كلس، تركيا – مر عام تقريباً منذ ذهبت لكلس لأخر مرة، وهي بلدة تركية تقع على الحدود مع سوريا مباشرة، لكن كان من السهل أن أرى التغيرات: لقد توقف تدفق الصحفيين الأجانب والعاملين بمنظمات المجتمع المدني الدولية، الذين يدخلون ريف حلب، في حين استمر تدفق المزيد من السوريين على البلدة. تمت توسعة مستشفى البلدة وثمة بنايات جديدة تُشيد هنا وهناك.

لكن الفندق الذي أمكث فيه هادئ لدرجة غريبة، ينتشر التراب في أنحائه، وقد هجره الصحفيون والعاملون بالإغاثة، الذين أصبح عملهم في شمال سوريا خطيراً للغاية بسبب الجماعات المسلحة الناشطة في المنطقة. مبرد الآيس كريم الذي حظي بإقبال كبير من الجميع في زيارتي الأخيرة تم دفعه إلى ركن مظلم. الشوارع ممتلئة بالرايات السياسية واللافتات الخاصة بالانتخابات التركية المحلية المرتقبة. الشوارع عامرة بالناس أيضاً.. سوريون استأجروا البيوت، يتسوقون في الأسواق. بحسب بعض الروايات فقد تضاعف تعداد البلدة منذ تدفق اللاجئين. قال لي عامل محلي بالإغاثة إن الشهور الخمسة الماضية فقط، منذ بدأت الحكومة السورية حملتها الجوية على حلب، شهدت تدفق 5 إلى 6 آلاف أسرة من هذه المدينة الواقعة شمال سوريا على كلس.

لكن السوريون أنفسهم هم من تغيروا. جاءوا من نفس المدن الشمالية التي جاء منها من قابلت في الرحلات السابقة: مارع وتلرفعت وحريتان وحلب ومدن أخرى. لكنهم كفوا عن الحديث عن الثورة أو النضال من أجل نيل الحرية والديمقراطية في سوريا. تحدثوا عن تعاساتهم، والفسدة الذين يجنون المال من مأساتهم. أولئك الناس الذين رأيتهم يتميزون دوماً بكرم الضيافة، يعرضون علي الحلوى والشاي، والذين حتى في أشق الأوقات كانوا يقدمون الشاي ولو بدون السكر بالمرة؛ رأيتهم هذه المرة غاضبين يشعرون بتخلي الجميع عنهم. كان أغلبهم يغادرون سوريا بسبب القنابل البرميلية التي تنهمر على حلب وريفها. هذه القنابل غير الموجهة عالية الانفجار – وتنتج محلياً بسعر زهيد، تُعبأ بالمتفجرات والحديد الخردة والمسامير أو أية مواد أخرى لإحداث تأثير الشظايا – يدفعها الجيش السوري من المروحيات لتسقط على مناطق مزدحمة بالسكان. باستخدام هذه القنابل بهذه الطريقة فهي لا يمكنها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ما يجعلها هجمات غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني. قالت سيدة في غضب: "إذا ترك لنا ركن واحد نختبئ فيه فسوف نبقى".

باتت الغارات كثيفة لدرجة أن العديد من المدنيين خلصوا إلى أن الحكومة تستهدفهم عمداً. هناك جماعة محلية هي مركز توثيق الانتهاكات، تقدر أن 2321 مدنياً قُتلوا بسبب القنابل البرميلية في حلب منذ بدأت الحملة الجوية في نوفمبر/تشرين الثاني.

أحياناً ما وجّه اللاجئون السوريون غضبهم نحوي، أنا وجه المجتمع الدولي في عيونهم. ذات مرة، أحزنني أن أسمع نقاشاً حول رد فعل المجتمع الدولي على النزاع، أو فلنقل غيابه، ومع النقاش تنهمر الدموع من عيون لاجئ نزح مرتين عن حلب، وكان سنه أكبر من أبي. رأى الموت والتعاسة بقدر لا يمكن لأغلب البشر تحمله. قال: "جاء أب يبحث عن ابنه، وكان يقود ميني باص أصيب [بصاروخ]". وتابع وهو يصف هذا الهجوم والدموع في مقلتيه: "كل ما وجده هو لوحة الأرقام. هذا كل شيء، لم يبق سواها".

النساء بدورهن لم يختلف حالهن. تحدثت عن الحاجة إلى المزيد من التوثيق للانتهاكات في سوريا، لكن قالت لي إحداهن: "وما الفائدة؟ العالم كله يعرف أننا نحتضر ونموت". وأردفت أخرى: "العالم كله يتفرج علينا، وبكل أسف لا يفعل شيئاً". أين المساعدات الإنسانية؟ هكذا تساءلن.

