Bodies on ground after military police break up a peaceful sit-in on Sunday, November 20.

© 2011 Anjali Kamat

 

(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الحكام العسكريين لمصر أن يأمروا فوراً قوات الأمن المركزي بوقف استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين وأن تقلل من تواجدها في محيط المناطق القريبة من ميدان التحرير لدرجة تسمح بكفالة الحق في حرية التجمع  مع الحفاظ على الأمن. قامت قوات الأمن المركزي والجيش بإطلاق الذخيرة الحية والرصاص المطاطي على المتظاهرين، وقامت بضرب متظاهرين واستخدم القوة المفرطة في المظاهرات التي بدأت في القاهرة يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني، بحسب شهادات العديد من الشهود. 

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه من الضروري أن يجري النائب العام تحقيقاً يتمتع بالشفافية في استخدام القوة المميتة، وأن يتم التحقيق بشكل مستفيض في تورط المؤسسة العسكرية والقيادة العسكرية في الانتهاكات وفي مسألة سيطرتها على قوات الأمن المركزي.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "مع الانتخاباتالمقرر عقدها بعد أسبوع، يواجه الحكام العسكريون أزمة ثقة كبرى بسبب أسلوب إدارتهم للمرحلة الانتقالية. لم تتعلم السلطة العسكرية بعد الدرس الأساسي مما حدث في يناير/كانون الثاني، وهو أن المصريين يعرفون بحقهم في التظاهر السلمي، وأنه لا يمكن مصادرة هذا الحق باللجوء إلى قمع المظاهرات بالقوة الغاشمة".

حتى 22 نوفمبر/تشرين الثاني ظلت المواجهات مشتعلة بين المتظاهرين، وقوات الأمن المركزي والشرطة العسكرية، لليوم الرابع في التحرير. أسفرت التظاهرات في 21 نوفمبر/تشرين الثاني بمدينة الإسماعيلية الساحلية عن مقتل ثلاثة متظاهرين وعدد كبير من المصابين. بلغ تعداد القتلى 25 متظاهراً، مع إصابة أكثر من 1700 شخص، بحسب تصريحات وزارة الصحة. تأكد من عمليات التشريح على 22 جثماناً لمتظاهرين في مشرحة زينهم في القاهرة إصابة القتلى بالرصاص الحي، فيما مات ثلاثة آخرين نتيجة للاختناق من الغاز المسيل للدموع، على حد قول مسؤولي المشرحة لـ هيومن رايتس ووتش.

وقالت غادة شهبندر – الناشطة الحقوقية – لـ هيومن رايتس ووتش إنها فيما كانت تسير على كوبري قصر النيل في 19 نوفمبر/تشرين الثاني سمعت وهي تمر إلى جوار حاجز للشرطة يقف عنده ضباط أمن مركزي، سمعت ضابط أمن مركزي يقول للجنود حوله: "على الرؤوس، صوبوا على رؤوسهم"، مشيراً إلى المتظاهرين الذين كانوا على مسافة مائتي متر تقريباً.

أفاد أطباء في المستشفى الميداني الذي نصبه المتظاهرون في ميدان التحرير، وأطباء في منطقة وسط البلد بالقاهرة أنهم بدأوا في استقبال الحالات لمتظاهرين مصابين بالذخيرة الحية، بدءاً من الساعة السادسة مساء 20 نوفمبر/تشرين الثاني. قال طبيب قسم الطوارئ في مستشفى قصر العيني لـ هيومن رايتس ووتش إن مستشفاه استقبل ست مصابين بالذخيرة الحية ماتوا متأثرين بإصاباتهم بعد وصولهم. وفي ثلاث حالات دخلت الرصاصة من أعلى رأس الشخص، مما يعني أنها قد أطلقت عليه من مكان مرتفع، على حد قول الطبيب، وفي ثلاث حالات أخرى، كان الرصاص في الصدر والبطن. قال الطبيب لـ هيومن رايتس ووتش: "وصلت الحالات الست إلى الطوارئ وكانوا في مرحلة الاحتضار، فلم نتمكن من عمل شيء لهم".

