(القدس) ـ إن عمليات إسرائيل العسكرية في الضفة الغربية، في أعقاب اختطاف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين، ترقى إلى مصاف العقاب الجماعي. اشتملت العمليات العسكرية على استخدام القوة بشكل غير قانوني، واعتقالات تعسفية وهدم غير قانوني لمنازل. أثناء مداهمات لبلدات ومخيمات لاجئين وقرى فلسطينية قامت قوات إسرائيلية بقتل ما لا يقل عن خمسة فلسطينيين بالرصاص، واعتقلت واحتجزت 150 آخرين على الأقل دون اتهام.

يقول الجيش إن العمليات تتم في معرض الرد على عمليات الاختطاف والقتل، وتهدف إلى إضعاف حركة حماس، لكن نطاق الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، والاستخدام غير المشروع للقوة، وتدمير الممتلكات، بما في ذلك هدم المنازل، ومداهمة المنازل والمكاتب الإعلامية تثير مخاوف من إنزال العقاب الجماعي. حققت هيومن رايتس ووتش في حالتين من حالات إطلاق النار المميت ووجدت أنه بينما راح بعض الصبية يلقون الحجارة، فلا توجد أدلة على أن الضحية أو أي شخص آخر في مرمى النيران كانوا يشكلون تهديداً وشيكاً لحياة الجنود الإسرائيليين أو غيرهم.

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لا يبرر تفتيش إسرائيل عن المسؤولين عن عملية الاختطاف والقتل المروعة لمواطنيها قتلها المدنيين دون وجه حق، ولا تدميرها الممتلكات، أو احتجاز المئات من الفلسطينيين بغير الإجراءات القانونية الأساسية السليمة. يجب أن يمثل قاتلو المراهقين الثلاثة أمام العدالة، لكن العقاب الجماعي دون محاكمات لا يؤدي إلا للمزيد من الظلم".

فضلاً عن ذلك، على حد قول هيومن رايتس ووتش، على قوات الأمن الإسرائيلية اتخاذ جميع التدابير المستطاعة لمنع الهجمات الانتقامية. ورد في تقارير إعلامية أن أثناء المظاهرات في القدس يوم 1 يوليو/تموز 2014 هتف المشاركون: "الموت للعرب" واعتدوا على عدد من السكان الفلسطينيين. وقام مستوطنون إسرائيليون في واقعتين منفصلتين، حسب التقارير، بدهس رجل فلسطيني يبلغ من العمر 28 عاماً قرب الخليل، وفتاة تبلغ من العمر 9 سنوات قرب بيت لحم بالضفة الغربية، يوم 30 يونيو/حزيران، بعد فترة وجيزة من اكتشاف القوات الإسرائيلية جثث المراهقين الإسرائيليين الثلاثة. قالت تقارير إعلامية إن في 2 يوليو/تموز قام معتدون مجهولون باختطاف محمد أبو خضير، 17 عاماً، وهو صبي فلسطيني من حي شعفاط بالقدس الشرقية، وأن جثمان صبي، هو على ما يبدو أبو خضير، تم اكتشافه في غابة بالقدس في وقت لاحق من اليوم. تقول السلطات الإسرائيلية إنها تحقق في الواقعة.

ذكرت تقارير إعلامية أن القوات الإسرائيلية اكتشفت جثامين المراهقين شمالي الخليل، بالضفة الغربية. أدانت هيومن رايتس ووتش اختطاف المراهقين الإسرائيليين في 12 يونيو/حزيران 2014 وقتلهم، بالقرب من مستوطنات في الضفة الغربية. ليس من الواضح ما هي الجماعات الفلسطينية المسلحة المسؤولة عن اختطافهم وقتلهم، من بين عدة جماعات أعلنت مسؤوليتها عن ذلك، إن كانت إحدى تلك الجماعات قد قامت بذلك من الأساس. في 26 يونيو/حزيران نشرت السلطات الإسرائيلية أسماء اثنين من المشتبه بهم الفلسطينيين قالت إنهم ينتمون بشكل عام إلى حركة حماس، وإن أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن صلة المشتبه بهما بحماس ضعيفة. نفت حركة حماس المسؤولية.

