(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم بمناسبة اليوم العالمي للعمال إن على الحكومة المصرية تقنين عمل النقابات المستقلة. على مصر أيضا إنهاء نظام النقابة الواحدة الرسمي القائم منذ عقود، والسماح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة لمجالس النقابات لأول مرة منذ انتفاضة 2011.

قانون النقابات العمالية المصري لسنة 1976 لا يعترف بأي نقابات غير تلك التي تعترف بها الدولة والتابعة لـ "الاتحاد العام لنقابات عمال مصر". ظهرت نقابات جديدة بعد انتفاضة 2011، ولكن الحكومة لم تعترف بها قانونيا رغم أن دستور 2014 يكفل حرية تكوين الجمعيات.

قال نديم حوري، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "تتجاهل الحكومة المصرية حق العمال الأساسي في التنظيم. يبدو أنها عازمة على خنق الحركة العمالية التي نالها المصريون بعد سنوات من النضال، وبلغت ذروتها في انتفاضة 2011".

تتجاهل الحكومة المصرية حق العمال الأساسي في التنظيم. يبدو أنها عازمة على خنق الحركة العمالية التي نالها المصريون بعد سنوات من النضال، وبلغت ذروتها في انتفاضة 2011

نديم حوري

نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أعلنت الحكومة أنها تعتزم اقتراح مشروع قانون جديد للنقابات، لكن نسخته النهائية لم تظهر للعلن. فشلت الحكومات المتعاقبة في تنقيح قانون النقابات العمالية، واتخذ مجلس الوزراء ووزارة الداخلية قرارات بالتوقف عن التعامل مع النقابات المستقلة الكائنة بحكم الأمر الواقع؛ جعل ذلك النشطاء النقابيين يخشون فقدان الحقوق المكتسبة منذ 2011.

بحسب نقابيين، منذ أصبح جمال سرور وزير القوى العاملة في سبتمبر/أيلول 2015، لم تتمكن أي نقابة مستقلة جديدة من التسجيل. كما أعرب النشطاء عن خوفهم من أن يواجه أعضاء النقابات المستقلة المحاكمة بعد أن قالت جريدة رسمية في 17 أبريل/نيسان إن تحقيقا فُتح، ربما يؤدي إلى توجيه تهم إلى زعماء هذه النقابات وأعضائها.

في 8 أبريل/نيسان، أدان غاي رايدر، المدير العام لـ "منظمة العمل الدولية"، رفض مصر الاعتراف بنقابات مستقلة، وقال إن هذا الرفض يمنع العمال من التفاوض الجماعي ويُعرّض الزعماء النقابيين إلى الطرد والاعتقال.

طالب رايدر الحكومة المصرية بالإسراع في شرح كل الملابسات حول مقتل جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه الذي كان يجري بحوثا عن النقابات المستقلة ومسائل عمالية أخرى في مصر. عُثر على ريجيني ميتا في 4 فبراير/شباط، وكان قد شوهد آخر مرة يوم 25 يناير/كانون الثاني، الذي شهد حشدا هائلا من الشرطة بمناسبة الذكرى الخامسة لانتفاضة 2011 ضد الرئيس السابق حسني مبارك.

في 1 مارس/آذار، ذكر موقع إخباري محلي أن وزارة الداخلية أصدرت قرارا داخليا بعدم الاعتراف بأي وثائق مختومة من قبل نقابات مستقلة. قالت الوزارة إنها اتخذت هذا القرار بناء على توصيات من جهاز الأمن الوطني. في 8 مارس/آذار، رفع محامو "النقابة العامة للمهنيين والفنيين والحرفيين" قضية للطعن في القرار.

قالت "دار الخدمات النقابية والعمالية" (دار الخدمات)، إحدى أقدم المنظمات المستقلة المدافعة عن حقوق العمال في مصر، إن رئيس الوزراء أصدر مذكرة في نوفمبر/تشرين الأول، تأمر الوزارات بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات عمال مصر دون سواه. بحسب دار الخدمات، ذكر التوجيه أن الهدف من ذلك هو المساعدة على "مواجهة النقابات المستقلة والعناصر الإثارية".

