جميع أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، باستثناء مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، ونائب المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة، وانغ مين، يصوتون لصالح إحالة الأزمة في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب محتملة، في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، في 22 مايو/أيار 2014.

© 2014 رويترز

(نيويورك) قالتهيومن رايتس ووتش اليومإن استخدام الصين وروسيا لحق النقض (الفيتو) في 22 مايو/أيار 2014 ضد قرارمجلس الأمن الدولي لإحالة الوضع في سورياإلى المحكمة الجنائية الدولية يُعتبر خيانة لضحايا الجرائم الخطيرة هناك، فالقرار يحظى بدعم دولي واسع كما وافق عليه 13 من أعضاء مجلس الأمن.

وقال ريتشارد ديكرمدير قسم العدل الدوليفي هيومن رايتس ووتش: "يمكن لموسكو وبكين أن تعترضا على القرار لكنهما لا تستطيعان قمع رغبة الشعب السوري في العدالة وعشرات الحكومات التي ساندتهم من أجل حقوقهم، فمع دخول الأزمة السورية عامها الرابع تستعر الفظائع من قبل جميع الاطراف وقد تجاوز عدد القتلى أكثر من مئة وخمسين ألفاً، من ثم فإن تصويت روسيا والصين من أجل استمرار الإفلات من العقاب هو وصمة عار".

قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات السورية وقادة الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة لم تقم باتخاذ أي خطوات حقيقية لضمان العدالة الموثوقة تجاه ارتكاب الجرائم الخطيرة التي وقعت ومازالت تقع وتنتهك حقوق الإنسان، كما أن عدم محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أدى إلى المزيد من الأعمال الوحشية من قبل جميع الأطراف.

وقف 60 بلداً من جميع أنحاء العالم إلى صف الضحايا من خلال دعم إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومن شأن الإحالة أن تعطي الاختصاص للمحكمة في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بغض النظر عن أي جانب سوري ارتكبها.

في 15 مايو/أيار أصدرت أكثر من مئة منظمة غير حكومية من مختلف أنحاء العالم بياناًحثت فيه مجلس الأمن للموافقة على القرار الذي اقترحته فرنسا. وقالت هيومن رايتس ووتش إن التأييد الواسع للقرار من قبل الحكومات والجماعات غير الحكومية على حد سواء يعكس الإرادةالكبيرة لتحقيق العدالة في الجرائم الخطيرة في سوريا.

هذه هي الواقعة الرابعة التي تتشارك فيها روسيا والصين بالاعتراض على قرارات بشأن سوريا منذ بداية الأزمة في عام 2011 وقد اعتمد مجلس الأمن بالإجماع قرارين سابقاً، الأول بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية والآخر من أجل فتح ممرات لوصول المساعدات الإنسانية – مع نجاح ضئيل في تنفيذه حتى الآن. ولكن لم يتضمن أي من القرارين أحكاماً ملموسة لضمان العدالة في الجرائم الخطيرة الجارية في سوريا.

قال دبلوماسيون إن المقترح الفرنسي للقرار احتوى بعض العيوب، ففي تنازل للولايات المتحدة تضمن النص حكماً من شأنه أن يعفي رعايا الدول غير الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية من اختصاص المحكمة بالمشاركة في العمليات في سوريا بتكليف من مجلس الأمن الدولي. كما حمّلت مسودةالقرار العبء المالي بأكمله للتحقيق في سوريا للدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك يكون قد حظر أي تمويل أممي للمحاكمات التي تنتج عن الإحالة إلى مجلس الأمن، ولم يلزم الدول غير الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية بالتعاون.

رغم أن دعم القرار يعتبر قفزة إلى الأمام من أجل تحقيق العدالة في سوريا، تعتقد هيومن رايتس ووتش أن تلك الأحكام ربما تقوّض قدرة المحكمة على العمل بفعالية وقد تخلق معايير مزدوجة في تطبيق العدالة.

أعربت روسيا في الماضي عن معارضتها لإشراك المحكمة الجنائية الدولية، منذ 15 يناير/كانون الثاني 2013، واصفةً الجهود للتوصل الى الإحالة بأنها " سيئة التوقيت وتحمل نتائج عكسية." وقال السفير الروسي في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين لوسائل الاعلام في تصريحين مؤخراً إن موقف روسيا لم يتغيّروإن محاولة إشراك المحكمة من وجهة نظر روسيا "ليست فكرة جيدة"، أما الصين فالتزمت الصمت علناً تجاه الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية للتصويت في 22 مايو/أيار 2014. ولم تقترح روسيا أو الصين أية آلية ذات مصداقية لضمان المحاسبة من أجل ضحايا الانتهاكات الجسيمة في سوريا.

وثقتهيومن رايتس ووتش بشكل متعمق الانتهاكات التي ترتكبها القوات الحكومية والموالية لها على مدى السنوات الثلاث الماضية وخلصت إلى أنهم ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. حيث تشن الحكومة الهجمات الجوية والمدفعية العشوائية وتضرب المناطق المدنية وتمارس الاحتجاز التعسفي والتعذيب وتقوم بإعدام المدنيين والمقاتلين خارج نطاق القضاء. كما وثقت هيومن رايتس ووتش أيضاً جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية نفذتها العديد من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، بما في ذلك استخدام السيارات المفخخة لاستهداف المدنيين، والاستخدام العشوائي لقذائف الهاون والاختطاف والتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء.

أظهر أحدث تقريرمن لجنة التحقيق الأممية الخاصة بسوريا، والذي نُشر في 5 مارس/آذار أن جميع أطراف القتال ترتكب جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي واعتبر أن مجلس الأمن فشلفي اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد للإفلات من العقاب. اللجنة التي نشرت سبعة تقارير متعمقةمنذ إنشائها في أغسطس/آب 2011، أوصت مجلس الأمن بتفويض المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الانتهاكات في سوريا.

كما أوصت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة وفي مناسبات عدة بإحالة مجلس الأمن الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكان آخرهاخلال مؤتمر صحفي مع مجلس الأمن في 8 أبريل/نيسان 2014.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه رغم الفيتو المزدوج فإن تصويت 22 مايو/أيار في مجلس الأمن هو البداية وليس النهاية لحملة مصمّمة على تحقيق العدالة للضحايا في سوريا، فالحاجة للمساءلة في سوريا لن تقل إلحاحاً أو حيوية في المستقبل. ويتعين على الحكومات التي تدعم الجهود الرامية إلى السعي لإحالة المحكمة الجنائية الدولية الالتزام بالسعي من أجل العدالة للضحايا في سوريا، سواءً في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أو من خلال سبل أخرى بما في ذلك استخدام الولاية القضائية الدولية.

سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي وهو المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، نتيجة لذلك لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية الحصول على ولاية قضائية على الجرائم هناك إلا إذا أحال مجلس الأمن الوضع في سوريا إلى المحكمة، أو بقبول سوريا طوعاً لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية. سبق أن قام مجلس الأمن بإحالات مشابهة مرتين، الأولى بخصوص منطقة دارفورفي السودان عام 2005 مع دعم روسيا وامتناع الصين عن التصويت، والثانية بخصوص ليبيافي 2011 مع دعم كل من روسيا والصين.

قال ريتشارد ديكر: "عزلة روسيا والصين تتزايد في ظل إصرارهما عديم الرحمة على استمرار الإفلات من العقاب عن الفظائع الجماعية في سوريا، كما أن التحرك من أجل العدالة في سوريا أقوى من أي وقت مضى والجرائم أبشع بكثير من امكانية اخفائها تحت غطاء الفيتو".