Muhammad al-Baidhani holds a photo of his father, Abdul Khaliq al-Bhaidani, who is held at Guantanamo without charge.

© 2013 Human Rights Watch

لا يعرف محمد البيضاني، الصبي اليمني البالغ من العُمر 11 عاماً، ذو الشعر البنّي المجعّد الكثيف، أباه إلا من الصور ولقاء من خلال وصلة عبر الأقمار الصناعية يجريه معه لمدة ساعة واحدة كل شهرين. قبل أن يولد محمد، تم اعتقال والده ونُقل إلى معتقل غوانتانامو الأمريكي، وهو مُحتجز هناك من دون اتهام منذ ذلك الحين.

قال لي محمد عندما التقيته في منزل عائلته هذا الشهر في العاصمة اليمنية صنعاء: "بسبب الولايات المتحدة، لا أعرف حتى ماذا تعني كلمة ’أب‘". وأضاف وهو ممسك بصورة لوالده، عبد الخالق البيضاني بزي السجن الأبيض: "كل ما أريده هو أن تعيد الولايات المتحدة أبي إلى وطنه".

لو أن الرئيس أوباما عازم على تنفيذ ما ورد في خطابه الذي ألقاه يوم الخميس، فربما تتحقق أمنية محمد أخيراً. تعهد أوباما خلال كلمته التي تناولت موضوعات عديدة متعلقة بسياسة مكافحة الإرهاب، برفع التجميد عن عمليات إعادة اليمنيين من غوانتانامو، الذي فرضه في يناير/كانون الثاني 2010، وذلك بعد أيام من هجوم فاشل على طائرة ركاب أمريكية نُسِبت مسؤوليتها إلى اليمن. كما جدد أوباما تعهده الذي قطعه على نفسه في أول يوم له في منصبه عام 2009 بأن يغلق غوانتانامو تماما – رغم عدم تقديمه جدولا زمنيا.

لكن عندما اتصلت بأقارب البيضاني لأعرف رد فعلهم على خطاب أوباما، بدت أصواتهم غارقة في نفس القدر من التشاؤم تقريبا كعهدي بهم عندما التقيتهم في اليمن. ذكروا أن البيضاني نال الموافقة على نقله من غوانتانامو منذ 2006، ثم مرة أخرى في 2009، وهذا يعني أن السلطات الأمريكية ليست لديها أية نية لملاحقته قضائيا، ولا تعتبره تهديدا خطيرا على الولايات المتحدة.

وقالت والدة عبد الخالق البيضاني: "آمل ان يكون خطاب أوباما هو الأخير حول هذا الموضوع، وأن ينفذه فعلا هذه المرة. عندما علمنا منذ سنوات قليلة أن ابني نال الموافقة ليعود إلى وطنه، انتابتنا حالة من الفرح الهيستيري، لكن مرت السنوات وفقدنا ثقتنا في أمريكا".

ظهر هذا التشاؤم على أهالي معتقلين آخرين، كما بدا على عدد كبير من السكان اليمنيين. في بداية تولي أوباما الرئاسة، بدا أن العديد من اليمنيين يدعمون إجراءات الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في بلدهم الواقع بشبه الجزيرة العربية، ومعقل "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، الذي تنظر إليه واشنطن باعتباره من التهديدات الأمنية الأكثر خطورة. ثم بدأت أمريكا عمليات القتل المستهدف في اليمن، باستخدام الطائرات بدون طيار، وطائرات مأهولة؛ لتنفيذ ما قدر بأكثر من 50 غارة على أهداف إرهابية مزعومة.

وتعتقد المنظمات المعنية برصد عمليات القتل المستهدف من خلال تقارير وسائل الإعلام أن الغارات أسفرت عن مقتل المئات من الناس، بما في ذلك عشرات المدنيين. وترفض الولايات المتحدة تأكيد الأرقام، بينما تصر، كما فعل أوباما مرة أخرى في خطابه، أن معدلات قتل المدنيين أقل بكثير مما تفيد به تقارير وسائل الإعلام. غير أنني تحققت مؤخرا من 12 حالة وفاة لمدنيين في غارة واحدة على مشارف مدينة رداع بوسط اليمن في سبتمبر/أيلول 2012، والولايات المتحدة لا هي اعتذرت لأسر الضحايا ولا عوضتهم، ناهيك عن عدم الإعلان عن وجود أي تحقيقات. وفي حين قال أوباما يوم الخميس إن الوفيات في صفوف المدنيين "تلاحقه"، وإن الولايات المتحدة سوف تتخذ المزيد من الحيطة والحذر خلال عمليات الاستهداف؛ فلم يقدم أي اعتراف بدور الولايات المتحدة تجاه الهجمات غير المشروعة.

في الوقت نفسه، وبالعودة إلى غوانتانامو، لا يزال هناك أكثر من 90 يمنياً وراء القضبان، ما يعني أن المجموعة الأكبر من حيث الجنسية بين معتقلي غوانتانامو الـ 166 هم يمنيون. وقد انضم العديد من اليمنيين إلى الإضراب عن الطعام في المعتقل؛ احتجاجا على اعتقالهم بدون اتهام لما يقرب من 12 عاماً. واقع الأمر أن اليمني الوحيد الذي أعيد إلى وطنه من غوانتانامو خلال السنوات الأخيرة هو عدنان عبد اللطيف، الذي تمت إعادته في تابوت؛ ما أثار رد فعل غاضبة قوية في اليمن. كان عبد اللطيف قد حاول مرارا وتكرارا أن يقتل نفسه في غوانتانامو، ومثل البيضاني فقد نال الموافقة على عودته منذ 2006. ووجد ميتا في زنزانته في سبتمبر/أيلول الماضي جراء تعاطيه جرعة زائدة من الأدوية الخاصة به.

إن هذا المزيج الذي لم يتم التصدي له، من احتجاز اليمنيين بدون اتهامات في غوانتانامو وعمليات القتل بدون مساءلة في اليمن، إنما يهدد بتقويض العلاقات اليمنية الأمريكية فيما يخص مكافحة الإرهاب، وفي لحظة حرجة. بعد علاقة طويلة وغير مستقرة مع الزعيم اليمني السابق علي عبد الله صالح، تعتبر واشنطن الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي حليفاً قوياً في مكافحة الإرهاب وجاد في إحباط أية محاولات مستقبلية لمهاجمة الولايات المتحدة.

كان البيضاني الذي يبلغ من العمر الآن 30 عاماً قد سافر إلى باكستان بينما كانت زوجته في حملها الثاني؛ بحثا عن عمل يعول به أسرته. وورد في وثيقة حكومية سربها موقع ويكيليكس في 2011 أنه التقى متشدداً مزعوماً في كراتشي، الذي أقنعه بالتدرب في معسكر للقاعدة في أفغانستان خلال صيف 2001. واعتقل البيضاني فيما كان يحاول الفرار من أفغانستان بعد الغزو الأمريكي لهذا البلد في أكتوبر/تشرين الأول 2001. وبرغم هذا فلم توجه له أية اتهامات على الإطلاق، و رحلته إلى أفغانستان لا تمثل في حد ذاتها تهديدا فالشباب اليمني كان يسافر بصفة دورية إلى أفغانستان من أجل تلقي التدريب العسكري قبل 11 سبتمبر/أيلول، بمباركة حكومتهم ومن دون أي نية لإلحاق الضرر بالولايات المتحدة.

بالإضافة إلى، محمد، فإن عبد الخالق البيضاني أب لفتاة تبلغ من العمر 14 عاماً، اسمها فينة، كانت مجرد رضيعة عندما سافر إلى باكستان. وقالت لي والدة عبد الخالق: "عندما يتحدث الأطفال مع أبيهم خلال مقابلات الفيديو كونفرانس، ينهارون بالبكاء جميعا".      

مازال بإمكان أوباما ألا يخسر حسن النوايا اليمنية، فقط إذا أوفى بوعوده سريعا فأغلق غوانتانامو، وعمل على تقليص الخسائر في صفوف المدنيين أثناء عمليات القتل المستهدف. لكن استمرار التسويف والخسائر في الأرواح لن يؤدي إلا إلى خسارة قلوب المزيد من اليمنيين، وهو أمر لا يمكن أن يصنع سياسة قوية لمكافحة الإرهاب.