في 30 يونيو/حزيران أبعدت القوات الإسرائيلية السكان وفجرت مفرقعات بمنازل عائلات المشتبه بهما الاثنين، في الخليل، ما ألحق أضرار جسيمة بالبيتين، ودمرت الأثاث وممتلكات أخرى، بناء على تقارير إخبارية وصور فوتوغرافية للواقعة. لم يتم نسب اتهامات لأي من المشتبه بهما أو خضعا للمحاكمة.

كما استخدم الجيش الإسرائيلي المفرقعات في تدمير بيت أسرة زياد عواد، وهو فلسطيني متهم بقتل ضابط أمن إسرائيلي هو باروخ مزراحي في الضفة الغربية عام 2013، صباح 2 يوليو/تموز 2014. كانت زوجة عواد وأبنائه الأربعة واثنين من الأقارب الآخرين يعيشون بالبيت على حد قول شاهد لـ هيومن رايتس ووتش. في 30 يونيو/حزيران رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا دعوى استئناف من هاكوميد، منظمة حقوقية إسرائيلية، ضد الهدم، وقضت بأن أعمال هدم المنازل العقابية من أشكال "الردع" المشروعة بموجب أنظمة الدفاع (الطوارئ) لسنة 1945، والتي أدمجتها إسرائيل بقوانينها. يضر هدم المنازل العقابي بالناس لمجرد أن قريب لهم متهم بجريمة. ويعد من أشكال العقاب الجماعي، التي تحظرها اتفاقية جنيف الرابعة في كل الحالات.

اعتقلت القوات الإسرائيلية نحو 700 فلسطيني منذ 12 يونيو/حزيران 2014، ويبقى قيد الاحتجاز حالياً نحو 450 شخصاً، وجاء اعتقال بعضهم ضمن عمليات التوغل العسكري واسعة النطاق، كما اعتقلت آخرين يعرف عنهم تأييد أو زعامة كتلة التغيير والإصلاح في حماس، التي فازت بالانتخابات الفلسطينية في 2006، بحسب مؤسسة الضمير وهي منظمة فلسطينية تعنى بحقوق المسجونين. وأكد نظام العدالة العسكري الإسرائيلي "الاحتجاز الإداري" لما لا يقل عن 150 من هؤلاء المعتقلين، بحسب تقرير للضمير، بينما ينتظر توجيه الاتهام إلى الباقين أو إخضاعهم لأوامر الاحتجاز الإداري في الأيام القادمة. بموجب أوامر الاحتجاز الإداري، فإن الجيش الإسرائيلي يعتقل الفلسطينيين لفترات قابلة للتجديد لأجل غير مسمى بحد أقصى ستة أشهر، دون اتهامات أو محاكمة، مع حرمانهم من الحق في رؤية الأدلة بحقهم أو الطعن عليها.

تحتجز إسرائيل ما يبلغ مجموعه 350 "محتجزاً إدارياً" فلسطينياً، وهو أكبر عدد منذ 2009، وعليها اتهامهم بجريمة حقيقية أو الإفراج عنهم، بحسب هيومن رايتس ووتش.

قالت سارة ليا ويتسن: "الزج بالمئات في السجن ثم استبقاء ما يزيد على 150 منهم رهن الاحتجاز مع حرمانهم من أبسط الحقوق في سلامة الإجراءات هو مخالفة صريحة للقانون. إذا كان هناك متهم باختطاف وقتل المراهقين الإسرائيليين فعلى السلطات الإسرائيلية اتهامه ومحاكمته، وليس الالتفاف على سيادة القانون من أجل احتجاز آخرين".

في واحدة من وقائع إطلاق النار التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش، أطلقت القوات الإسرائيلية النيران المميتة على أحمد سمادة، 20 سنة، في الصدر بمخيم الجلزون للاجئين في نحو الساعة 2:15 من صباح 17 يونيو/حزيران 2014. قال سكان من المخيم لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية دخلت المخيم وأطلقت طلقات مكسوة بالمطاط وذخيرة حية على شبان كانوا يتظاهرون ويرمون الحجارة عندما اقتربت القوات الإسرائيلية.