قال كمال عباس، رئيس دار الخدمات وعضو "المجلس القومي لحقوق الإنسان"، لـ هيومن رايتس ووتش إن القرار الصادر عن وزارة الداخلية في 1 مارس/آذار غير دستوري. قال أيضا إن العمال يحتاجون إلى وثيقة مختومة من نقابتهم حتى يستخرجوا عدة وثائق حكومية، وإن هذا القرار سيجبر العمال على الانخراط في نقابة رسمية.

تنص المادة 13 من الدستور المصري لعام 2014 على أن "تلتزم الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، وتعمل على بناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وتكفل سبل التفاوض الاجتماعي". المادة 46 تكفل الحق في إنشاء اتحادات ونقابات مستقلة.

مصر طرف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، الذي يكفل الحق في الاضراب والحق في تكوين نقابات واتحادات وطنية ودولية، والانخراط فيها.

مصر أيضا طرف في منظمة العمل الدولية، وصدقت على جميع اتفاقياتها الأساسية الثماني، ومنها الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 بشأن الحرية النقابية، والاتفاقية رقم 98 لسنة 1949 بشأن حق التنظيم. تنص الاتفاقية رقم 87 على حق العمال في إنشاء منظمات من اختيارهم دون ترخيص مسبق، والانخراط فيها، والخضوع لقوانينها فقط.

قال حوري: "حماية حق العمال في التنظيم هو حق أساسي وليس ترفا. مصر تحتاج إلى نمو اقتصادي شامل، ولكن هذا النمو لا يتحقق بقمع العمال".

تطورات خاصة بالنقابات

أنشأت مصر الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وهو إطار نقابي تابع للحكومة، في خمسينات القرن الماضي، واعتبرته امتدادا للدولة. في الفترة بين 2008 وانتفاضة 2011، حاول العمال تكوين نقابات مستقلة، ولكن وزارة القوى العاملة رفضت مطالبهم.

شهدت مرحلة ما بعد انتفاضة 2011 ظهور نقابات مستقلة. قدم أحمد البرعي، الذي عُين وزيرا للقوى العاملة في 2011، "إعلان الحريات النقابية" في مارس/آذار 2011 الذي حاول تمهيد الطريق لرفع القيود القانونية المفروضة على حق العمال في التنظيم.

A memo from the Interior Ministry ordering other government bodies to stop accepting documents from independent Unions

© 2016 private

بعد إعلان البرعي، حصلت النقابات المستقلة على اعتراف جزئي من الحكومة سمح لها بالتسجيل. أعد البرعي أيضا مشروع قانون وصفه نشطاء نقابيون بأنه أكثر تقدما من جميع المشاريع المقترحة منذ يناير/كانون الثاني 2011.

أعدت الحكومات المتعاقبة مشروعي قانونين آخرين على الأقل منذ ذلك الوقت، لكنهما لم يُعتمدا. حصلت هيومن رايتس ووتش على نسخة من آخر مشروع قانون خاص بالنقابات، أعدته الحكومة في عهد وزيرة القوى العاملة السابقة ناهد العشري في 2014 و2015. رغم أن تلك المسودة تضع حدا لنظام النقابة الواحدة، إلا أنها فرضت قيودا على المنظمات بطرق أخرى، منها فرض عقوبات بالسجن على كل من يؤسس نقابة دون موافقة.

تسبب فشل الحكومات والبرلمانات المتعاقبة في تعديل القوانين التعسفية إلى سهولة تراجع السلطات عن التنازلات المحدودة التي قامت بها. على سبيل المثال، لا تستطيع النقابات المستقلة الحاصلة على تسجيل خصم مستحقات مالية من رواتب أعضائها، ولم يُسمح عادة للمنخرطين فيها بتمثيل زملائهم في المجالس الوطنية وأثناء المفاوضات مع أصحاب الأعمال.

قانون النقابات لعام 1976 يسمح فقط بنشاط النقابات الحاصلة على اعتراف رسمي. أنشأ القانون اتحاد نقابات عمال مصر، وهو هيئة هرمية تسيطر عليها الحكومة وتتكون من 24 نقابة معترفا بها. أنشأ القانون في البداية 21 نقابة عامة، ومنح الحكومة والاتحاد سلطة مطلقة على إنشاء نقابات جديدة. منذ صدور القانون، وافق الاتحاد على إنشاء 3 نقابات إضافية فقط، كانت آخرها النقابة العامة للعاملين بالضرائب والمالية والجمارك التي تأسست في 2010. وبحسب نشطاء، يبدو أن إنشاء هذه النقابة كان خطوة لمواجهة الحراك العمالي المناهض للحكومة، الذي شمل اعتصامات ضخمة نظمها عمال كانوا آنذاك يرغبون في تأسيس نقابة عامة مستقلة لعمال الضرائب العقارية.

