كانت ساقا عقيل حمود (12 عاما) وذراعاه مثخنة بالجراح المؤلمة. كانت شظايا العبوة الناسفة التي انفجرت تحته في أحد أيام يونيو/حزيران الحارة مازالت عالقة تحت جلده الأسمر بفعل أشعة الشمس.

زكية حسن تحمل صورة ابنها، إبراهيم حمود (35 عاما)، الذي قُتل بتفجير عبوة ناسفة عندما داس على فراش بينما كان عائدا إلى منزله يوم 12 أغسطس/آب. 

© 2016 أولى سولفانغ/هيومن رايتس ووتش

كان ماشيا مع 4 من أبناء عمه على طول جسر باتجاه مسبح عام خلال شهر رمضان للانتعاش قبل تناول الإفطار مع أسرهم عند الغروب. لكنهم لم يبلغوا المسبح. فالعبوة انفجرت بوقع خطاهم بينما كانوا يعبرون الجسر. أبناء عم عقيل - محمد وعبد الرحمن ومحمد علي، وعمرهم 14 عاما، وحميد، 13، كلهم لقوا مصرعهم.

عندما التقيته بعد 3 أشهر، كان جالسا بدون قميص في بهو صديق للأسرة، يُوري أصدقاءه نُدوبه، بعينين مستديرتين ومذهولتين، بينما يسيل سائل فاتح اللون من أذنه اليمنى التي لا زالت لم تُعالج بعد الحادث.

قضينا خمسة أيام من شهر أكتوبر/تشرين الأول في منبج، وهي مدينة تسكنها حوالي 200 ألف نسمة شمالي سوريا، كان يسيطر عليها داعش إلى غاية الشهر الماضي. وكجزء من استراتيجيته الحربية، تقول العائلات والسلطات إن داعش ترك وراءه ألغاما مضادة للأفراد بدائية الصنع متناثرة في المدينة لمنع الناس من الهرب خلال المعركة للسيطرة على المدينة.

زرع داعش هذه العبوات، وهي فعليا ألغام أرضية، في أماكن خاصة وعامة، مفخّخا المدارس والمستشفيات والمنازل، مخبّئا إياها في إطارات الأبواب والثلاجات وأجهزة التلفزيون وتحت أكوام الأحذية، ما أدى إلى مقتل العشرات وجرح مئات الآخرين. خلال بضعة أيام فقط، جمعنا أسماء 69 شخصا، بينهم 19 طفلا، لقوا حتفهم بسبب الألغام والعبوات الناسفة بدائية الصنع، لكن هذا العدد مرشح للارتفاع بشكل كبير.

تشكل الألغام البدائية وغيرها من العبوات الناسفة خطرا جدّيا على المدنيين، وأعاقت عودتهم إلى أماكن أخرى كانت تحت سيطرة داعش مثل كوباني في سوريا، والرمادي والفلوجة في العراق. وهناك مخاوف من أن يكون هذا الخطر قائما أيضا في الباب في سوريا وفي الحويجة والموصل في العراق، حيث المعارك دائرة أو مُتوقّعة لاستعادة مناطق من داعش.

لم يكن عقيل الضحية الوحيدة التي التقيناها في منبج. التقينا أيضا كلاوديا تالجيبيني، سيدة رومانية متزوجة بسوريّ عاشت في منبج 20 عاما. وطأت كلاوديا لُغما بينما كانت تحاول الفرار من داعش مع أسرتها.

قالت لي كلاوديا: "سمعت 4 انفجارات "بوم، بوم، بوم". وقعتُ على الأرض مع عدد من الأطفال وأناس آخرين. فقدتُ الإحساس بذراعي وساقي بينما نزفت الدماء بغزارة من ساقي. بقيت مستلقية هناك 4 ساعات أنتظر أن يأتي أحد لمساعدتي". تقضي كلاوديا الآن أيامها في الفراش مع بناتها الّلاتي يساعدنها في دخول الحمام والذهاب إلى مواعيدها بالمستشفى. تستطيع بالكاد تحريك ذراعها اليسرى، بينما بُترت ساقُها اليُمنى تحت الركبة بقليل.

التقينا أيضا أقارب وجيران 3 أطفال صغار لقوا حتفهم عندما دخلوا قاعة درس بمدرسة سيف الدولة الابتدائية. التف الأقارب والجيران حول إناء شاي يتذكرون طرائف الأصدقاء الثلاثة، ويتذكّرون اليوم الذي وجدوا فيه جثامين مصطفى علي حوران (13 عاما) وحسن عثمان نسّان (10 أعوام) وعماد علي الحمد (11 عاما) ملقاة على أرضية قاعة الدرس.

قال حسن، أخو محمد الأكبر: "كانوا يلعبون سويّة في ساحة المدرسة كل يوم. بوابة المدرسة تكون عادة مقفلة لكن لسبب ما تركها أحدهم مفتوحة تلك المرة، فدخلها الأولاد. سمعنا انفجارا هائلا وهرعنا إلى هناك لنجدهم صرعى في القاعة. كانوا يلعبون سوية وماتوا سوية".

وبقيت أسمع القصة تلو الأخرى. أخبرتنا زكية حسن أن ابنها إبراهيم حمود قُتل عندما وطأ فراشا على الأرض، حيث كانت عبوة ناسفة مخبأة. كان قد عاد ليتفقد منزله الذي استخدمه داعش كموقع للقنص خلال المعركة للسيطرة على منبج. قال خلف القصبة (60 عاما) إن عبوة ناسفة انفجرت بينما كان يدخل غرفة في منزله في قرية مشد الطواحين المجاورة. كان داعش قد أجبرهم على هجر منازلهم خلال القتال. أصابت شظية من العبوة الناسفة زوجته حيث استقرت في صدرها.  كل من تحدّثنا إليهم يعرفون على الأقل شخصا أو شخصين من الحي أو من العائلة أصيبوا أو قتلوا بسبب تلك العبوات المخبأة.

يمنع القانون الدولي العبوات الناسفة التي تنفجر عندما يلامسها الضحايا، كتلك التي رأينا في منبج، لأنها لا تميّز بين مقاتل ومدني. كان سبب منعها واضحا في منبج: إنه عقيل وأبناء عمه وكلاوديا وحسن وعماد وعشرات المدنيين الآخرين الذين توقفت أو انقلبت حياتهم بشكل كامل. الأمر بديهي: على داعش ألا يستخدم تلك الأسلحة.

لكن منبج تقدم أيضا دروسا لأولئك الذين يقاتلون لاستعادة مناطق من داعش في الموصل وأماكن أخرى. هناك إجراءان أساسيان: توعية العائدين إلى ديارهم بمخاطر العبوات المخبأة، وتطوير القدرة على إزالتها بسرعة من المنازل والمناطق السكنية. إذا تم القيام بهما معا، فقد يُنقذان أرواحا كثيرة.