وفي مشرحة زينهم بالقاهرة، قال رجل لـ هيومن رايتس ووتش إنه أمضى ثلاثة أيام في البحث عن ابنه الوحيد، سيد خالد عثمان البالغ من العمر 18 عاماً، ثم عثر عليه في المشرحة. تقرير التشريح المبدئي أفاد بأن عثمان أصيب برصاصة حية في الرأس. شهاب أحمد سيد البالغ من العمر 21 عاماً – وهو متظاهر آخر – قُتل برصاصة في الصدر يوم الأحد الموافق 20 نوفمبر/تشرين الثاني.

وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني أصدرت وزارة الداخلية بياناً صحفياً ورد فيه أن الشرطة لم ولن تستخدم أي أسلحة نارية أو خرطوش أثناء تلك المواجهات وأن الغاز المسيل للدموع هو أغلب ما تم السماح به أثناء تلك المواجهات. ثبت من بحوث هيومن رايتش ووتش كذب هذه التصريحات.

وقالت سارة ليا ويتسن: "مرة بعد الأخرى يصر الجيش على أنه لم يستخدم الرصاص الحي ضد المتظاهرين لكن الأمن المركزي يعمل تحت سلطة وقيادة المؤسسة العسكرية". وتابعت: "في هذه الحالة، لا يهم من أطلق الرصاص الحي، الأمن المركزي أم الشرطة العسكرية، فهناك شخص ما أصدر أوامر إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين فقتل 23 شخصاً ولابد من ملاحقة هذا الشخص أمام القضاء".

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى عدد من المراقبين قالوا إن العنف بدأ صباح 19 نوفمبر/تشرين الثاني عندما فرق الأمن المركزي اعتصاماً في ميدان التحرير لا يزيد عن بضعة مئات من المتظاهرين. كانوا قد نصبوا خيامهم في الميدان بعد مظاهرة قوامها عشرات الآلاف، احتجاجاً على إصرار الجيش على المميزات فوق الدستورية التي تقضي بإخراج سلطة وميزانية الجيش عن نطاق أي حكومة مدنية. وعلى مدار الأيام الأخيرة تحولت مطالب المتظاهرين إلى التركيز على نقل الحكم إلى سلطة مدنية واستقالة الوزارة القائمة.

أنباء اقتحام الأمن المركزي للاعتصام جلبت المزيد من المتظاهرين. ورد الأمن المركزي بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لإبعاد المتظاهرين، لكن تم دفع قوات الأمن المركزي إلى الخلف. ظلت الشرطة في الشوارع الموصلة بين التحرير ووزارة الداخلية. راح المتطاهرون يرشقون القوات بالحجارة وأحياناً بزجاجات المولوتوف أثناء المصادمات. وبعد الظهر رأى باحث من هيومن رايتس ووتش الأمن المركزي يرشق المتظاهرين بالحجارة ويصوبون بنادقهم على الحشد من فوق السيارات المدرعة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن من حق مسؤولي إنفاذ القانون استخدام القوة المتناسبة والضرورية، لكن استخدام الرصاص الحي لا يُسمح به إلا في حالة وجود تهديد وشيك بالموت أو بالإصابة الجسيمة، وذلك لدى ثبوت عدم فعالية الأساليب الأقل خطورة.

استمر الأمن المركزي في إطلاق الغاز المسيل للدموع من الشوارع المحيطة بميدان التحرير على مدار الأربع وعشرين ساعة التالية. وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني، في السادسة مساء، شهدت هيومن رايتس ووتش على قيام المئات من الشرطة العسكرية بتفريق المتظاهرين عن طريق ضربهم وإطلاق النار في الهواء وتكسير الخيام. نزعت الشرطة العسكرية لافتة كبيرة في وسط ميدان التحرير كان عليها: "نريد نقل السلطة إلى مجلس رئاسي". وفي ظرف 15 دقيقة، قاموا بإخلاء الميدان ثم انسحبوا.

وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني أنكر اللواء سعيد عباس، نائب قائد المنطقة المركزية، دخول الشرطة العسكرية إلى ميدان التحرير، وأضاف: "نحن لم نأمر بتفريق اعتصام التحرير". يظهر من مقاطع فيديو لفترة ما بعد الظهر من تسجيل صحيفة المصري اليوم المستقلة قيام الشرطة العسكرية والأمن المركزي مراراً بضرب متظاهرين غير مسلحين بالهراوات والعصي، مع قيام ثلاثة إلى أربعة جنود بضرب متظاهر أعزل في الميدان. 

