(طرابلس، 4 مارس/آذار 2012) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه يتعين على الحكومة الليبية تطوير إجراءاتها الأمنية بشكل عاجل لما يقارب 12 ألف نازح من سكان تاورغاء في الغرب الليبي. وأضافت أنه بعد مضي ما يناهز الشهر على الهجوم الذي نفذته ميليشيات على مخيم سكان تاورغاء في جنزور، الذي تسبب في مقتل رجل وثلاث نساء وثلاثة أطفال، مازال المخيم يفتقر إلى الحماية اللازمة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن النازحين من تاورغاء في طرابلس ومناطق غربية أخرى صاروا منذ أغسطس/آب 2011 عرضة إلى الهجمات والاعتقال والمضايقة، وخاصة على يد ميليشيات مصراتة. ولم تتحصل هيومن رايتس ووتش على أية أدلة تبرز أن الحكومة بصدد التحقيق في هذه الجرائم أو في عمليات إطلاق النار وقتل الأشخاص في جنزور.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يتعرض الأشخاص المهجرون من تاورغاء إلى العنف الذي تمارسه الميليشيات في الغرب الليبي. ويجب على الحكومة أن تتعاطى مع المسألة بقدر أكبر من الجدية، وتوفر قوات نظامية تعمل على حماية المخيمات، وأن تفتح تحقيقًا في عمليات القتل التي وقعت هناك".

وفي 6 فبراير/شباط 2012، قابلت هيومن رايتس ووتش تسعة أشخاص ممن شهدوا عمليات العنف داخل وخارج مخيم جنزور، ومن بينهم أفراد من عائلات الأشخاص الذين قُتلوا، وثلاثة من الجرحى، وبعض قادة المخيم، ومسؤول عن وزارة الدفاع. كما راجعت هيومن رايتس ووتش تقارير وفاة الأشخاص والسجلات الطبية الخاصة بالجرحى.

واستنادًا إلى المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، فإن عدد المُهجّرين من تاورغاء يقدر بـ 35 ألفًا في كافة أنحاء ليبيا. وقال بعض قيادات تاورغاء أن 16 ألفًا من سكان تاورغاء متواجدون في الشرق الليبي، و12 ألفًا آخرين في الغرب، معظمهم في طرابلس. ويبدو أن النازحين من تاورغاء إلى الشرق الليبي، وخاصة شرق مدينة مصراتة، هم أقل عرضة لخطر الاعتداءات.

صارت تاورغاء، القريبة من مصراتة، مدينة مهجورة منذ منتصف أغسطس/آب 2011. وتمنع ميليشيات مصراتة سكان تاورغاء من العودة إلى مدينتهم لأنهم متهمون بارتكاب جرائم من قبيل الاغتصاب في مصراتة أثناء الحرب والقتال في صفوف القوات الموالية لـ معمر القذافي.

خلُصت لجنة لتقصي الحقائق في ليبيا تابعة لمجلس الأمن مؤخرًا إلى أن ميليشيات مصراتة ارتكبت جرائم ضد الإنسانية مثل تعذيب وقتل سكان تاورغاء. وذكر التقرير الصادر يوم 2 مارس/آذار 2012 أن "ثوار مصراتة قتلوا واعتقلوا سكان تاورغاء بشكل تعسفي في كافة أرجاء ليبيا. وتم تدمير مدينة تاورغاء كي تصبح غير صالحة للسكن".

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على الحكومة الليبية والأطراف الدولية التي تدعمها ضمان توفر عدد كاف من قوات الأمن لحماية مخيمات تاورغاء، وأن تشرع السلطات فورًا في التحقيق في الجرائم المرتكبة في حق النازحين من هذه المدينة. كما يتعين على الحكومة اتخاذ الخطوات العاجلة الكفيلة بعودة سكان تاورغاء إلى مدينتهم بشكل آمن.

كما قالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومة المركزية مسؤولة عن توفير الأمن لمخيمات تاورغاء في الغرب الليبي، وخاصة على يد الجيش الوطني الذي يمتلك السلطة القانونية لاتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة، وليس عبر المجلس العسكري المحلي شبه الرسمي الذي يتكون عادة من ميليشيات غير خاضعة للمساءلة.