لكن شاهدين أجريت مع كل منهما مقابلة منفصلة، وأحدهما كان مع سمادة وشخص آخر وكان في بناية أخرى تشرف على مسرح الأحداث، قالا إن سمادة لم يلق بالحجارة وكان على سطح أحد المباني وقتها. قال ناطق باسم الجيش الإسرائيلي لوسائل الإعلام إن سمادة أصيب بعيار ناري مميت بعد أن رمى بحجر على الجنود الإسرائيليين. في حين لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التأكد مما إذا كان سمادة والآخرين على سطح البيت معه كانوا يرمون الحجارة وقتها، فلا توجد أدلة على أن القوات الإسرائيلية كانت تواجه خطراً مميتاً وشيكاً. قال شهود إن بعض القوات الإسرائيلية تمركزت وراء جدار خرساني وتمركز آخرون وراء ركن مبنى يشرف على السطح الذي كان يقف عليه سمادة، ما يرجح أنهم لم يكونوا عرضة لأي خطر مميت وشيك. قال أحد الشهود إنه رأى الجندي الإسرائيلي الذي أطلق الرصاص الحي على سمادة، وأن الجندي كان يقف وراء جدار خرساني على مسافة 30 متراً.

في واقعة إطلاق النيران الأخرى، دخلت قوات إسرائيلية مخيم قلندية في توغل مشابه في الساعات الأولى من صباح 20 يونيو/حزيران، وأطلقت النيران المميتة على مصطفى أصلان، 21 سنة، في الرأس حين صعد إلى سطح منزله للتأكد مما إذا كانوا يتلفون سيارة والده، كما قال أحد الشهود على واقعة إطلاق النيران واثنين آخرين ساعدا في النزول به من السطح لاحقاً. كان شباب بالمخيم يلقون الحجارة على الجنود الذين أطلقوا طلقات مكسوة بالمطاط وذخيرة حية، لكن شهوداً قالوا إن أصلان لم يلق بالحجارة وأصيب بمجرد صعوده إلى السطح. توفي أصلان جراء إصابة الرأس في 25 يونيو/حزيران.

في الحالتين رفضت القوات الإسرائيلية مؤقتاً السماح لسكان المخيمين وعائلات الضحيتين بمغادرة منازلهم لالتماس الرعاية الطبية، دون مبرر واضح، بحسب الشهود.

واستناداً إلى تقارير إخبارية، وتحقيقات أجراها مركز الحق، وهو منظمة حقوقية فلسطينية، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومعلومات مبدئية جمعتها هيومن رايتس ووتش، قامت القوات الإسرائيلية أيضاً بإطلاق النيران المميتة على محمود دودين، 15 سنة، في 20 يونيو/حزيران في بلدة دورا جنوبي الضفة الغربية، وعلى أحمد خالد، 27 سنة، بمخيم العين للاجئين قرب مدينة نابلس يوم 22 يونيو/حزيران. لقي محمود الطريفي، 31 سنة، حتفه جراء طلقات نارية في رام الله في الصباح الباكر يوم 22 يونيو/حزيران، إبان تواجد قوات إسرائيلية في المنطقة.

تناقلت التقارير قيام القوات الإسرائيلية بإطلاق النار على يوسف أبو زاغة، 18 عاماً، في 30 يونيو/حزيران أثناء مصادمات مع السكان الفلسطينيين في جنين. توصل تشريح إلى أن صخر أبو الحسن، 17 عاماً، من منطقة المالح في غور الأردن، قد مات متأثراً بجرح رصاصة في 21 يونيو/حزيران، في ظروف غير واضحة، وذكرت تقارير إعلامية أولية أنه كان قد وطأ على لغم أرضي.  وحتى 23 يونيو/حزيران كانت القوات الإسرائيلية قد أصابت 21 من الفلسطينيين الآخرين بالذخيرة الحية منذ 12 يونيو/حزيران، بما في ذلك أثناء اشتباكات داخل مخيمات للاجئين، بحسب أرقام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

