دبلوماسيو مجلس الأمن يصوتون على قرار أثناء اجتماع عن ليبيا بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. 26 فبراير/شباط 2011

 

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه ينبغي على أعضاء مجلس الأمن  بالأمم المتحدة أن يُمارسوا ضغوطًا على ليبيا وأية دولة أخرى قد يكون فرّ إليها سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي، من أجل اعتقالهم وتسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية. وفي 2 نوفمبر/تشرين الثاني، سوف يقدّم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أمام مجلس الأمن عرضًا موجزًا حول التحقيق الذي أجراه في الشأن الليبي.   

ولازال سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي طليقين رغم مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في حقهما بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بعد تحقيق سُمح به بموجب قرار مجلس الأمن 1970. ونظرًا لأن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها جهاز شرطة خاص بها، فهي تعتمد على السلطات الوطنية للقيام بالاعتقالات التي تطلبها. ويطالب قرار مجلس الأمن، الذي تم اتخاذه بالإجماع، السلطات الليبية بالتعاون الكامل مع المحكمة. كما أن الدول الموقعة على الاتفاقية المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية ملزمة بموجب القانون بالتعاون مع هذه المحكمة فيما يخص اعتقال المشتبه بهم وتسليمهم إليها. ويدعو قرار مجلس الأمن كل الدول والمنظمات الدولية والإقليمية إلى التعاون الكامل مع المحكمة والمدعي العام.

وقال ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "جعل مجلس الأمن تحقيق المحكمة في الأعمال الوحشية التي شهدتها ليبيا أمرًا ممكنًا. والآن يحتاج المجلس إلى التأكيد على التزامه بالمحاسبة وضمان تقديم المشتبه بهم للمحاكمة العادلة أمام المحكمة الجنائية الدولية."

ومن المتوقع أن يشمل العرض الموجز الذي سوف يُقدم لمجلس الأمن مراجعةً عامة لأنشطة التحقيق التي قام بها مكتب المدعي العام إلى غاية هذا التاريخ. وقد بين مدعي محكمة الجنايات الدولية أن تركيز التحقيق الحالي حول ليبيا يتمثل في فترة الـ 15 يومًا التي تلت بداية الاحتجاجات المناوئة للحكومة في 15 فبراير/شباط. واقترح فتح تحقيق ثان في وقت لاحق يتعلق بالنزاع المسلّح الذي اندلع بعد ذلك.

وفي 3 مارس/آذار 2011، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا في الجرائم الخطيرة التي شهدتها ليبيا منذ 15 فبراير/شباط. وأحال مجلس الأمن الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية في 26 فبراير/شباط. وعملا بميثاق روما، المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، يمكن لمجلس الأمن إحالة أي ملف يتعلق بأية دولة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية إذا رأى أن الوضع فيها يمثل تهديدًا لاستتباب السلم والأمن الدوليين.

وفي 27 يونيو/حزيران، أصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية ثلاث مذكرات توقيف في حق معمر القذافي ونجله سيف الاسلام القذافي ورئيس مخابراته السابق عبد الله السنوسي. وكان ثلاثتهم مطلوبين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ولدورهم في شن هجمات على المدنيين، بما في ذلك المتظاهرين السلميين في طرابلس وبنغازي ومصراتة ومناطق أخرى من ليبيا. قُتل معمر القذافي في 20 أكتوبر/تشرين الأول بعد أن تم إلقاء القبض عليه من طرف القوات المناوئة له في مسقط رأسه، مدينة سرت. وقال المجلس الوطني الانتقالي إنه سوف يُشكل لجنة لتقصي الحقائق تتابع ملابسات وفاة القذافي.

ولا يزال مكان سيف الإسلام القذافي غير معروف. وقالت تقارير إخبارية غير مؤكدة أنه يختبئ قرب الحدود الليبية مع النيجر والجزائر. كما ذكرت تقارير إخبارية غير مؤكدة أيضا أن عبد الله السنوسي لجأ إلى مالي.

وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول، قال مدعي المحكمة الجنائية الدولية إن مكتبه على اتصال بسيف الإسلام القذافي عن طريق وسطاء لبحث إمكانية تسليم نفسه إلى المحكمة. كما قال المدعي العام إن لديه معلومات حول محاولة مرتزقة أفارقة تهريب سيف الإسلام إلى دولة أفريقية أخرى ليهرب من المحاكمة.

وفي سبتمبر/أيلول، قالت النيجر إنها تحترم التزاماتها تجاه المحكمة الجنائية الدولية، وأشارت إلى التزاماتها كدولة موقعة على قانون هذه المحكمة. كما أوضح مسؤولون ماليون أنهم سوف يضطلعون بمسؤولياتهم كدولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على مجلس الأمن دعوة هاتين الدولتين إلى الوفاء بوعودهما وتسليم المشتبه بهما إلى المحكمة إذا ثبت وجودهما فوق أراضيها.