وتعرض مخيم آخر للنازحين من تاورغاء على طريق المطار في طرابلس، ويضم قرابة ثلاثمائة شخص، إلى الهجوم في مناسبتين اثنتين في فبراير/شباط على يد ميليشيات مجهولة. وقال أحد سكان المخيم إنه تم اعتقال ثلاثة رجال، وأطلق سراح واحد منهم في وقت لاحق. كما قال بعض قادة المخيم إن الحراس الأربعة الذين عينتهم إحدى الميليشيات المحلية لحراسة المخيم لا يمتلكون القوة الكافية لصد هذه الهجمات وعمليات الاختطاف التي تنفذها مجموعات مسلحة أخرى.

ونشبت أعمال العنف في مخيم النازحين من تاورغاء في جنزور يوم 6 فبراير/شباط بعد أن دخل أشخاص مسلحون بأسلحة ثقيلة من عدة ميليشيات، يبدو أن بعضهم من مصراتة، إلى الأكاديمية البحرية في جنزور التي يحتمي فيها أكثر من ألفي شخص من تاورغاء. وقال سكان المخيم إن المسلحين أعلموهم أنهم جاؤوا يبحثون عن السلاح.

وكان المخيم في ذلك الوقت تحت حراسة ستة طلاب من الأكاديمية البحرية يعملون لصالح الجيش الليبي. وعندما زارت هيومن رايتس ووتش المخيم أواخر فبراير/شباط، لم تلاحظ أية زيادةفي عدد الحراس، ولكنها شاهدت مدفعاً آلياً عيار 14.5 ملليمتر لدى بوابة المخيم.

وقال شهود إن رجالا يحملون مسدسات وبنادق كلاشنكوف اقتحموا المخيم حوالي التاسعة والنصف صباحًا في رتل من عشر شاحنات تحمل مدافع آلية عيار 14.5 ملليمتر ومدافع عيار 23 ملليمتر. وقال أربعة شهود أن بعض السيارات كانت تحمل لافتات لميليشيات مصراتة. وقال أحد الأشخاص الذين أصيبوا بجروح إن الأشخاص الذين قاموا بمهاجمته كانوا يصرخون "مصراتة حرة، مصراتة حرة".

وبينما توقفت بعض السيارات عند بوابة المخيم، داخلت سيارات أخرى إلى المباني التي تعيش فيها العائلات النازحة من تاورغاء داخل المخيم. وقال أحد قادة المخيم إن المسلحين الذين اقتحموا المكان قاموا باختطاف ثلاثة رجال من النازحين، تم الإفراج عنهم في أقل من أسبوع.

كما قال شهود إن عربات المليشيا تراجعت بعد ذلك إلى بوابة المخيم، وهناك شرعت في إطلاق النار. وتسبب ذلك في قتل نجمة عبد القادر فرج، ربة بيت وعمرها 60 سنة ولها ثمانية أطفال، وجمعة القذافي، وعمره 55 سنة، قرب بوابة المخيم في ظروف غامضة.

وقال أحد الشهود إن سكان المخيم بدأوا في إلقاء الحجارة على مقاتلي الميليشيا بعد أن سمعوا نبأ مقتل الشخصين.

وفي ظهيرة ذلك اليوم، نظم النازحون مسيرة خارج المخيم احتجاجًا على عمليات القتل. وقال أحد الشهود إن الميليشيات القريبة من المخيم قامت بعد ذلك بإطلاق النار في الهواء لإجبار المتظاهرين على التراجع. كما قال شاهدان آخران إنه عندما أصر المتظاهرون على مواصلة مسيرتهم، قام عناصر إحدى الميليشيات الأخرى بإطلاق النار على المحتجين لمدة دقيقتين، فتسببوا في مقتل ثلاثة أشخاص، بمن في ذلك طفلة تبلغ من العمر 12 سنة. ووصف أحد الشهود ما حدث قائلا:

خرجنا في مسيرة، واعترضنا بعض الأشخاص من مصراتة وطلبوا منا التراجع... ولكن الشباب رفضوا العودة وجلسوا وسط الطريق. ولما اقتربنا من مصحة في الجوار، حيث يوجد مسلحو مصراتة، حاولنا الاحتماء بجدار هناك، ولكنهم أطلقوا علينا النار قبل أن نصل إلى الجدار. قررنا العودة إلى المخيم، وكان أحدنا قد أصيب في جنبه وقال لنا "أتركوني هنا وغادروا على الفور". وبعد ذلك، أصيبت فتاة أخرى فانتشلتها من ذراعها وقالت فاطمة (اسم مستعار) إن علينا المغادرة. وطلبت فاطمة من حنين (اسم مستعار) أن تغادر معنا، ولكن حنين كانت مصابة على مستوى رقبتها من الأمام والرصاصة اخترقت رقبتها. لم أتمكن من رؤية الشخص الذي أطلق عليها النار. كان يوجد أربعة أو خمسة أشخاص يطلقون النار، وكان أحدهم يستعمل مسدسًا بينما كان البقية يحملون بنادق كلاشنكوف.

