على الرغم من الحريات الجديدة التي تحققت في مجال الصحافة منذ 2012، فإن اليمن في سبيله إلى أن يكون بلدًا يُمكن أن ينتهي بك المطاف فيه إلى القتل بسبب التعبير عن الرأي.

في وقت سابق من هذا العام، قال لي محمد الربع، 27 سنة، وهو مقدم لبرنامج تلفزيوني شعبي ساخر في اليمن: "على قدر اشتياقي لعائلتي، لم أعد قادرًا على العيش معهم لأن عملي يجعلهم عرضة للخطر. واقع الأمر أنني اخترت عملا قد يجعل حياتي قصيرة جدًا".

منذ أن تسلمت الحكومة الانتقالية مقاليد السلطة في اليمن في فبراير/شباط 2012، حصل ارتفاع مهول في عدد الاعتداءات على الصحفيين. وليس محمد الربع إلا واحدًا من 15 صحفيًا قالوا لي جميعًا إنهم يتعرضون إلى تهديدات بالقتل بشكل مستمر بسبب عملهم. وأظهر الكثير منهم قدرًا كبيرًا من الشجاعة وقالوا إنهم يتعرضون إلى عدد كبير من التهديدات إلى درجة أنهم لم يعودوا يأخذونها مأخذ الجدّ.

ولكن التهديدات أصبحت أمرًا واقعًا. وعملا على حماية عائلاتهم، تعوّد محمد الربع وصحفيون آخرون على العيش بمفردهم، وهم لا يغادرون منازلهم إلا عند الضرورة. ويُذكر أن الاستوديو التلفزيوني الذي يعمل فيه محمد الربع تعرض إلى القصف. وفي إحدى حفلات الزفاف، أخرج رجل خنجرًا، ووضعه على رقبته وقال له: "لو كان بوسعي قتلك لفعلت". وفي إحدى ليالي مايو/أيار 2012، كان رجال مسلحون في انتظاره قرب منزله، وقاموا بمطاردته عندما خرج من المنزل، وبالكاد تمكن من الإفلات منهم.

كما عاش صحفيون آخرون تجارب مماثلة منذ وصول عبد ربه منصور هادي إلى الرئاسة منذ سنة ونصف، بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية التي تسببت في نهاية حكم علي عبد الله صالح الذي دام 33 سنة. وقد عملت حكومة عبد ربه منصور هادي على تعزيز حقوق اليمنيين، وخففت من حدة الرقابة على التعبير ووسائل الإعلام. وأصبح الصحفيون يكتبون بانفتاح في جميع المواضيع، بما في ذلك السياسة، والفساد، والمشاكل الاجتماعية التي يواجهها اليمن.

ولكن هذه الحرية الوليدة اقترنت بارتفاع عدد الهجمات على الصحفيين والمدونين وغيرهم من الأشخاص الذين يعبرون عن رأيهم بصوت عال، بينما فشلت الحكومة في مواجهة ذلك.

وعلى سبيل المثال، اعتدى جنود من قوات الأمن المركزي على جبر صبر، وهو صحفي يعمل مع مأرب برس، وعمره 30 سنة، واحتجزته بينما كان بصدد تغطية مظاهرة في يناير/كانون الثاني. ثم قاموا بنقله إلى السجن، مع ابنه البالغ من العمر خمس سنوات والذي كان معه في المظاهرة، واحتجزوه لعدّة ساعات. قال لي جبر صبر: "كان ابني دائمًا يتوسلني كي يذهب معي إلى عملي. أما الآن، فأصبح يرفض الذهاب معي، وعندما أغادر المنزل، أصبح يسألني ما إذا كنت سأذهب إلى السجن".

كما قال فائد علي عبد الله دحان، وعمره 28 سنة، وهو صحفي في قناة يمن شباب إن جنودًا من الحرس الجمهوري، من قوات النخبة، اعتدوا عليه في نقطة تفتيش في منطقة سنحان في يوليو/تموز 2012، وأخرجوه من السيارة ثم قاموا بضربه وحبسه في سجن مؤقت لساعات. ولما أطلقوا سراحه، احتفظ الجنود بهاتفه وآلة تصويره وماله، ولم يعيدوا إليه إلا ما يكفيه من النقود كي يعود في سيارة تاكسي إلى المنزل.

في منتصف ليلة رأس السنة الماضية، انفجرت قنبلة صغيرة قرب منزل خالد حسين القرني، وعمره 47 سنة، وهو صحفي في موقع 26 سبتمبر/أيلول الإخباري. لم يكن القرني في المنزل، ولكن عائلته كانت هناك، بمن في ذلك والده المريض. وقال القرني: "بعد الانفجار، تدهورت صحته بسرعة، ثم توفي".

قامت مؤسسة حرية، وهي منظمة يمنية غير حكومية تُعنى بتعزيز حرية الصحافة، بتوثيق 260 حالة منفصلة في 2012 لصحفيين تعرضوا إلى المضايقة والتهديد، بما في ذلك الاختفاء القسري ومحاولة الاغتيال. كما قامت بتوثيق 144 هجومًا في النصف الأول من 2013.

تحت نظام علي عبد الله صالح، كانت الحكومة هي التي تستهدف الصحفيين. أما الآن، فصار الصحفيون عرضة إلى الهجمات من العديد من الأطراف، بمن في ذلك أنصار الرئيس السابق، والمحافظون المتدينون وغيرهم. ويبدو أن ذلك ناتج عن ضعف الحكومة الجديدة وحالة عدم الاستقرار العام في اليمن.

تمكنت العديد من المجموعات الدينية والسياسية، على اختلاف أجنداتها، من تعزيز نفوذها أثناء وبعد انتفاضة 2011. وهي الآن تقوم بمعاقبة الصحفيين الذين يحاولون توثيق انتهاكاتها.

لا يعرف محمد الربع الرجل الذي هدده في حفل الزفاف، ولا هويات الأشخاص المسلحين الذين قاموا بمطاردته. وسوف لن يستطيع القيام بذلك أبدا. وفي حالة محمد الربع، وفي غيره من الحالات التي قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيقها، لم تحرك السلطات ساكنًا. وفي كل مرة، لا تفتح السلطات تحقيقًا، أو هي ترد على ما يحصل ببطء وبشكل غير فعال. والى حدّ الآن، لم تتم أي محاكمة ناجحة.

إذا كانت حكومة عبد ربه منصور هادي ترغب فعلا في مناخ ملائم لحرية التعبير، يتعين عليها أن تثبت أنها ستحقق بسرعة وتقاضي الأشخاص الذين يهددون الصحفيين ويعتدون عليهم.

ولأن الإفلات من العقاب يولّد القبول بما لا يمكن القبول به، فإن اليمن في سبيله إلى أن يصبح بلدًا يُمكن أن يتعرض فيه الفرد إلى القتل بسبب تعبيره عن رأيه. وخلُص الصحفيون اليمنيون إلى أن التهديد بالقتل صار بكل بساطة جزءً من عملهم.

بلقيس واللي هي باحثة هيومن رايتس ووتش في اليمن.