وتؤكد قواعد الاشتباك بالنيران المباشرة الخاصة بالجيش الإسرائيلي على تقييد استخدام القوة المميتة لتقتصر على الحالات المهددة فيها الأرواح، بحسب مقتضيات القانون الدولي في مثل تلك المواقف، لكن سجل القوات الإسرائيلية يبين أن مخالفة القواعد لا يؤدي إلى عقوبات تذكر. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام القوات الإسرائيلية المتكرر للقوة المفرطة، بما فيها القوة المميتة غير المشروعة، ضد فلسطينيين لم يكونوا يشكلون تهديداً داهماً، ولقد جدّت أحدث الوقائع حين أطلقت قوات إسرائيلية الذخيرة الحية فقتلت صبيين فلسطينيين في 15 مايو/أيار.

وثقت منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية ما لا يقل عن 46 حالة منذ 2005 إلى أوائل 2013 قامت فيها قوات إسرائيلية بقتل فلسطينيين في الضفة الغربية "بإطلاق الذخيرة الحية على رماة الحجارة". ومنذ سبتمبر/أيلول 2000 قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 3000 فلسطيني لم يشاركوا في أعمال عدائية، بحسب بيانات بتسيلم. لكن نظام العدالة العسكري لم يدن أكثر من ستة جنود إسرائيليين على قتل فلسطينيين دون وجه حق، وجاء أطول أحكام الحبس بسبعة شهور ونصف، وهذا بحسب يش دين، وهي منظمة حقوقية أخرى. وقد قامت هيومن رايتس ووتش بدعوة فلسطين إلى التماس الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية لردع الجرائم الدولية الخطيرة من الجانبين.

 

وقالت سارة ليا ويتسن: "في حالة بعد حالة بعد حالة، تطلق القوات الإسرائيلية الذخيرة الحية من بنادق هجومية على فلسطينيين مسلحين بالحجارة أو بدون أي سلاح. وبما أن الجيش غير مكترث بإنفاذ ما وضعه من قواعد ضد هؤلاء الجنود أو القادة الذين يصدرون إليهم الأوامر؛ فقد حان الوقت للجوء فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية".
 

 

الاعتقالات والاحتجازات الجماعية
بموجب أوامر احتجاز إداري، يحتجز الجيش الإسرائيلي فلسطينيين لمدد تقبل التجديد دون أجل مسمى حتى ستة أشهر، بغير اتهام أو محاكمة، ويحرمهم من الحق في الاطلاع على الأدلة المقدمة بحقهم أو الطعن عليها. وتزعم إسرائيل أن السماح للفلسطينيين المحتجزين بالطعن على الأدلة المقدمة بحقهم يعرض المرشدين الفلسطينيين للخطر، إلا أن هذا التبرير لا يسوغ ما ينطوي عليه من انتهاكات جسيمة لسلامة الإجراءات، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وبينما يبيح القانون الدولي الاستخدام المحدود للاحتجاز الإداري في حالات الطوارئ ولأسباب أمنية وجوبية، إلا أن ممارسة إسرائيل للاحتجاز الإداري دون احترام الحقوق الأساسية في سلامة الإجراءات ترقى إلى مصاف الاحتجاز التعسفي. ويوحي استخدامها الكاسح للاحتجاز الإداري في الأسابيع الأخيرة بانتهاج سياسة العقاب الجماعي غير المشروعة، وليس بسياسة ضيقة مخصصة للاحتجاز حيثما وجب الاحتجاز.

مداهمات المكاتب الإعلامية
في 18 يونيو/حزيران 2014 داهمت قوات إسرائيلية مكاتب "ترانس-ميديا"، وهي شركة فلسطينية للخدمات الإعلامية، في الخليل ونابلس، وكذلك مقرها الرئيسي في رام الله، فصادرت ما تقدر قيمته بنحو مليون دولار أمريكي من المعدات، وأرغمتها فعلياً على التوقف عن العمل، بحسب وسائل إعلام إخبارية وتقارير من المنظمة الحقوقية، المركز الفلسطيني لحرية الإعلام.