وعبر بعض ممثلي المجلس الوطني الانتقالي عن رغبتهم عن محاكمة سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي في ليبيا. وقالت هيومن رايتس ووتش  إنه إذا ما ألقى المجلس الوطني الانتقالي القبض على أي منهما، يتعين على مجلس الأمن دعوة السلطات الليبية إلى تسليم الرجلين بشكل سريع إلى المحكمة الجنائية الدولية ليواجها محاكمة عادلة. ويتماشى ذلك مع قرار مجلس الأمن 1970 الذي يطالب بالتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية.

وقال ريتشارد ديكر: "إن المجلس الوطني الانتقالي مُلزم بموجب القانون بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وكان قد وعد بذلك في رسالة وجهها إلى هذه المحكمة في أبريل/نيسان الماضي. إن أي عمل أحادي الجانب يحول دون تسليم المشبه بهما يُعتبر خطوة خاطئة وانتهاكا لالتزامات ليبيا".

ولن يمنع تسليم المشتبه بهم إلى المحكمة الجنائية الدولية ليبيا من إعداد قضايا ضد الرجلين وأشخاص آخرين قد يكونوا متورطين في أعمال حصلت بعد وقبل 15 فبراير/شباط. وإذا ما رغبت السلطات الليبية في محاكمة المتهمين داخل ليبيا بتهم وردت في مذكرات التوقيف الدولية، فإن بإمكانها تقديم طعن في اختصاص المحكمة. ولتحقيق ذلك، يتعيّن على السلطات الليبية أن تبرهن على قدرتها ورغبتها الكاملة في إجراء المحاكمة بشكل عادل وموثوق فيه. وقالت هيومن رايتس ووتش إن إبراز مقدرة ليبيا على محاكمة الرجلين المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية يتطلب إصلاحا سريعًا وعميقًا للجهاز القضائي الليبي. 

ولكي تخلُص المحكمة الجنائية الدولية إلى أن النظر في قضية المشتبه بهما ليس من اختصاصها، وبالتالي إحالة الملف إلى القضاء الليبي، يجب أن يتوفر الجانب الليبي على الأشخاص المناسبين والإجراءات السليمة التي توفرها المحكمة الجنائية الدولية. وفي نهاية المطاف، يبقى تحديد ما إذا كانت الضمانات الليبية تفوق قدرة المحكمة على النظر في قضايا المتهمين أمرا موكلا إلى قضاة المحكمة الجنائية الدولية. ولأن المحكمة الجنائية الدولية مؤسسة قضائية، يجب أن تتمتع إجراءاتها بالاستقلالية. 

وقد دعت هيومن رايتس ووتش مدعي المحكمة الجنائية الدولية إلى مواصلة التحقيق في الجرائم الخطيرة التي ربما شهدتها ليبيا من قبل جميع الأطراف، بما في ذلك الجرائم التي وقع ارتكابها أثناء النزاع المُسلّح. ويعطي قرار مجلس الأمن 1970 للمحكمة الجنائية الدولية الصلاحية الكاملة للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي وقعت فوق الأراضي الليبية منذ 15 فبراير/شباط.

وفي سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، وثقت هيومن رايتس ووتش تجاوزات ارتكبتها قوات المجلس الوطني الانتقالي، بما في ذلك سوء معاملة المعتقلين في طرابلس ومصراتة، وهجمات على سكان تاورغاء، وما بدا أنه إعدام لـ 53 شخصا يُعتقد أنهم من مساندي القذافي.

وعملا بميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن العنف بجميع أنواعه، وخاصة الذي يقع في النزاعات المسلحة غير الدولية في حق مقاتلين ألقوا سلاحهم أو هم رهن الاعتقال، هو جريمة حرب. وعملا بمعاهدة المحكمة، فإن المسؤولية الجنائية تشمل الذين تورطوا في ارتكاب جرائم بأنفسهم والمسؤولين رفيعي المستوى على حدّ السواء، بما في ذلك الذين يعطون أوامر والذين هم في مواقع قيادية وعلى علم بوقوع الانتهاكات ولكنهم فشلوا في منع وقوعها أو التبليغ عن المسؤولين عنها.

وقال ريتشارد ديكر: "يجب أن تشمل العدالة الكاملة في ليبيا التحقيق في إمكانية تورط جميع الأطراف في ارتكاب جرائم. وفي الوقت الذي يبدو فيه أن الصراع في ليبيا قد انتهى، يحين وقت بداية عمل المدعي العام. ونحن نتطلع إلى أن يواصل المدعي العام نيابته بشكل محايد من أجل أن يواجه المتورطون في انتهاكات جسيمة العدالة المرجوّة".