متظاهرون معارضون للحكم العسكري في مسيرة باتجاه مجلس الشعب، للمطالبة بوقف المحاكمات العسكرية للمدنيين. القاهرة 6 مايو/أيار 2012.

© 2012 Reuters

(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن البرلمان  المصري وافق في 6 مايو/أيار على تعديل قانون الأحكام العسكرية، وهي التعديلات التي لم تضع حداً للتوسع في المحاكمات العسكرية للمدنيين في الآونة الأخيرة. في عام 2011 تعرض أكثر من 12 ألف مدني – بينهم أطفال – لمحاكمات عسكرية غير عادلة، لم تكفل لهم إجراءات التقاضي السليمة الأساسية المتوفرة في المحاكم المدنية، وعددها أكبر من عدد المحاكمات العسكرية للمدنيين على مدار فترة حُكم الرئيس السابق حسني مبارك.

استمرت المؤسسة العسكرية في محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية في عام 2012 رغم وعود بالحد من هذه الممارسة. تم القبض على أكثر من 300 مدني منذ 4مايو/أيار في القاهرة، إثر مصادمات قرب وزارة الدفاع، ومن المُقدر خضوعهم للمحاكمات العسكرية قريباً.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "من الصادم أن هذا البرلمان المنتخب أخفق في اتخاذ خطوة أساسية نحو حماية المدنيين المصريين من نظام عدالة عسكرية غير عادل بطبيعته. إخفاق البرلمان في وقف انتهاك جسيم من الحكومة العسكرية يُعد خيانة للوعود الانتخابية بتوفير العدالة للمصريين جميعاً".

يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. رغم هذا، فما يزال قانون الأحكام العسكرية لعام 1966، معمولاً به فى مصر حتى الاَن، ويسمح بالمحاكمات العسكرية للمدنيين في عدة حالات، كما ورد في المادة 5 والتي تسمح بالمحاكمة العسكرية لـ  (المدنيون المتواجدون في منطقة ينتشر فيها الجيش)، والمادة  7 المتعلقة بـ (الإحالة من رئيس الجمهورية) و (إذا كان أحد أطراف الواقعة من الجيش). فضلاً عن ذلك فالمادة 8 مكرر تسمح للمحاكم العسكرية بمحاكمة الأحداث إذا كانوا برفقة بالغين خاضعين لاختصاص وسلطة الجيش، بينما المادة 48 تعطي نظام العدالة العسكرية اختصاص حصري بأن يحدد لنفسه نطاق اختصاصاته.

قالت هيومن رايتس ووتش إن التعديلات التي أصدرها البرلمان في 6 مايو/أيار تحد فقط من حق الرئيس في إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، ولا تعالج مشكلة السلطة الواسعة الممنوحة للمؤسسة العسكرية في المواد 5 و7 فيما يخص محاكمة المدنيين. كما لم يغير البرلمان غير كلمات قليلة في المادتين 8 و48، دون أن يعالج الصياغة المنطوية على إشكالية خطيرة، والتي تسمح بمحاكمة الأطفال أمام المحاكم العسكرية.

ناقشت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب أثناء الشهور الثلاثة الأخيرة تعديل قانون الأحكام العسكرية بناء على تعديلات مقترحة مُقدمة من اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، ممثلاً للسلطة التنفيذية. قدم نائبان من اللجنة، هما محمد العمدة وحسين إبراهيم مقترحات عليها تعديلات إضافية تسمح باستئناف الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية أمام المحاكم المدنية. إلا أن لائحة البرلمان التي يعود تاريخها إلى عصر مبارك – حيث كان يسيطر على البرلمان حزب واحد – تمنح الأولوية لمقترحات السلطة التنفيذية، وفى النهاية أخفقت اللجنة في تبني مقترحات النواب.