وتوفيت حنين صالح العجيلي على الفور، وعمرها لا يتجاوز 12 سنة. كما قال شاهدان آخران إن الهجوم تسبب أيضًا في مقتل نور الدين بلعيد القماطي، وعمره 21 سنة، ونصر الدين محمد القماطي، وعمره 25 سنة. وأكدت تقارير الوفاة التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش أسماء القتلى وتاريخ الوفاة وأسبابها.

وقال شهود إن الميليشيات قامت بعد ذلك باحتجاز بعض المتظاهرين لما يقارب ساعتين في مصحة طبية في الجوار. وتمكن أكثر من عشرة أشخاص آخرين من الفرار من المنطقة، وتقدموا مشيًا على الأقدام مسافة عدة كيلومترات في اتجاه الساحل. وقال صحفي زار المصحة عندما كان فيها النازحون من تاورغاء إنه سمع بعض عناصر الميليشيا يقولون: "لقد فر بعضهم إلى الساحل، هيا نلحق بهم"، وأضاف أن عددا من هؤلاء غادر بعد ذلك نحو الساحل.

وقال شخصان ممن فروا نحو الساحل لـ هيومن رايتس ووتش إن عناصر الميليشيا قدموا إلى هناك في بداية المساء وأطلقوا النار على المتظاهرين الفارين فتسببوا في مقتل الطفلين محمد عطية رحومة، وعمره 13 سنة، وفريج عبد المولى فريج محمد، وعمره 15 سنة.

ووصف أحد المتظاهرين الفارين إلى الشاطئ الهجوم قائلا:

سرنا على الأقدام إلى شاطئ البحر قرب القرية السياحية. كان الوقت حوالي الواحدة ظهرًا عندما هاجمتنا كتيبة مسلحة وأطلقت علينا النار. لم تكن المسافة التي تفصلهم عنا تتجاوز خمسين مترًا، ولم نكن نمتلك أي شيء ندافع به عن أنفسنا. حاولنا الاختباء ولكن رصاصتين أصابتا الطفلين محمد وفريج. حاولنا مساعدتهما ولكن الكتيبة عاودت إطلاق النار علينا. انقسمت مجموعتنا، واختبأت مع أحد أصدقائي في مكان مجاور حتى السابعة مساءً: غطينا أنفسنا بالبطانيات والحجارة.

وقالت العائلات إنها وجدت جثتي الطفلين في المستشفى في وقت لاحق من نفس اليوم. وقال أحد أقارب الطفل محمد إنه أصيب برصاصة في مستوى الجذع، اخترقته من الخلف وخرجت من الأمام على مستوى الصدر، ورصاصة أخرى في رجله. كما قال أحد أقارب الطفل فريج إنه أصيب بثلاث رصاصات في ظهره وأخرى أعلى ذراعه اليمنى. وأكدت تقارير الوفاة التي راجعتها هيومن رايتس ووتش تاريخ الوفاة وأسبابها.

وعلى إثر عمليات القتل التي جدت داخل وخارج المخيم،دعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا السلطات إلى تدعيم حماية الأشخاص المُهجرين من تاورغاء، وفتح تحقيق في هجوم 6 فبراير/شباط.

كما دعت هيومن رايتس ووتش الحكومة الليبية إلى ضمان فتح تحقيق سريع وشامل تشرف عليه سلطات العدالة الجنائية في عمليات القتل التي وقعت داخل وقرب المخيم لمقاضاة المسؤولين عن ارتكاب هذه الأعمال.

وقالت سارة ليا ويتسن: "الطريقة المُثلى لحماية المهجرين من تاورغاء تبدأ باعتقال ومقاضاة كل من يستعمل العنف ضدهم".