وقالت سارة ليا ويتسن: "استخدام الأمن المركزي والشرطة العسكرية للقوة مماثل لما ارتُكب من عنف في يناير/تشرين الثاني، وهي الأحداث التي يُحاكم عليها الآن حسني مبارك وقياداته الأمنية".

قال أطباء تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش إن قدراً كبيراً من الإصابات في صفوف المتظاهرين كانت في الوجه والعينين. قال طبيب تخدير من مستشفى قصر العيني تحدثت إليه هيومن رايتس ووتش إن جميع المتظاهرين المصابين الذين تم إسعافهم في 19 نوفمبر/تشرين الثاني كانوا مصابين في الصدر والرقبة والوجه بالرصاص المطاطي، مع الكثير من الإصابات في العين.

فقد المتظاهر أحمد حرارة عينه الثانية في 19 نوفمبر/تشرين الثاني بعد أن كان قد فقد عينه الأخرى في 28 يناير/كانون الثاني، بسبب إصابة برصاص مطاطي أيضاً. أما مالك مصطفى، المدون والناشط، فقد أصيب في عينه برصاصة خرطوش مطاطية في 19 نوفمبر/تشرين الثاني أثناء تظاهره سلمياً، وفقد القدرة على الإبصار بتلك العين.

رصاص الخرطوش المطاطي من أشكال السيطرة على الحشود الخطيرة ويمكن بسهولة أن تؤدي إلى إصابة الأفراد بالعمى إذا تم التصويب على الوجه، ولهذا فمن الضروري تصويبها في حال استخدامها على الأقدام وليس على الوجوه، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

يظهر من مقطع فيديو لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من جانبها من التأكد من محتواه لكن يتسق مع الظروف والملابسات العامة لأحداث 20 و21 نوفمبر/تشرين الثاني، قيام ضباط أمن مركزي بإطلاق النار من شارع محمد محمود على ميدان التحرير حيث يتجمع المتظاهرون. يظهر من مقطع الفيديو أيضاً إطلاقهم النار بإسناد البنادق على الكتف باتجاه الحشد، ثم قول ضابط لآخر: "جدع يا باشا، جت في عين الواد".

قام الأمن المركزي والشرطة العسكرية باعتقال 127 متظاهراً على الأقل أثناء جولة المواجهات الحالية، وتمت إحالتهم إلى نيابة قصر النيل، حيث تم التحقيق معهم واتهامهم بالتظاهر غير المشروع. جبهة الدفاع عن متظاهري مصر، وهي تحالف من منظمات حقوق الإنسان، وثقت 64 حالة من هذه الحالات، منها اعتقالات بحق متظاهرين سلميين كثيرين، مثل إسلام محمد الذي تم القبض عليه تعسفاً.

هذه هي الجولة الأخيرة من وقائع تفريق الأمن المركزي والشرطة العسكرية للتظاهرات السلمية. في 28 و29 يونيو/حزيران، اشتبك الأمن المركزي في معركة بالشوارع لمدة 16 ساعة مع المتظاهرين، فألقى الجنود الحجارة وأطلقوا الغاز المسيل للدموع على الحشد، مع التصويب في جسد المتظاهرين، مما أسفر عن أكثر من 114 إصابة. كما وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الشرطة العسكرية للقوة المفرطة في تفريق تظاهرات سلمية أيام 25 فبراير/شباط و9 مارس/آذار و9 أبريل/نيسان و1 أغسطس/آب و9 أكتوبر/تشرين الأول.

الانتخابات في مصر تُصاحب عادة بأعمال العنف. في عهد مبارك، كان العنف هو عنف الشرطة لترجيح كفة مرشحي الحزب الحاكم، لكن منظمات مراقبة الانتخابات وثقت بعض أعمال العنف بين المرشحين في انتخابات 2000 و2005. قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات المصرية ضمان أن تكون إدارة الأمن في الانتخابات متسقة مع معايير حقوق الإنسان من أجل بث الثقة في العملية الانتخابية.

وقالت سارة ليا ويتسن: "هذه الأزمة الجديدة تعيد إلى الأذهان كل ما حدث على مدار الشهور الأخيرة من الفترة الانتقالية الموعودة في مصر". وأضافت: "لم نر بعد الجيش يصلح الأجهزة الأمنية أو يوقف الممارسات والسياسات المسيئة التي اتسم بها عهد مبارك".