الحلاق وليد الإبي، 35 سنة، من مدينة صعدة في شمال غرب اليمن، هو واحد من الأربعة الذين بقوا على قيد الحياة من عائلته. وقد جلس معي منذ أيام قلائل في حديقة بالعاصمة صنعاء، ليطلعني على صور لزوجته وبناته، وظل يردد عبارة "لا أصدق أنني فقدت عائلتي". كان يجاهد لإخفاء دموعه وهو يقرأ أسماء الـ27 فرداً من أفراد العائلة ـ وبينهم 14 طفلاً ـ الذين قتلوا حينما أصابت منزله غارات التحالف الذي تقوده السعودية يوم 5 مايو/أيار.

ويتنقل الإبي الآن بين اثنين من مستشفيات صنعاء، حيث يتلقى العلاج والده وشقيقه اللذان نجيا رغم جراحهما.

أصيب شقيق الإبي بشظية معدنية استقرت في جبهته قرب العصب البصري، ويقول الأطباء إنه قد يفقد البصر عند استخراجها. ويعمل الإبي، وهو عضو العائلة الوحيد الذي نجا بدون جراح، مع أشقائه في محلين للحلاقة تمتلكهما العائلة في المدينة. لم يكن لأي منهم أية صلات ظاهرة بالحوثيين، وهم هدف القصف الجوي للتحالف على اليمن. قال لي الإبي: "لا أعرف أحداً هنا في العاصمة". وكان يرتدي زي صعدة التقليدي، ويبدو تائهاً في شوارع صنعاء حيث التقينا به. "أشعر بعدم الارتياح والوحدة. لا أريد سوى العودة لبيتي، لكن لا يوجد ما أعود إليه".

في 26 مارس/آذار شرع تحالف تقوده السعودية ويتكون من 10 أعضاء من الدول السنّية في شن غارات جوية على الحوثيين، وهم حركة مليشياوية تدعمها إيران وكانت قد استولت على قطاعات كبيرة من اليمن، تشمل العاصمة، منذ سبتمبر/أيلول 2014. وفي يناير/كانون الثاني أحاط الحوثيون بالقصر الرئاسي وأرغموا الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته على الاستقالة. انسحب هادي إلى عدن، في الجنوب، التي كانت مركز تحركاته، لكنه رحل بعد أن وسع الحوثيون نطاق حملتهم العسكرية هناك. وفي أبريل/نيسان أعاد هادي تجميع حكومته في السعودية، وأيد غارات التحالف ودعاه إلى إرسال قوات برية إلى اليمن.

وقد يكون لعائلة الإبي صلات بالحوثيين لم يرغبوا في الكشف عنها لنا، لكن حتى لو كان الأمر كذلك فمن الصعب أن نرى كيف لهجوم قتل هذا العدد الكبير من المدنيين ـ ومعظمهم من النساء والأطفال ـ أن يبرر بموجب قوانين الحرب، التي تشترط تناسب الضرر الواقع على المدنيين مع الميزة العسكرية المنتظرة. وفي زيارة لمدينة صعدة، معقل الحوثيين، أثناء وقف لإطلاق النار استمر 5 أيام في منتصف مايو/أيار، سمعت عن 4 عائلات أخرى على الأقل أصاب التحالف منازلها، وقتل في كل مرة سيدات وأطفال وترك قلة من الناجين. إن مدينة صعدة، وهي بلدة زراعية تاريخية مبنية من الطوب اللبن، تؤوي في المعتاد نحو 50 ألف شخص، وقد تحملت النصيب الأكبر من حملة القصف التي شنها التحالف، وقذفتها القوات السعودية بالقنابل على نطاق هائل.

لقد وجدت مدينة صعدة، أنا وزميلي، مليئة بفوهات القصف، والركام، والمباني المدمرة. وبدا أن التحالف قادر على إصابة الأهداف التي يحددها لأن المباني الحكومية، مثل مكاتب الوزارات ومسكن المحافظ والمحكمة، كانت كلها مدمرة. وربما كان بعضها ـ وخاصة تلك التي تؤوي منشآت أمنية ـ من الأهداف العسكرية المشروعة. ومع ذلك فمن الصعب أن نرى الأغراض العسكرية التي دفعت الغارات لاستهداف مكتب البريد ومركز مكافحة الأمية، اللذين كان كلاهما مدمراً.

إن قدرة التحالف الظاهرة على إصابة المباني الحكومية بشيء من الدقة تزيد من صعوبة تبرير إصابة منازل العائلات، في تحد للقيود المفروضة على إلحاق الضرر بالمدنيين بموجب قوانين الحرب. وقد شاهدنا أيضاَ أطلال الأسواق الأربعة الرئيسية لمدينة صعدة، التي تضررت كلها جراء الحملة الجوية للتحالف. كما قضت الغارات الجوية على المنشآت الرئيسية للكهرباء والمياه في المدينة، وعلى بعض مخازن الأغذية أيضاً.

في مدينة صعدة التقينا بمجموعة من 12 رجلاً من "مكتب تطبيق حقوق الإنسان" التابع لأنصار الله، وهي المنظمة السياسية والعسكرية للحوثيين. وبقدر ما كنا نتبين، كان هؤلاء الرجال مكلفين بإدارة الشؤون اليومية للمدينة بينما ينتقل أرفع المسؤولين الحوثيين إلى مكان آخر للفرار من قصف التحالف المكثف.