زرت أحد البيوت حيث يعيش نحو مائة شخص، وقد هربوا أنفسهم إلى تركيا فراراً من القنابل البرميلية. دفعوا 20 دولاراً تقريباً للشخص لمهرب كي يأخذهم، ولم يبق معهم الكثير من النقود. مع امتلاء مخيمات اللاجئين في تركيا حتى التخمة، أصبح اللاجئون ينامون 20 شخصاً في الحجرة، في مناطق كلس السكنية، ولا يجدون المساعدات الإنسانية. قالوا لي إنهم لا يأكلون إلا بفضل عطف الغرباء.

جلس الآباء والأمهات قرب الأولاد، يبكين من فقدن. هناك أم فقدت الاتصال بابنها، الذي تم تجنيده جبراً في الجيش: "لا أعرف أي شيء عنه".. في حين كان ابنها الآخر يقاتل مع المتمردين. طلبت أمهات المساعدة في العثور على أطراف صناعية بدلاً عن أطراف أبنائهن المفقودة، والعلاج من شلل الذراعين والساقين.

وكلمني الأطفال بدورهم. قالت فتاة تبلغ من العمر 9 أعوام فقدت ساقيها: "إنهم يستخدمون القنابل البرميلية لقتل الناس. أنا أتعلم المشي الآن بالعلاج الطبيعي. أريد أن أعود للمدرسة مجدداً".

كلماتهم، كلماتهم التي نرددها ونُسمِعها للناس لثلاث سنوات الآن، تطاردني: إذا توقفت القنابل البرميلية، فسوف نعود ديارنا جميعاً. لا أحد يساعدنا. كيف يمكنك مساعدتي؟

هناك آلية قانونية لمساعدة هؤلاء الناس. أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً في 22 فبراير/شباط يدين للمرة الأولى هذه الاعتداءات العشوائية على المدنيين، بما في ذلك باستخدام القنابل البرميلية، ويطالب الحكومة السورية بالكف عنها. شدد القرار على أن الانتهاكات ضد المدنيين قد ترقى لمستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأعرب عن نية مجلس الأمن اتخاذ خطوات إضافية في حال عدم الالتزام بالقرار.

سوف يبلغ الأمين العام بان كي مون حول درجة تنفيذ القرار في الثامن والعشرين من مارس/آذار. وعندما يفعل، فعليه أن يحمل معه صوت اللاجئين إلى قاعات مجلس الأمن. وفي الوقت نفسه، فعلى أعضاء مجلس الأمن توضيح أن القرار أكثر من محض حبر على ورق، وأنه التزام تجاه هؤلاء الرجال والنساء، بأن يتحركوا لوقف الاعتداءات غير القانونية التي تستهدفهم.

يمكن لمجلس الأمن – بل وعليه – أن يبذل المزيد من الجهد لوقف الانتهاكات واسعة النطاق التي تشهدها سوريا، بما في ذلك من خلال فرض حظر أسلحة ضد الحكومة السورية وجميع الجماعات المسؤولة عن الجرائم الممنهجة. يجب ألا يُسمح لأية دولة بدعم النزوح الجماعي والقتل والاحتجاز التعسفي، وهي الانتهاكات التي استمت بها هجمات الحكومة غير القانونية على السكان المدنيين. كما يجب أن تمتنع كل الحكومات عن إرسال أسلحة للجماعات المتطرفة التي ضلعت في انتهاكات لحقوق الإنسان واسعة النطاق وممنهجة.

كما ينبغي على مجلس الأمن أن يحيل الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذا من شأنه أن يردع وقوع المزيد من الانتهاكات ويرسل رسالة واضحة للحكومة السورية وكذا للمقاتلين على جميع أطراف هذه الحرب، مفادها أن المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة ستصل إليهم العدالة.

لا تعني كلمات وإدانات مجلس الأمن الكثير للاجئين الذين تحدثت إليهم، إذ أن الحكومة السورية حتى الآن أخفقت في الالتزام بمطالبات المجتمع الدولي. وكما أخبرني شاب، ربما هو صبي: "نحن لا ننتظر الأمريكان. نحن لا ننتظر أحداً. لنا الله. ليس معنا أحد سوى الله".

لقد حان الوقت لإثبات أن السوريين ليسوا وحدهم بلا أية مساندة.