فكرت مطولاً وملياً قبل أن أعيد تغريد الصورة. فهي تظهر طفلاً صغيراً لا روح فيه، ممدداً مواجهاً الأرض على أحد الشواطئ التركية الشهيرة، كان واحداً من بين أحد عشر سورياً لقوا حتفهم على الأرجح في محاولة للجنوح لبر الأمان في أوروبا بصعودهم على متن زورق أحد المهربين. وبدلاً من هذا، انتهى بهم المطاف كأحدث ضحايا استجابة أوروبا التافهة في مواجهة الأزمة المتفاقمة.

كان أشد ما أدهشني حذاؤه الصغير، الذي ألبسه إياه والداه بمحبة صبيحة ذلك اليوم خلال إسدالهم ملابسه على جسده تأهباً لرحلتهم الخطرة. إن إحدى اللحظات الصباحية المفضلة لدي، تلك التي أُلبس فيها أطفالي وأساعدهم على انتعال أحذيتهم. ويبدو أنهم دائما ما يحققون مبتغاهم في وضع شيء بطريقة معكوسة، ليتبادل كلانا اللحظات المسلية. لم أقوَ وأنا أحملق في صورة، على ألاّ أتخيل أنه كان أحد ابنائي ملقىً على ذاك الشاطئ صريع الغرق.

أنا حاليا في المجر، أوثق رحلات اللاجئين السوريين، الرحلة عينها التي أزهقت اليوم روحاً شابةً أخرى. من السهل إلقاء اللوم على الوالدين لتعريضهما ابنهما لهذا الخطر المميت، بيد أن هذا صائب فقط إن أغفلت فرارهم من القنابل البرميلية والدولة الإسلامية (المعروفة أيضا باسم داعش) التي تفك الرقاب. طوال فترة صباح الأمس على امتداد الحدود الصربية المجرية، رأيت الآباء السوريين يسيرون بإصرار مع أطفالهم - في محاولة لانتشالهم من ويلات القتل في سوريا، التي سُمح لها بالاستمرار لأربع سنوات، بحثاً عن الأمن في أوروبا. أبطالٌ هم هؤلاء الآباء؛ أنا معجب بعزمهم الشديد على نقل أطفالهم إلى حياة أفضل.

 ضابط من الشرطة شبه العسكرية يحمل جثة هامدة لطفل مهاجر بعدما لقي عدد من المهاجرين حتفهم عندما انقلب بهم قارب كان يقلهم بالقرب من منتجع بودروم التركي.

أسوشيوتيد برس© 2015

للأسف، فهم يواجهون العقبات والتصرفات العدائية طوال الرحلة. يمتاز بعض المهربين بتنظيم عالٍ حتى أنهم يقدمون الإيصالات نظير عملهم الإجرامي، لكنهم لا يكترثون لأرواح أولئك الذين ينقلونهم ويجنون الثروات منهم. قد تكون وحشيتهم منتظرة، ولكن ما لا يغتفر هو اللامبالاة والعقبات التي وضعها زعماء أوروبا في طريقهم.

كل سوري تقريبا ممن قابلت مر بتجربة كان فيها على شفا حفرة مع الموت خلال رحلته، والتي غالباً ما تنطوي على قوارب غارقة. والآن، في المجر، فقد وجدوا الطريق أمامهم مسدودا مرة أخرى، إذ أُرغم الآلاف على النوم في الشوارع دونما مساعدة من السلطات المجرية.

دفاتري حُبلى بالمآسي. علي بنتار، سوري كردي، فر مع أطفاله الثلاثة بعدما حاولت داعش السيطرة على مسقط رأسه في القامشلي عن طريق إرسال سيارات مفخخة إلى المدينة. تذاكر القطار إلى ميونيخ في حوزته، ولكن الشرطة منعته حتى من الدخول إلى محطة القطار، حتى أنه وأطفاله ناموا في ظل ظروف صعبة خلال الليالي الثلاث المنصرمة. كان شديد الاكتئاب، وهو يروي لي ما عاناه من مذلة: "لقد كان من الأفضل البقاء في سوريا. فهناك، تموت مرة واحدة حال وقوع انفجار أو شيء من هذا القبيل. أما هنا، فأشعر وكأنني أموت ألف مرة كل يوم".

يقول البعض إن الصورة تتسبب بكثير من الألم لدرجة لا تسمح بمشاركتها عبر الإنترنت أو طباعتها على صفحات الصحف. ولكن ما أجد أنه مؤلم هو أن الأطفال الغارقين يغتسلون على شواطئنا، في الوقت الذي كان يمكن القيام بالكثير للحيلولة دون موتهم.

لم يكن قراراً سهلاً أن أشارك صورة قاسية لطفل غريق. لكنني أكترث لأمر هؤلاء الأطفال شأنهم شأن أطفالي تماماً. ربما، إن ساور هذا الشعور قادة أوروبا، لحاولوا وقف هذا المشهد المروع.