاتفاقيات الدولية التي تحظر التعذيب في جميع الظروف، حتى أثناء حالات الطوارئ المعترف بها، وهم مُلزم بالتحقيق مع المتورطين ومحاكمتهم. التعذيب والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الشخصية كلها جرائم حرب.

يُحظر على الأطراف المشاركة في نزاع مسلّح النهب والاستحواذ على الممتلكات الخاصة للمدنيين قسرا، في المناطق التي يفتكونها من العدو، لاستخدامهم الشخصي، وذلك يرقى لجريمة حرب.

على السلطات العراقية التحقيق في جميع الجرائم المشتبه بها، بما في ذلك النهب والتعذيب والقتل والانتهاكات الأخرى التي يرتكبها أي طرف في النزاع بشكل سريع وشفاف وفعال، وبما يشمل أعلى مستويات المسؤولية. وكلما ظهرت أدلة تثبت المسؤولية الجنائية، يجب أن تكون متبوعة بمحاكمات. يجب أن يكون المشرفون على التحقيقات والذين يتخذون القرارات المتعلقة بالمحاكمة مستقلين عن الأطراف المشمولة بالتحقيق، ومن خارج سلسلة القيادة العسكرية، وقراراتهم لا تخضع لأي تدخل سياسي. على السلطات أيضا ضمان سلامة الشهود.

قالت فقيه: "المدنيون الفارون من داعش يتركون كل شيء خلفهم تقريبا. أن يسلبهم المقاتلون الممتلكات القليلة التي تمكنوا من جلبها معهم أمر لا يُغتفر".