وفي 22 يونيو/حزيران داهمت قوات إسرائيلية المبنى الرئيسي لـ"بالميديا"، وهي شركة أخرى للخدمات الإعلامية، في رام الله، مما تضمن المكتب الذي تستأجره شبكة "آر تي" الإخبارية الروسية، فصادرت وأتلفت معدات وملفات، بحسب تقارير من "آر تي" وغيرها من وسائل الإعلام. نقلت "آر تي" عن ناطق عسكري إسرائيلي قوله إن المداهمة استهدفت "بالميديا" لأنها "تقدم خدمات لقناة الأقصى التلفزيونية، التي تقدم محتوى دعائياً وملهباً للمشاعر". ومع ذلك فإن "ترانس-ميديا" قدمت خدمات إعلامية لقناة "الأقصى"، بحسب تقارير، لكن "بالميديا" لم تفعل. ورداً على أسئلة من "آر تي"، صرح الجيش الإسرائيلي لاحقاً بأنه استهدف "قناة القدس" التي قال إنها "تستغل لتشجيع التجنيد والأعمال الإرهابية وجمع التبرعات لحماس". ومع ذلك فإن القوات الإسرائيلية لم تدخل مكتب "القدس" أثناء المداهمة، بحسب تقرير لـ"آر تي".

ويعد إغلاق المكاتب الإعلامية لمجرد أنها تقدم خدمات لجماعات سياسية معارضة انتهاكاً لحرية التعبير. وقد زعم بعض المسؤولين الإسرائيليين أن "الأقصى" تبث "التحريض" على المواطنين الإسرائيليين، لكن القوات الإسرائيلية، استناداً إلى تقارير إخبارية، لم تقدم لأي من الشركتين الإعلاميتين قبل المداهمات والمصادرات تصريحاً يستند إلى أدلة تفيد بقيام الشركتين بأي دور في تأييد التحريض أو العنف غير المشروع. وبالنظر إلى هذا الافتقار إلى الأدلة فإن على القوات الإسرائيلية إعادة المعدات المصادرة على الفور وتعويض المالكين عن الممتلكات المتضررة أثناء المداهمات.

في المجمل قام الجيش الإسرائيلي منذ 12 يونيو بشن 1600 مداهمة لمنازل وشركات ومواقع فلسطينية أخرى، تشمل مؤسسات خيرية إسلامية زعم الجيش أنها ترتبط بحماس، وهذا بحسب تصريحات عسكرية وتقارير إخبارية ومنظمات حقوقية ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

مقتل أحمد سمادة
في نحو الواحدة من صباح 17 يونيو/حزيران دخل مئات الجنود الإسرائيليون مخيم الجلزون للاجئين في الضفة الغربية شمالي رام الله، واقتحم منازل فلسطينيين، كما قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش. قال الشهود إن الجنود أطلقوا طلقات فولاذية مكسوة بالمطاط، والغاز المسيل للدموع وذخيرة حية، وألقوا القنابل الصوتية أو "قنابل الوميض" على شباب من المخيم كانوا يلقون عليهم الحجارة. أطلقت القوات الإسرائيلية النار على سمادة في الصدر في نحو الساعة 2:15 صباحاً، فيما كان على سطح منزل صديق له، بحسب الشهود.

راجعت هيومن رايتس ووتش صوراً فوتوغرافية للجثة التقطت أثناء التشريح، ويظهر فيها جرح دخول صغير بأعلى يمين الصدر وسحجات على الساقين. استخرج التشريح، الذي أجراه معهد التشريح الجنائي الفلسطيني في أبو ديس بالقرب من القدس، استخرج رصاصة حية من جثة سمادة تتفق مع كونها من الذخيرة النظامية عيار 5,56 ملم للبنادق الهجومية. لم تظهر تقارير عن صدور طلقات نارية عن فلسطينيين أثناء الواقعة، ولم يدع الجيش الإسرائيلي أن قواته تعرضت للنيران.

