في خطابه الرئيسي في مايو/أيار الماضي حول الضربات الجوية الأمريكية القاتلة ضد من زعم كونهم إرهابيين، قال الرئيس أوباما أن أحد أهداف الخطاب كان "تهيئة الظروف لتحقيق الشفافية والحوار" حول جدوى تلك الضربات. بيد أنه سيكون من العسير على أي مراقب أن يجد أي التزام، سواء بالشفافية أو بالحوار، في استجابة الولايات المتحدة المعوقة لإصدار مشروع قرار بشأن أعمال القتل المستهدف، كان من المتوقع أن يتم إقراره من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف.

يحث مشروع القرار الدول على "ضمان الشفافية" فيما يتعلق بالطائرات بدون طيار، والتي أصبحت سلاح واشنطن المفضل في عمليات القتل المستهدف. كما يحثهم على إجراء تحقيقات فورية، مستقلة ومحايدة متى بدت في الأفق  مؤشرات على انتهاك لحقوق الإنسان" تسببت فيه العمليات المسلحة بالطائرات بدون طيار. كما وأن القرار أشار على المجلس بتكوين فريق من الخبراء في مجال غارات الطائرات بدون طيار.

والقرار في ذاته لا يتصف بالكمال. فمن ناحية يركز في نطاق ضيق يقتصر على الطائرات بدون طيار عوضاً عن أعمال القتل المستهدف في مجملها. بيد أنه يرسل بإشارة هامة  إلى أنه ليس بمقدور أية دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، أن تحجب عن الأنظار بدرجة غير مبررة من السرية غاراتها القاتلة بالطائرات بدون طيار. لقد شنت الولايات المتحدة منذ تولي أوباما مهام سلطته ما لا يقل عن 400 غارة بالطائرات بدون طيار، أفادت تقارير جماعات بحثية مستقلة بشأنها عن تسببها  في مصرع نحو 2600 شخص. وقد أشار أوباما للادعاءات بوقوع خسائر بشرية جسيمة في صفوف المدنيين على نحو غير قانوني واصفاً تلك الادعاءات بالدخيلة. إلا أن إدارته لن تؤكد أية أرقام للخسائر، أو الضربات غير الموجهة لأفراد بعينهم أو عدد عمليات القتل المستهدف المنسوبة إليها.

إن هيومن رايتس ووتش لديها مخاوف جادة أن يكون في بعض، إن لم يكن الكثير، من عمليات القتل المستهدف الأمريكية انتهاك للقانون الدولي وكذا لسياسات أوباما ذاته شاملة تأكيده على أن الولايات المتحدة تشن غاراتها فقط عندما تكون شبه متيقنة من أن الأذى لن يطال أياً من المدنيين. وعند فحصنا سبع عمليات قتل مستهدف قامت بها الولايات المتحدة في اليمن منذ عام 2009 بواسطة الطائرات بدون طيار وغيرها من نظم الأسلحة، وسقط خلالها قتلى وجرحى من المدنيين، تكشف لنا وقوع انتهاكات واضحة في هجومين منهم للقانون الدولي الإنساني ولقوانين الحرب.

لقد أودى أحد الهجومين غير المشروعين بحياة 14 شخصاً زعم انتمائهم للجماعات المسلحة، وإلى جانبهم 42 من البدو ثلثيهم من النساء والأطفال كانوا نائمين. أما الهجوم الآخر فقد قتل فيه 12 مدنياً هم ثمانية من الفلاحين وأم وثلاثة أطفال، كانوا عائدين لمنازلهم من السوق. كما بدت لنا انتهاكات محتملة لقوانين الحرب في خمس هجمات أخرى، تضمنت الإغارة على سيارات كانت تشارك في موكب زفاف، مما أسفر عن مقتل 12 رجل وإصابة 15 آخرين وإلحاق إصابات طفيفة بالعروس.

لقد تقدمت باكستان، التي أدانت رسمياً الغارات بالطائرات بدون طيار على أراضيها، بمشروع القرار، على الرغم مما يبدو من تعاون أجهزة المخابرات الباكستانية مع تلك الهجمات. فيما تعلن  الولايات المتحدة عن معارضتها للقرار حيث "لا نرى في مجلس حقوق الإنسان المنبر الملائم لمناقشة تتركز بصورة ضيقة على نظام إطلاق سلاح مفرد". وقد عبر بعض الدبلوماسيين في أحاديث خاصة معنا عن خشيتهم من أن يتم تسييس فريق الخبراء. إلا أنه بدلاً من أن تقدم الولايات المتحدة يد العون في صياغة العملية لضمان أن يؤدي الإجراء إلى فعل ملموس، فإنها لم تحضر تحديداً أي من جلسات مجلس حقوق الإنسان العامة الثلاث التي عقدت هذا الشهر بغرض مناقشة الدول الأعضاء للصيغة النهائية لمشروع القرار.