تعديلات شاهين المقترحة تقيد فقط من حق الرئيس في إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية. وقد قال للجنة التشريعية في 19 مارس/آذار إن هذه المادة "فرضها الرئيس السابق حسني مبارك على الجيش" وأن المجلس العسكري "حاول كثيراً أن يغيرها". رفض اللواء شاهين طلبات نواب البرلمان بتعديل المادة 48 التي تنص على أن القضاء العسكري هو الجهة الوحيدة المختصة بتحديد نطاق اختصاصها، قائلاً في مناقشة بثتها قنوات التلفزيون إن هذه المادة لا تحتاج لأكثر من تضييق نطاقها من أجل ضمان تأمين القوات المسلحة من [المدنيين] الذين يحاولون تفجير دبابة مثلاً أو سرقة ذخائر، لأن هذا كفيل بتدمير القضاء العسكري.

على مدار العام الماضي ذكر المجلس العسكري أكثر من مرة إن له حق محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية من واقع قانون الأحكام العسكرية. وفي لقاء متلفز على قناة أون تي في المصرية الفضائية، بتاريخ 11 أبريل/نيسان، قال اللواء إسماعيل عتمان رئيس جهاز الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة وقتها، إن القضايا التي تؤثر على أمن القوات المسلحة أو أمن البلاد، مثل البلطجة وأعمال النهب أو تدمير الممتلكات والسرقة – خاصة لو كان أحد أطرافها عسكريا – تتم إحالتها إلى المحاكم العسكرية التي تفصل فيها فوراً.

وقالت سارة ليا ويتسن: "التعديلات التي تقدم بها المجلس العسكري لا تختلف إطلاقاً عن التعديلات التجميلية الشكلية المألوفة من المؤسسة العسكرية للرد على الانتقادات دون الحد من السلطات العسكرية". وتابعت: "إخفاق نواب البرلمان في إنهاء هذا النظام، وقد كانوا الضحايا الأساسيين للمحاكمات العسكرية في زمن مبارك، هو أمر يقوض من الثقة في رغبتهم في الضغط من أجل الإصلاح".

خلال الشهور الثمانية الأولى من حُكم المجلس العسكري، تمت محاكمة 12 ألف مدنياً أمام محاكم عسكرية، أي أكثر من إجمالي عدد المدنيين الذين تمت محاكمتهم عسكرياً في زمن مبارك. في ظل حكومة مبارك، كانت المحاكمات العسكرية للمدنيين مخصصة للقضايا السياسية الأبرز، مثل إدانة نائب المرشد العام للإخوان المسلمين سابقاً، خيرت الشاطر، في عام 2008 ومعه 24 شخصاً آخرين، وكانت تتم هذه المحاكمات عادة من من خلال أمر إحالة من رئيس الجمهورية إلى القضاء العسكري.

وقالت سارة ليا ويتسن: "ضحى المصريون بأرواحهم وأمنهم من أجل حكومة تصون حقوقهم، لكن يبدو أن البرلمان الذي انتخبوه لا يهتم إلا بحماية الجيش".

تعارض هيومن رايتس ووتش بشدة ومن حيث المبدأ محاكمة أي مدنيين أمام المحاكم العسكرية، التي لا تحمي إجراءات التقاضي فيها حقوق إجراءات التقاضي السليمة الأساسية، وهي  لا تستوفي متطلبات الاستقلالية والحيادية الضرورية للمحاكم. ولقد دعت المنظمة برلمان مصر الجديد إلى تعديل قانون الأحكام العسكرية بما يحد من اختصاص المحاكم العسكرية، بحيث يقتصر اختصاصها على محاكمة العسكريين المتهمين بجرائم وتجاوزات ذات طبيعة عسكرية فقط.

كما أوصت هيومن رايتس ووتش بأن يتم تعديل قانون الأحكام العسكرية بحيث يُذكر فيه صراحة أن النائب العام هو المختص بالتحقيق في الشكاوى المتعلقة بالإساءة إلى الجيش من مدنيين، والمختص بالفصل فيما إذا كان يجب محاكمة عسكريين أمام المحاكم المدنية في حالة بدرت عنهم تجاوزات أو معاملة سيئة. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه إن لم يتحقق ذلك، فلن تحدث محاسبة كاملة على انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتكبتها المؤسسة العسكرية على مدار العام الماضي، وشملت أعمال تعذيب وكشوف عذرية وقتل المتظاهرين في ماسبيرو.