قال ناطق عسكري إسرائيلي لوسائل الإعلام إن سمادة أصيب بالنيران بعد إلقاء حجر على الجنود الإسرائيليين. وقال جميع الشهود إنه بينما كان بعض الشباب بمخيم اللاجئين كانوا يلقون الحجارة، لكن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من تبين إن كان سمادة ومن معه من آخرين على السطح قد فعلوا ذلك.

"ن" هو أحد سكان الجلزون وصديق لسمادة، قال لـ هيومن رايتس ووتش:

كنا نشاهد [كأس العالم في] التلفاز ولم يستطع أحمد العودة إلى منزله حين اقتحم الجيش المخيم. كان هناك مئات ومئات من الجنود، فأخذته إلى السطح طلباً للأمان. كان يرتدي الشورت وخفين وكنا قد صعدنا إلى سطح آخر حين رأينا جنوداً يدخلون المبنى، فقفزنا على السطح الذي أصيب فوقه. دفعته الطلقة إلى الخلف مسافة متر أو نحوه، ثم سقط وبدأت أجرّه. كان يتقيأ دماً.

قال الصديق إن سمادة كان يومها في يومه الأول بوظيفة جديدة بمركز "البلازا" التجاري.

زارت هيومن رايتس ووتش مسرح الواقعة في 23 يونيو/حزيران ولاحظت أثراً من الدماء على السطح يتفق مع وصف "ن". كما راجعت هيومن رايتس ووتش مقاطع فيديو التقطها سكان من المخيم على هواتفهم، وتظهر سمادة وقد فقد وعيه على ما يبدو وينزف، بعد أن ساعد "ن" وآخرون في سحبه على سلم من السطح إلى داخل المبنى.

قال "ف" وهو ساكن آخر من سكان الجلزون كان يتفرج من نافذة مبنى ثان على بعد 80 متراً، إنه رأى جندياً إسرائيلياً يطلق نيران بندقية هجومية على سمادة من موقع خلف جدار خرساني يجاور متجر صغير من طابق واحد ويقع بنفس الشارع الذي يضم المبنى الذي صعد سمادة إلى سطحه. قال "ف": "كان الجنود يتعرضون لوابل من الحجارة، لكن هذا الجندي لم يكن معرضاً لأي تهديد من الشباب على السطح ـ لم يكونوا يلقون بأي شيء ولم يروه أصلاً".

قال الشاهدان وأحد سكان المبنى حيث أصيب سمادة بالطلق الناري على السطح، إن وقت إطلاق النار كانت القوات الإسرائيلية متمركزة وراء جدار خرساني على مسافة 30 متراً تقريباً، وحول ركن مبنى آخر يطل على الجانب الآخر من الشارع. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد ما إذا كان سمادة مشارك في رمي الحجارة، لكن في كل الحالات، يبدو من غير المرجح – حتى إن فعل – أنه كان يمثل أي تهديد مميت للقوات الإسرائيلية.

قامت مجموعة السطح بإنزال سمادة، ضخم البنية، على سلم من السطح بصعوبة كبيرة إلى منزل "م"، 59 سنة، وزوجها وأبنائها، ثم نزلوا به على الدرج إلى ممر صغير ذي بوابة مخصص للسيارة. وقالت "م" لـ هيومن رايتس ووتش:

كنا جالسين بغرفتي مع الأبناء. سمعنا جلبة على السطح واعتقدت أنهم جنود، لكن الشباب نزلوا قائلين إن أحدهم أصيب. أنزلناه إلى المدخل وخرجت لطلب النجدة ـ فقد كنت أقل تعرضاً لخطر رصاصهم بحكم أني امرأة. لكنهم رفضوا وألقوا علينا القنابل الصوتية. كانت الاشتباكات مستمرة في المنطقة بين الشباب والجنود في ذلك الوقت، لكنني كنت أكلم الجنود مباشرة. ثم ذهب "ن" وتحدث معهم لأنه يعرف بعض العبرية، لكنهم رفضوا مع ذلك.

