منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، في أول زيارة لي إلى سوريا لإجراء مقابلات مع أطفال بشأن أحداث بلادهم الآخذة في التدهور، كانت لدى كل منهم حكاية يحكيها. كانت حكايات فظيعة ـ أطفال عمرهم 16 عاماً تم احتجازهم وتعذيبهم في أقبية حكومية مظلمة، و صبية أصيبوا بجروح خطيرة جراء طلقات نارية في مظاهرات مناهضة للحكومة. لكن الأطفال المحظوظين في أيامنا هذه هم من لديهم حكاية واحدة فقط.

بالأمس نشر الأمين العام للأمم المتحدة  تقريره الأول المنصب حصرياً على الأطفال المتضررين من النزاع المسلح في سوريا. ويُجمل التقرير بعض أبرز الانتهاكات التي واجهها الأطفال في النزاع السوري: التجنيد على أيدي جماعات مسلحة؛ والتعرض للقتل والتشويه بسبب استخدام القوات الحكومية غير المشروع لأسلحة من قبيل الأسلحة الكيماوية والقنابل العنقودية والصواريخ الباليستية والغارات الجوية والأسلحة الحارقة؛ والوقوع ضحايا العنف الجنسي؛ والاعتداء على مدارسهم ومستشفياتهم واحتلالها من قبل مسلحين، وتجويعهم وإمراضهم بحرمانهم من الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

كم انتهاكاً من هذه تعرض له كل طفل في الحرب السورية حتى الآن؟ لقد حكى لي فؤاد، 17 عاماً، كيف طرد من مدرسته في الغوطة، وهي إحدى ضواحي دمشق، حين قررت السلطات طرد أو اعتقال جميع الأطفال المنتمين أصلاً إلى درعا. كما قال لي إن القوات الحكومية فيما بعد "فجرت المدرسة". يقدر تقرير الأمين العام أن 2,6 مليون طفل في سوريا لا يذهبون إلى المدرسة بانتظام، أو لا يذهبون بالمرة.

ومع وقوع الغوطة تحت الحصار، قال فؤاد إن عائلته عجزت عن الوصول إلى المساعدات الإنسانية فبقوا دون طعام أو دواء. قال لي فؤاد، "كنا نأكل أوراق العنب والكافور". ويلاحظ الأمين العام في تقريره أن الغوطة الشرقية بقيت تحت حصار القوات الحكومية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2012.

وفي مثل هذه الأوقات اليائسة، ألقى فؤاد بنفسه في أحضان وحدة من وحدات الجيش السوري الحر. قال فؤاد، "خدمت معهم لمدة شهور قليلة. كنت أقدم العلاج الطبي للآخرين". (وقد وثقت هيومن رايتس ووتش  قيام المعارضة باستغلال أطفال تصل أعمارهم إلى 14 عاماً). ورحل فؤاد حين غامرت عائلته وفرت من الحصار تحت جنح الليل، هاربة عبر البساتين مع تجنب الطرق.

يحتوي تقرير الأمين العام على توصيات لإنهاء ما يواجهه أطفال مثل فؤاد من انتهاكات. وعلى الحكومة وقادة المعارضة على حد سواء إتاحة وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى كافة مناطق سوريا، وإنهاء الاستخدام العسكري للمدارس، ووضع حد لتجنيد الأطفال للمشاركة في القتال. وقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش إطلاق هذه النداءات مراراً.

ومع ذلك، وفي غياب نهاية للنزاع في الأفق المنظور، يستمر تصاعد الانتهاكات. إن الانتهاكات التي تمس الأطفال وحدها ينبغي أن تحث مجلس الأمن على إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتبني قرار ملزم يطالب بوصول المساعدات دون عوائق، ويوضح أن الإخفاق في التقيد به سيؤدي إلى جزاءات استهدافية.

وإلا فبدون تلك الخطوات، متى سيحصل أطفال سوريا على الغوث الذي يستحقونه؟