(بيروت) -  قتل تنظيم "الدولة الإسلامية" أكثر من 200 شخص في العراق، غالبيتهم العظمى من المدنيين، في تفجيرات على مدى أسبوعين منذ 25 فبراير/شباط 2016. يُعتبر قتل المدنيين عمدا جريمة حرب، ولما يكون منتشرا على نطاق واسع، ربما يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

نُفذ أحدث هجوم كبير باستخدام شاحنة لنقل الوقود محملة بالمتفجرات في نقطة تفتيش شمالي مدينة الحلة، عاصمة محافظة بابل، يوم 6 مارس/آذار، ما أسفر عن مقتل 60 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من 70، معظمهم من المدنيين. أعلن تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف بـ "داعش" مسؤوليتة عن الهجوم. قال مسؤولون طبيون وأمنيون لـ "رويترز" إن من بين القتلى 23 شرطيا وأفراد أمن آخرين. قوانين الحرب عادة ما تعتبر ضباط الشرطة غير المشاركين في القتال مدنيين، ولا ينبغي استهدافهم.

قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "آخر حلقة في سلسلة عمليات القتل الجماعي الأخيرة تظهر ازدراء داعش الكامل لحياة المدنيين. يبدو أن الانتصارات العسكرية جعلت المدنيين أكثر عرضة للخطر في جميع أنحاء البلاد".

بعد استعادة قوات الأمن العراقية مدينتي بيجي في أكتوبر/تشرين الأول 2015، والرمادي في ديسمبر/كانون الأول، واستيلاء قوات البشمركة الكردية على مدينة سنجار في نوفمبر/تشرين الثاني، كثف داعش هجماته على المدنيين وراء خط الجبهة. ذكرت "بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق" أن 410 مدنيين قتلوا في العراق في فبراير/شباط.

في 25 فبراير/شباط، فجر انتحاري نفسه بالقرب من حسينية "الرسول الأعظم"، في حي الشعلة في بغداد، ما أسفر عن مقتل 31 شخصا على الأقل، وفقا لموقع "كتابات" (Kitabat.com).

أمير محسن كاظم كان أحد الضحايا، أصيب وهو ينظف الشوارع القريبة. قال ابن أخيه سعد أبو حيدر لـ هيومن رايتس ووتش إن عمه ظل على قيد الحياة 4 أيام في "مستشفى الرسول الأعظم"، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرا بجراحه. كان أمير (40 عاما)، متزوجا وله ولدان وبنت واحدة، كلهم في سن المدرسة. قال ابن أخيه: "كان ينظف الشوارع لكونه من عمال البلدية، وهو ما كلفه حياته في يوم الخميس ذاك".

في 28 فبراير/شباط، انفجرت قنبلتان في سوق مريدي في مدينة الصدر شرقي بغداد، ما تسبب في مقتل 73 شخصا وإصابة أكثر من 112، حسبما ذكرت وكالة "أسوشيتد برس".

في 29 فبراير/شباط فجر انتحاري نفسه داخل سرادق عزاء في المقدادية، ما أسفر عن مقتل 40، منهم 6 مسؤولين أمنيين، وإصابة 37 آخرين، وفق رويترز وموقع "عروبة الإخباري" (3robanews.com). العلاقات بين السنة والشيعة في المقدادية متوترة منذ تفجير مزدوج في 11 يناير/كانون الثاني؛ أودى بحياة 25 شخصا، ونتجت عنه سلسلة أعمال انتقامية من ميليشيات شيعية ضد السكان السنة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن الاستهداف المتعمد للمدنيين جريمة حرب، ويمكن محاسبة كل من تورط في التخطيط لمثل هذه الجريمة أو في إصدار أوامر بها أو تنفيذها، بما في ذلك من هم في بلدان أخرى غير العراق. بعض الجرائم تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية، مثل التي تُرتكب ضمن هجوم واسع النطاق أو ممنهج على سكان مدنيين، ما يعني أنها ارتكبت في إطار سياسة دولة أو ميليشيا.

بعض أنواع الجرائم الخطيرة التي تنتهك القانون الدولي، مثل جرائم الحرب، تخضع لمبدأ "الولاية القضائية العالمية". هذه الولاية تعني توفر السلطة القانونية للنظام القضائي الداخلي للدولة للتحقيق في جرائم معينة وملاحقة مرتكبيها، حتى إن لم تكن قد وقعت على أراضيها، أو من رعاياها أو ضدهم. إمكانية المضي فعليا في قضايا بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية في دولة من الدول، تعتمد على قوانينها الداخلية.

دعت هيومن رايتس ووتش مرارا العراق إلى الانضمام إلى "المحكمة الجنائية الدولية" لإتاحة المجال أمام مقاضاة جميع أطراف النزاع عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية. بوسع السلطات العراقية منح المحكمة اختصاص النظر في الجرائم الخطيرة التي ارتكبت في العراق منذ اليوم الذي دخلت فيه اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ في 1 يوليو/تموز 2002.

لا يتضمن القانون الجنائي العراقي أي نصوص عن هذه الجرائم. يُحاكم أعضاء داعش بموجب المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2005 الفضفاض. بوسع المحكمة الجنائية الدولية - إذا مُنحت الولاية - التحقيق في الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي، إذا كانت السلطات الوطنية لا ترغب في القيام بذلك أو عاجزة عنه.

قال ستورك: "الحاجة إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات المكثفة سبب إضافي يستدعي انضمام العراق إلى المحكمة الجنائية الدولية".

قال ناشط في مجال حقوق الإنسان في المقدادية لـ هيومن رايتس ووتش إن عناصر تابعين لميليشيا شيعية داهموا في 29 فبراير/شباط السجن المحلي بحثا عن سنة شاركوا في التفجير. قال ناشط آخر في بغداد إن عناصر ميليشيا شيعية اعتقلت المئات هناك بعد تفجيرات حي الشعلة ومدينة الصدر.

أضاف ستورك: "على قوات الأمن تقديم المسؤولين عن التفجيرات القاتلة للعدالة. لكن الاعتقالات والانتهاكات التعسفية أثناء استجواب المشتبه بهم تزيد فقط من الظلم الواقع بالفعل".