قال "ن" إنه طلب عربة إسعاف بعد أن رفض الجنود السماح لهم بالمغادرة، وسجل هاتفه الخلوي المكالمة الساعة 2:40 صباحاً. وتبين السجلات الطبية بمجمع رام الله الطبي، على بعد 6 كيلومترات تقريباً جنوبي الجلزون، أن الموظفين سجلوا دخول سمادة الساعة 3:26 صباحاً. لم تستطع هيومن رايتس ووتش التأكد مما إذا كانت القوات الإسرائيلية قد أخرت دخول الإسعاف للمخيم أو وصوله إلى سمادة دون مبرر.

قال سكان من الجلزون إن القوات الإسرائيلية اقتحمت 12 إلى 15 منزلاً في تلك الليلة، ودمرت ممتلكات دون مبرر. وفي حالة واحدة، في منزل على ناصية السطح الذي أصيب فوقه سمادة، عرضت "م" على هيومن رايتس ووتش صوراً فوتوغرافية لمنزلها المبعثرة فيه الأغراض بعد اقتحام القوات الإسرائيلية: "فتحت الباب حين طرقوه حتى لا يكسرونه، فدخل عشرات الجنود وقلبوا كل شيء رأساً على عقب، محطمين الأسرة والأكواب والخزائن. بل إنهم سكبوا الطعام والتوابل على الأرض".

مقتل مصطفى أصلان
قام عدة مئات من الجنود الإسرائيليين بدخول مخيم قلندية للاجئين في نحو الواحدة والنصف من صباح 20 يونيو/حزيران واقتحموا منازل عدد من السكان. في الاشتباكات اللاحقة مع الشباب الذين ألقوا الحجارة، استخدم الجنود الإسرائيليون الطلقات المطاطية والذخيرة الحية، بحسب السكان.

أطلق جنود إسرائيليون النار على رأس أصلان، 21 سنة، في نحو الساعة 2:15 صباحاً حين صعد إلى سطح منزل عائلته لتفقد سيارة العائلة المتوقفة في الشارع أسفل المنزل، بعد سماع أصوات تدل على تعرضها لتلفيات، وهذا كما قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش.

قال أحد الأقارب، وهو "ز"، 23 سنة:

كنا في المنزل وسمعنا شخصاً يضرب سيارة والدنا المتوقفة بالخارج، فصعدت مع مصطفى إلى السطح لإلقاء نظرة. وكان قد أطل برأسه من الجانب لتوه حين أصيب. كنا قد وصلنا لتونا. دخلت الطلقة من جبهته وخرجت من مؤخرة رأسه. دفعته الطلقة إلى الخلف وبدأت أصيح وأجره نحو الدرج. لم يكن هناك سوانا، لا أحد سوانا. لم نكن نعرف أن الجنود يملأون المكان.

يطل المبنى على الشارع الرئيسي الذي يمضي من الشرق إلى الغرب ويخترق مخيم قلندية. قال "ز" إنه كان يقف على بعد مترين خلف أصلان في توقيت إطلاق النار، وإنه رأى مجموعة من الجنود الإسرائيليين بطول جدار في حارة تتعامد على الشارع الرئيسي، على الجهة المقابلة. قال "ز": "لم أر كم يبلغ عددهم، لكنهم كانوا مصطفين واحداً وراء الآخر. وقد جاءت الطلقة من هناك".

لم تستطع هيومن رايتس ووتش التحقق من موقع مطلق الرصاصة، لكنها لاحظت أن جندياً في الموقع الذي أشار إليه "ز"، على بعد 30 أو 40 متراً، كان من شأنه التمتع بمرمى واضح. ومن شأن رصاصة حية منطلقة من الحارة إلى أعلى نحو السطح أن تتفق مع طبيعة الجرح برأس أصلان، حيث اخترقت الرصاصة جبهته وخرجت من أعلى مؤخرة رأسه، بحسب الوصف الذي قدمه الفريق الطبي بمجمع رام الله الطبي لـ هيومن رايتس ووتش.