حلت الحكومة مجالس الاتحاد وعدة نقابات رسمية في أغسطس/آب 2011، إثر أحكام قضائية قضت بأن انتخابات المجلس التي نظمت في 2006 لم تكن قانونية لعدم وجود رقابة قضائية. ولكن الحكومات المصرية المتعاقبة لم تسمح بإجراء انتخابات جديدة، وحافظت على مجالس الإدارة غير المنتخبة التي عينها وزراء القوى العاملة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، أجل محمد مرسي، الرئيس المصري آنذاك، والذي عزله الجيش في يوليو/تموز 2013، انتخابات الاتحاد والنقابات العامة لمدة 6 أشهر، وأمر بتقاعد زعماء الاتحاد الذين تجاوزت سنهم 60 سنة، ومنح وزير القوى العاملة صلاحية تعيين زعماء جدد لسد الشواغر. في 30 مايو/أيار 2013، أصدر مرسي مرسوما يقضي بتمديد ولاية المجالس التي تم تعيينها. وفي مايو/أيار 2015، أجّل الرئيس عبد الفتاح السيسي مجددا انتخابات مجلس إدارة الاتحاد ومدد للمجالس الحالية لفترة سنة أخرى.

قال باحث في مجال حقوق العمال في "المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" المستقل، إن السلطات، بعد عزل الجيش لـ مرسي، وجدت هامشا أوسع لقمع النقابات المستقلة في خضم حملة أوسع لخنق المعارضة.

في 4 فبراير/شباط 2016، قال جمال سرور، الذي خلف العشري على رأس وزارة القوى العاملة، في مقابلة مع جريدة "المصري اليوم" الخاصة، إنه سيعدّ مشروع قانون جديد لا يعترف بالنقابات المستقلة.

ولكن في آخر تعديل وزاري تم في 23 مارس/آذار، حلّ محمد سعفان، عضو مجلس إدارة الاتحاد، مكان جمال سرور على رأس وزارة القوى العاملة. قال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، إن سعفان رفض بعد ذلك الالتقاء بوفد يمثل النقابات المستقلة. قال سعفان إنه "يستطيع فقط الاجتماع بهم كأفراد وليس كممثلين عن كيانات لم يكن يعترف بها"، بحسب حديث عباس لـ هيومن رايتس ووتش.

قالت جريدة "الوطن" الخاصة في 11 فبراير/شباط إن رئيس الاتحاد، جبالي المراغي، وهو أيضا عضو بالبرلمان، قال إن "لجنة تشريعية" تابعة للاتحاد أعدت مشروع قانون جديد يقضي بحل جميع النقابات المستقلة، وأرسلته إلى الحكومة، التي سترسلها بدورها إلى البرلمان "في غضون أسابيع". في 23 أبريل/نيسان، انتخب المراغي رئيسا للجنة القوى العاملة في البرلمان.

أعضاء مجلس إدارة الاتحاد، بمن فيهم المراغي، يعارضون علنا النقابات المستقلة ويرفضون الترخيص لها، ويقولون إنها تهدد الاقتصاد وتقوض الاستقرار. مؤخرا، رفع رئيس "النقابة العامة للعاملين بالمالية والضرائب والجمارك"، التابعة للاتحاد، دعوى لدى المحكمة الإدارية، التي تنظر في قانونية القرارات الحكومية، طالب فيها بحل النقابات المستقلة. قالت المحكمة إنها ستصدر حكمها في 26 يونيو/حزيران.

قال عباس إنه يعتقد أن تصعيد الحكومة ربما يشمل تنفيذ اعتقالات ومحاكمات. في 17 أبريل/نيسان، ذكرت جريدة "الأهرام" الحكومية أن وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة القوى العاملة بصدد التدقيق في أموال النقابات المستقلة بعد "رصد اتصالات بين تلك النقابات وعدد من الكيانات والمنظمات الدولية المانحة لتأجيج الاحتجاجات داخل الأوساط العمالية".