كذلك تلمح الولايات المتحدة إلى أن النظر في مسألة أعمال القتل المستهدف ليس من شأن المجلس. ومنطقها المشوش الذي يشير إليه المسئولون الأمريكيون وكذلك الدبلوماسيون من بلدان أخرى بالأمم المتحدة هو كالآتي: إن الولايات المتحدة تملك سلطة شن عمليات قتل مستهدف طبقاً لقانون الحرب نظراً لانخراطها في نزاع مسلح حول العالم مع تنظيم القاعدة وجماعة طالبان وقوات مرتبطة بها معظمها لا يذكر بالاسم. وهكذا يستمر هذا الجدل عما إذا كانت قوانين النزاع المسلح تسري على تلك الهجمات أم تفسير ضبابي لحق أمة ما في الدفاع عن النفس، فيما يستبعد القانون الدولي الإنساني، الذي ينطبق على الممارسات الشرطية ومواقف أخرى خارج نطاق ميدان القتال. فمجلس حقوق الإنسان يراقب انصياع الدول القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا قوانين الحرب، ومن ثم فإنه، طبقاً لهذه الفرضية، غير مفوض بالنظر في تلك الضربات.

إلا أن المجلس سبق وأن تناول انتهاكات قوانين الحرب بصورة مستمرة. وبالفعل فإن ذلك جزء من التفويض الممنوح له، والذي يشير إلى "الطبيعة التكاملية والارتباط المتبادل بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني". وقد أكد أعضاء المجلس تكراراً هذا التفويض بموافقتهم على قرارات طالبت باتخاذ إجراءات عملية بصدد مسائل تتعلق بالقانون الدولي الإنساني كالقرارات الخاصة بإسرائيل أو دارفور أو سريلانكا أو سوريا، وكذا حالات نقل الأسلحة.

كذلك نجد الأساس المنطقي لنموذج الحرب الأمريكي على نفس الدرجة من التداعي. فبالرغم من أن القاعدة وأشباهها فكرياً من الجماعات العسكرية المسلحة تمثل تهديداً جد حقيقي، إلا أنه من غير الواضح كون مستوى الأعمال العدائية بين هذه الجماعات والولايات المتحدة يرقى لمستوى النزاع المسلح، مما يثير سؤالاً عما إذا كانت قوانين الحرب تسري أساساً على أعمال القتل المستهدف خارج ميادين القتال التقليدية. وماذا لو أن دولة أخرى ما قامت بقتل من تشتبه عضويتهم بجماعات عسكرية مسلحة ليست في حالة حرب معها؟ من الواضح أنه يتعين على مجلس حقوق الإنسان، المؤتمن على ترويج وحماية حقوق الإنسان حول العالم، أن يلعب دوراً بهذا الصدد.

تسعى باكستان لتمرير مشروع القرار الذي اقترحته بالإجماع. إلا أن بعض الدبلوماسيين في جنيف أخبرونا أن الولايات المتحدة قد تطالب بأخذ الأصوات، حيث يمكن من خلال تلك العملية للولايات المتحدة أن تصوت بالرفض وأن تحاول إقناع حليفاتها من الدول بفعل الشيء نفسه. وفي حالة تمرير القرار بالإجماع فإن الولايات المتحدة تبدو مستعدة لتسجيل معارضتها له رسمياً.

لقد تنبأ دبلوماسيون من بلدان عدة بأنه ما زالت هناك فرصة الحصول على الموافقة على إجراء ما بهامش واسع إذا ما جرى التصويت عليه. إذ سيمر القرار بعد ستة أسابيع فقط من تمرير البرلمان الأوروبي لقراره الخاص المطالب بمزيد من الشفافية والقابلية للمحاسبة بشأن الطائرات الموجهة بدون طيار. كما أكد كلاً من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة و نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لشئون حقوق الإنسان على الحاجة لضمان انصياع الهجمات بتلك الطائرات للقانون الدولي.

إن توخي المزيد من الشفافية فيما يخص الهجمات بالطائرات بدون طيار وكذا المحاسبة عنها هي أمور حتمية. وينبغي على إدارة أوباما المشاركة في المناقشة بشأنها، بدءاً بالمحادثات الهامة متعددة الأطراف الجارية حالياً بمجلس حقوق الإنسان عوضاً عن مجرد تقديم خدماتها الشفاهية لمبدأي الشفافية والحوار.       

ليتا تايلر باحثة أولى في هيومن رايتس ووتش.على موقع تويتر  @lettatayler