(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم بمناسبة اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب إن على السلطات اللبنانية تبني إجراءات واسعة المدى لمحاربة التعذيب، بما في ذلك إنشاء هيئة وطنية لرصد مراكز الاحتجاز. وقد تسربت مؤخراً مقاطع فيديو تصور أفراداً من قوى الأمن الداخلي وهم يعذبون نزلاء بسجن رومية.

ويجب على سلطات لبنان أيضاً توفيق القوانين والممارسات الوطنية اللبنانية مع التزاماتها الدولية لمنع التعذيب ومكافحته. وقد أصدرت مجموعة من المنظمات المحلية بياناً مشتركاً يدعو الحكومة إلى تبني تلك الإجراءات.

وقال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "إن التعذيب الذي التقطته مقاطع الفيديو ليس إلا نقطة في بحر، حيث كانت منظمات محلية ودولية توثق التعذيب والانتهاكات في لبنان طوال سنوات. والتحقيقات التي أعلنت عنها الحكومة مشجعة، لكن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت ستقر الإصلاحات التي طال انتظارها للتصدي للمشكلة بما يتجاوز الفضيحة الراهنة".

ظهرت مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي خلال العطلة الأسبوعية الماضية، وظهر فيها عدد من ضباط قوى الأمن الداخلي وهم يضربون سجناء في أعقاب أعمال شغب بسجن رومية في أبريل/نيسان 2015. وقد أكد وزير الداخلية صحة مقاطع الفيديو، وقامت قوى الأمن الداخلي وعدد من المسؤولين اللبنانيين، ومنهم وزير الداخلية نهاد المشنوق، ووزير العدل أشرف ريفي، بشجب الأفعال الظاهرة فيها والوعد بتقديم المسؤولين إلى العدالة.

وقالت تقارير إعلامية إن لوائح الاتهام صدرت بحق خمسة من أفراد قوات الأمن. ومع ذلك فإن النائب العام سمير حمود قال إن التحقيقات كشفت أن الجريمة كانت "مدفوعة بأسباب شخصية ولا تمثل بأي حال من الأحوال ممارسة أمنية ممنهجة أو منهجية شرطية". وقد أدت مقاطع الفيديو إلى إدانات من أنحاء البلاد، كما أفادت وسائل الإعلام، واستقطبت مناخاً من السخط مع تدفق المظاهرات على الشوارع للمطالبة باستقالة المشنوق. وكان تقرير أعدته لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في أكتوبر/تشرين الأول 2014 قد خلص إلى أن التعذيب في لبنان "ممارسة متفشية تستخدم على نحو روتيني من جانب القوات المسلحة وأجهزة إنفاذ القانون بغرض التحقيق، وللتحصل على اعترافات تستغل في الإجراءات الجنائية، وفي بعض الأحيان للمعاقبة على أفعال يظن أن الضحية ارتكبتها".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن لبنان قد أخفق سابقاً في التحقيق في قضايا الانتهاكات من جانب رجال الأمن، فلم تُفتح تحقيقات سليمة في مزاعم خطيرة بانتهاكات عسكرية في حق المحتجزين على خلفية القتال بين الجيش اللبناني وجماعة فتح الإسلام المسلحة في 2007 بمخيم نهر البارد للاجئين. كما لم يتم أي تحقيق قضائي في أكتوبر/تشرين الأول 2012 بعد قيام عدد من ضباط الجيش والمخابرات باعتقال وضرب ما لا يقل عن 72 من العمال الوافدين الذكور، ومعظمهم سوريون، في حي الجعيتاوي في بيروت، لتلقيهم تقارير عن "تحرش الوافدين بالسيدات" بحسب بعض المزاعم.

وفي يوليو/تموز 2013 أصدر أحد قضاة التحقيق العسكريين تصريحاً باعتقال خمسة من أفراد المخابرات العسكرية لوفاة نادر البيومي أثناء احتجازه في أعقاب اشتباكات في عبرا بين الجيش وأنصار الشيخ أحمد الأسير المسلحين. ورغم استعلامات المتابعة والمطالبات بالتحديثات العلنية والشفافة من السلطات إلا أنه لم تنشر أي تقارير علنية عن التحقيقات.

وتحتل الحاجة إلى مكافحة التعذيب وإساءة المعاملة موقع القلب في عدد من الاتفاقيات والمعاهدات والإعلانات الدولية التي يلتزم لبنان باحترامها بموجب القانون الدولي، كما يتقيد بها بموجب مقدمة دستوره. وتشمل تلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب.

ويتعين على السلطات اللبنانية إقرار آلية وقائية وطنية لزيارة مراكز الاحتجاز ورصد معاملة المحتجزين وظروف معيشتهم، وتطوير استراتيجية وطنية لمنع إساءة المعاملة كما يشترط البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، الذي صدق عليه لبنان في 2008. وقد تعطلت التشريعات اللازمة لإنشاء تلك الهيئة في البرلمان منذ عدة سنوات.

وعلى لبنان أيضاً توفيق تشريعاته الوطنية مع اتفاقية مناهضة التعذيب، وخاصة فيما يتعلق بتجريم جميع أشكال التعذيب وإساءة المعاملة، إضافة إلى التأكيد على التزام لبنان بملاحقة جميع المزاعم عن وقوع تلك الانتهاكات على نحو آني وجاد وفعال لتقديم المسؤولين إلى العدالة.

وعلى سلطات القضاء التحقيق في جميع مزاعم التعذيب بغض النظر عن هوية المتهمين، بمن فيهم الأطراف الحكومية وغير الحكومية.

ويجب على البلدان المانحة التي تزود أجهزة لبنان الأمنية بالمعونات العسكرية أن تضمن دعم تلك المعونة لتوافق لبنان مع اتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من الالتزامات الحقوقية الدولية الواقعة على عاتق لبنان، بما في ذلك من خلال دعم الإشراف الداخلي على آليات المحاسبة.

ومن شأن ملاحقة المسؤولين عن التعذيب أن ترسي سابقة تمس الحاجة إليها في البلاد، وأن ترسل رسالة تفيد بأن التعذيب لن يلقى التسامح في لبنان. قالت هيومن رايتس ووتش إن ضمان المحاسبة يتجاوز بكثير ملاحقة المسؤولين عن انتهاك حقوق الضحايا في مشاهد مخزية تصل إلى الجمهور اللبناني.

وقال نديم حوري: "ليست العدالة للضحايا وحدها على المحك، بل إن معها أيضاً سمعة الحكومة وقوات الأمن. ومنع التعذيب هو نضال لتعزيز سيادة القانون، وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة".