Skip to main content

إدانة مبارك دون المساس بالنظام القمعي

الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان تستمر فى مصر رغم الحكم على الرئيس السابق

نُشر في: Public Service Europe

(القاهرة) ـ جاءت أحكام الثاني من يونيو/حزيران في محاكمة حسني مبارك، رئيس مصر السابق وكبار مساعدي وزير الداخلية، لتمثل رسالة محيرة ومعيبة إلى حد بعيد. تؤكد إدانة مبارك على خلفية قتل المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية، إضافة إلى وزير الداخلية السابق حبيب العادلي، تؤكد أن أعلى مسؤولي الدولة أنفسهم ليسوا فوق القانون.

إلا أن نفس المحكمة المكونة من ثلاثة قضاة برأت أربعة من كبار مسؤولي وزارة الداخلية، بمن فيهم أصحاب السلطة المباشرة على القوات الأمنية في مواجهات يناير/كانون الثاني 2011 والتي اعتُبرت بداية الانتفاضة المصرية. وهذا الفشل في تحديد أية مسؤولية مباشرة تقع على هؤلاء الذين كانوا يقودون القوات الأمنية إنما يلقي بظلال الشك على إدانة مبارك/العادلي ويرشح الأحكام للنقض في الاستئناف، كما لا يلقي أية أضواء على طريقة عمل "الدولة العميقة" وآلتها القمعية.

اتُهم مبارك والعادلي وكبار مسؤولي وزارة الداخلية الأربعة جميعاً بالتواطؤ على القتل والشروع في القتل، في قضية مقتل 225 متظاهر سلمي مناويء للحكومة وإصابة أكثر من 1800 منهم، فيما بين 25 و31 يناير/كانون الثاني 2011. وأدان القضاة الاثنين [مبارك والعادلي] فيما يتعلق بالعلم بإطلاق النار من قِبل قوات الأمن والفشل في منعها.

لاحظ زملائي الذين راقبوا المحاكمة بعض العيوب الإجرائية لكنهم اعتبروا أن رئيس المحكمة المستشار أحمد رفعت أدار المحاكمة بما يتفق والمباديء الدولية للمحاكمات العادلة. غير أن الإدانة والتبرئة على حد سواء بدتا وكأنهما تعكسان أوجه قصور جسيمة في القضية التي أعدها مكتب النائب العام ـ أوجه قصور من شأنها أيضاً أن تفسر العجز المتكرر عن إدانة قلة من بين 150 ضابط شرطة متبايني الرتب، تم تقديمهم للمحاكمة في قضايا قتل المتظاهرين المنفصلة الموزعة على أرجاء البلاد.

تأتي هذه المحاكمة وما تلاها لتبرز مشكلة الإفلات من العقاب طويلة الأمد في مصر، ورغم إدانة مبارك والحكم عليه بالمؤبد، فإن الحكم يعزز مشكلة الإفلات من العقاب.

 يتمثل جزء كبير من مشكلة الإفلات من العقاب في أن [مكتب النائب العام] الذي يرأسه عبد المجيد محمود، الذي عينه مبارك منذ وقت طويل،  حين يكبّد نفسه عناء فتح التحقيق في انتهاكات الشرطة فإنه كثيراً ما يمتنع عن تأمين الأدلة المطلوبة للإدانة. ويعكس هذا، ولو جزئياً على الأقل، امتناع قطاعات محورية من الجهاز الأمني عن التعاون.

في محاكمة مبارك احتج محامو الدفاع بأنه، رغم محاكمة مبارك ومسؤولي وزارة الداخلية بتهمة التواطؤ على القتل والشروع في القتل، فإن النيابة لم تحدد هوية المسؤولين الفعليين ـ في عريضة الاتهام أو في غيرها. وقال كبير ممثلي الادعاء العام في محاكمة مبارك، مصطفى سليمان، قال للمحكمة إن وزارة الداخلية وقطاع الأمن القومي بالمخابرات العامة رفضا يوم 4 يناير/كانون الثاني أن يقدما المستندات والأدلة المطلوبة، قائلاً إن هذا الامتناع عن التعاون كان متعمداً أو يتسم بالإهمال على الأقل. يرأس المخابرات العامة ضابط عسكري رفيع المستوى (كان هو اللواء عمر سليمان حتى يناير/كانون الثاني 2011). كان بوسع المجلس العسكري الذي يحكم مصر، المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أن يأمر المخابرات العامة ووزارة الداخلية بالتعاون مع التحقيق لو شاء أن يفعل.

لعل أكثر جوانب الحكم على مبارك/العادلي إثارة للدهشة هو إفلات مسؤولي وزارة الداخلية الأربعة الكبار المشاركين في التهمة، ومن بينهم قائد قوات الأمن المركزي ومدير أمن القاهرة. كان النشطاء الحقوقيون المصريون كثيراً ما يلمحونهما في مسرح الأحداث يوجهون قوات الأمن في أثناء المواجهات مع المتظاهرين.

والاستنتاج الآخر الذي يمكن للمرء استخلاصه هو أن إدانة مبارك والحكم عليه لا يكادان يلبيان المطالب المصرية بالمحاسبة الشاملة عن الانتهاكات المنهجية طيلة حكم مبارك الذي دام ما يقرب من 30 عاماً. لقد بين استقصاءلقطاع عرضي من المصريين على مدار العام الماضي أنهم شديدو الاهتمام بالمحاسبة عن انتهاكات حقوق الإنسان.

اقتصرت الجرائم الخطيرة التي تعالجها هذه المحاكمة على ما وقع بين 25 و31 يناير/كانون الثاني 2011 ـ الأسبوع الأول في الانتفاضة التي أدت إلى خلع مبارك. وما تزال الحاجة إليه ماسة هو التحقيق والملاحقة القضائية النزيهين المحايدين في جرائم التعذيب والاختفاء القسري وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان المنهجية ـ ناهيك عن المخالفات الحقوقية الجسيمة، بما فيها التعذيب، التي وقعت في عهد الجنرالات الذين أزاحوا مبارك.

لقد حوكم مبارك رغم كل شيء أمام محكمة جنائية عادية، تخضع للقانون الجنائي العادي وإجراءاته، كما كان ينبغي أن يحدث. لكن منذ خلع مبارك من السلطة في فبراير/شباط 2011، حوكم 12 ألف مدني أمام محاكم عسكرية، على جرائم عادية وكذلك على مخالفات متعلقة بالاحتجاج.

جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.