قالت "ق"، 19 سنة، التي تمت لأصلان بصلة مصاهرة، إنها كانت تجلس معه بغرفة معيشة العائلة بالطابق الثاني من المبنى وكانت تتبعه هو و"ز" عند صعود السطح حين سمعت صياح "ز". قالت "ق" لـ هيومن رايتس ووتش:

كانا قد صعدا لتوهما. كان يرتدي ثياب النوم. كنت أتجه إلى الدرج وفجأة أتته الإصابة. لم يتسع لهما الوقت لعمل أي شيء للجنود قبل إصابته، وما كان ليفعل شيئاً على أي حال. كان من أبطال الملاكمة في فلسطين، وكان يتدرب لاحتراف الملاكمة. لم يشارك في اشتباكات قط.

اطلعت هيومن رايتس ووتش على صور لأصلان وهو يمارس الملاكمة، وعلى ميداليتين فاز بهما في الملاكمة.

قام "ت"، وهو قريب آخر يسكن الطابق الأول، بالمساعدة في إنزال أصلان من السطح. "كان أبي يصيح: ‘لقد أصيب أحدهم!‘ لم أعرف من المصاب لكنني هرعت إلى الدرج، ورأيت مصطفى يرقد قرب بئر الدرج فسألته: ‘هل أنت مفيق؟‘ لكنه لم يتحرك أو يرد". أثناء زيارة يوم 23 يونيو/حزيران لاحظت هيومن رايتس ووتش أثراً للدماء على السطح يتفق مع روايات الشهود.

رفضت القوات الإسرائيلية مؤقتاً السماح لأقارب أصلان بأخذه لالتماس الرعاية الطبية، كما قال أقاربه الثلاثة لـ هيومن رايتس ووتش. قالت "ق": "خرجت كل سيدات المنزل وبدأن في الصراخ، ثم بدأت سيدات الحي في الصراخ أيضاً، فاضطر الجنود للتراجع وسمحوا لنا بأخذه".

قامت الأسرة بنقل أصلان بالسيارة غرباً بطول طريق المخيم الرئيسي حتى التقاطع الرئيسي، حيث أخذته عربة إسعاف إلى مستشفى رام الله المركزي. وتشير سجلات الاستقبال بالمستشفى إلى دخول أصلان مجمع رام الله الطبي، الواقع على بعد نحو 6 كيلومترات شمالي مخيم قلندية، الساعة 2:49 صباحاً. وافق الجيش الإسرائيلي على طلب فلسطيني رسمي بنقل أصلان للعلاج إلى مستشفى هداسا الإسرائيلي في عين كارم، غربي القدس، حيث توفي يوم 25 يونيو/حزيران.

يلزم القانون الدولي الإنساني الجيش المحتل بتسهيل الرعاية الطبية بأقل تأخير ممكن لأي شخص يصاب في عمليات عسكرية، كما يحظر الاعتداء العمدي على المدنيين. ويعد من يرتكب مثل هذا الاعتداء بنية إجرامية مسؤولاً عن جريمة حرب.

قال آخرون من سكان مخيم قلندية لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية قامت أيضاً بمداهمة منازل وتدمير ممتلكات أثناء الليل، وأطلقت الذخيرة الحية أثناء اشتباكات مع شباب يلقون الحجارة. كما أطلقت القوات الإسرائيلية طلقة حية على مازن شحادة، وهو شاب في الثامنة عشرة كان يسكن بالقرب من عائلة أصلان، في أعلى الفخذ اليسرى بعد نصف ساعة تقريباً، بحسب شهود.

لم تحقق هيومن رايتس ووتش في ظروف إطلاق النار، لكن لم تظهر تقارير أو ادعاءات من جانب الجيش الإسرائيلي بقيام أي فلسطيني بإطلاق النار على القوات الإسرائيلية. أدت الرصاصة، التي لم تزل مستقرة في حوض شحادة، إلى قطع مجرى البول وتهشيم فخذه وحوضه، بحسب أطباء في مستشفى رام الله حيث يتلقى العلاج. قضى شحادة 3 أيام في الرعاية المركزة.