ذات ليلة دعانا الرجال إلى العشاء، فجلسنا على الأرض في غرفة لم يتم تنظيفها منذ بعض الوقت، وكان مضيفونا جميعاً يرتدون ثياباً تغطيها البقع ـ وهي أمور ما كان يمكن قبولها اجتماعياً في زمن السلم. ذهب كل منهم إلى الحمام قبل الوجبة لغسل وجوههم وبلّ شعورهم بالماء، وقالوا لنا إنهم محظوظون لوجود قدر من الماء الجاري وقطع الصابون حتى الآن. واعتذر واحد منهم، ويدعى فهمي، قائلاً إنه حاول جاهداً العثور على الدجاج والأرز دون نجاح. وبدلاً من هذا تمثل العشاء في الزيتون، وعلبتين من الجبن، والتونة المعلبة، والقشدة المعلبة. وشرح لي: "كان من شأننا أن نقدم لك وجبة أفضل، لكن زوجاتنا رحلن وعلينا أن ندبر أمورنا بأنفسنا، وما يمكن العثور عليه هنا يتناقص باستمرار".

وإذا كان هؤلاء الرجال مضطرين للجوء إلى مخازن الأغذية المعلبة، الآخذة في النضوب، للبقاء على قيد الحياة، فلا يسعنا سوى أن نتخيل مدى تدهور الأمور بالنسبة للعائلات العادية التي بقيت في صعدة، عاجزة عن الرحيل حينما أعلنت السعودية أن المدينة هدف عسكري. إن هذه الاستراتيجية تنتهك قوانين الحرب، التي تحظر الهجمات التي تعامل الأهداف العسكرية المنفصلة في منطقة تضم تجمعاً مماثلاً من المدنيين أو الأعيان المدنية على أنها هدف عسكري واحد.

وقد سألنا الرجال عن الظروف في مناطق صعدة الحدودية مع السعودية، حيث لم تحترم قوات السعودية ولا قوات الحوثيين وقف إطلاق النار الأخير (والأخبار الموثوقة من تلك المناطق عسيرة المنال، بالنظر إلى أن القصف تسبب في قطع شبكات الهاتف أيضاً). وتمكننا من إجراء مقابلة مع رجل واحد من باقم، وهي بلدة تقع على بعد 10 كيلومترات من الحدود السعودية، فقال لنا إن أربعة من معارفه جرحوا في 29 أبريل/نيسان حينما التقطوا عبوة معدنية يتدلى منها شريط أحمر، وكانوا قد وجدوها ملقاة على الأرض. وكانت العبوة ذخيرة عنقودية غير منفجرة، فانفجرت لحظة التقاطهم لها.

وقد عثرنا في أرجاء مدينة صعدة على أنواع مختلفة من الذخائر. وكانت بعض الذخائر غير المنفجرة التي وجدناها، مثل عبوات "بلو-108" التي تشبه علب البسكويت المعدنية، صغيرة بما يكفي لاجتذاب الأطفال كلعب، ملقاة وسط الركام. كما كانت غيرها ـ بما فيها القنابل عديمة التوجيه التي تعادل الأشخاص في حجمها، ويتعذر نقلها بسبب ثقل أوزانها ـ ترقد وسط أطلال مكتب مهدم تقريباً. أما توقيت عودة اليمن للتمتع بحكومة تستطيع رفع تلك الأغراض الخطيرة من المناطق المتضررة، ناهيك عن إعادة بناء البنية التحتية للمدينة التي دمرت، فهو أمر يكتنفه الغموض. وقد كان اليمن غارقاً بالفعل في أزمة اقتصادية وإنسانية قبل بدء الحرب، والآن اضطر أكثر من نصف مليون شخص للفرار من منازلهم، مضيفين إلى آلاف المشردين الداخليين. إن التحديات القائمة أمام تعافي البلد هائلة.

وقد غادرت اليمن مع زميلي قبل أيام قليلة، في رحلة مدتها 20 ساعة إلى جيبوتي مع 405 من اليمنيين، على متن قارب مجهز لنقل الماشية.

ومع مرور الساعات، سمعنا عائلات تسال بعضها البعض أين سيذهبون بعد ذلك، وما الذي ينتظرهم، ومتى تتاح لهم العودة.

وفيما كنت أستمع، كنت أسأل نفسي عما سيبقى من اليمن متى عادوا، إذا عادوا. فاستناداً إلى ما رأيته في صعدة كانت غارات التحالف تؤثر في المدنيين وتقتلهم بطرق يصعب تبريرها، حتى مع قبول واقع النزاع المرير. إن التحالف والبلدان التي توفر له الدعم العسكري ملزمة على نحو صارم لا فقط بالامتناع عن استهداف المدنيين عمداً ـ فهذه جريمة حرب ـ بل أيضاً بالامتناع عن شن هجمات عشوائية أو غير متناسبة تؤدي إلى وفيات وأضرار في صفوفهم.

إن على التحالف، من أجل مستقبل المدنيين في اليمن، أن يتعهد باحترام تلك المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني. وقد فات الأوان بالنسبة لمعظم عائلة وليد الإبي، لكن بالنسبة لليمنيين العديدين المشردين داخل البلاد، والذين فروا إلى بلدان مجاورة، يتعين على التحالف أن يضمن وجود ما يعودون إليه عند انتهاء القتال.