(تونس) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن السلطات الليبية المعارضة احتجزت وبصورة تعسفية عشرات المدنيين المشتبه في قيامهم بأنشطة لدعم الزعيم الليبي معمر القذافي. السلطات الليبية المعارضة التي تسيطر على مناطق شرق ليبيا وأجزاء من الغرب ينبغي أن توفر للمعتقلين كامل حقوق المحاكمة العادلة في حال استمرار احتجازهم أو أن تقوم بإطلاق سراحهم.

وأضافت هيومن رايتس ووتش أنه ينبغي أيضاً أن تُخضع السلطات المجموعات الأمنية المتطوعة التي تم تشكيلها في الشرق لسلطة مدنية معترف بها، وأن تحقق في تلك الانتهاكات المزعومة. خاصة وأن أحد المعتقلين من قبل مجموعة المتطوعين تعرض على ما يبدو للتعذيب حتى الموت رهنالاحتجاز.

وقال سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ليس هناك أي عذر لتأخير فرض سيادة القانون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وينبغي على السلطات أن تكبح جماح الجماعات الأمنية التطوعية، وأن تقيم سلطة مدنية واضحة للعدالة الجنائية، والتأكد من حصول المعتقلين على حقوقهم الكاملة للمحاكمة العادلة".

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي أن تكون الاعتقالات فقط عن طريق السلطات المدنية على أساس اتهامات جنائية ملموسة تدعمها الأدلة، بدلاً من التركيز على اتهامات غامضة بالتورط في نشاطات مع نظام القذافي، وينبغي أن يتم إبلاغ المعتقلين المدنيين عن أسباب احتجازهم، وأن يتمكنوا من الحصول على محام، ويكونون قادرون على الطعن في الإدعاءات الموجهة بحقهم أمام سلطة قضائية مستقلة.

وعلى مدار الشهرين الماضيين، زارت هيومن رايتس ووتش المحتجزين في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في بنغازي، ومصراتة، والزنتان، وأجرت مقابلات مع المعتقلين ومسؤولين من المعارضة الذين يحتجزونهم. وسمحت السلطات لـ هيومن رايتس ووتش بالوصول لهم دون أي قيود، بما في ذلك الاجتماع منفردين مع المحتجزين.

في 28 مايو/أيار 2011، اعتقلت قوى المعارضة نحو 330 مدنياً ومقاتلاً - 118 في بنغازي، و160 في مصراتة، و52 في الزنتان - وأفرج عن المعتقلين في بعض المدن الليبية الشرقية أو تم نقلهم إلى بنغازي بعد الاستجواب، والمحتجزين الآخرين ربما تم اقتيادهم إلى مدن وبلدات خاضعة لسيطرة المعارضة.

لا يزال غير واضحاً العدد الدقيق للمعتقلين المدنيين - غير المقاتلين - ومعظمهم من المتهمين بالتعاون مع جهاز الأمن الداخلي أو اللجان الثورية التابعة للقذافي - لأن السلطات المعارضة لا تفرق بينهم وبين المقاتلين الأسرى. تعد اللجان الثورية مؤسسة نافذة يستخدمها القذافي لفرض السيطرة.

في بنغازي، كان هناك ما لا يقل عن 41 معتقلاً من المدنيين بتاريخ 28 مايو/أيار، وأجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات خاصة مع 20 منهم بين شهري مارس/آذار ومايو/أيار. ولم يشتك أياً منهم من سوء المعاملة في الاحتجاز أو ظهرت عليهم علامات سوء المعاملة البدنية، ولكن أربعة منهم زعموا أنهم تعرضوا للاعتداء البدني، عندما تم القبض عليهم، ولم يتمكن أي منهم من الحصول على محام، أو تمكنوا من الطعن في احتجازهم أمام سلطة قضائية مستقلة.

وقال أحد المحتجزين المدنيين في بنغازي: "لم أر محام أو قاض"، وكان قد تم الإفراج عنه بعد اعتقاله، وأدعى أنه كان محتجزاً "لمجرد أنه كان مكروهاً من قبل شخص ما".

ويقول أعضاء رئيسيين في المجلس الوطني الانتقالي، وهي الهيئة الحاكمة للمعارضة وذات السيطرة الفعلية على الشرق وأجزاء من الغرب، إنهم يقرون بوجود تلك المشاكل، ويعملون على تصحيحها، وقال مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي ووزير العدل في نظام القذافي من 2007 وحتى فبراير/شباط 2011 لـ هيومن رايتس ووتش إن المحتجزين المدنيين سيحصلون على "محاكمة عادلة، وأن سيتم تكليف شخص للدفاع عنهم".

المجموعة الرئيسية المسؤولة عن الاحتجاز في بنغازي هي وحدة تابعة لشهداء ثورة 17 فبراير، والمعروفة أيضاً باسم لواء 17 فبراير، التي تقوم بالاعتقالات وتدير مرافق الاحتجاز للمدنيين. وقال مسؤول في مراكز الاحتجاز للمدنيين مصطفى الساجيلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه مسؤول أمام القائد العسكري للثوار اللواء عبد الفتاح يونس.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على السلطة عند احتجاز أو اعتقال مشتبه فيهم جنائياً أن يتم نقلهم على الفور لمؤسسة مدنية بحتة تحترم معايير حقوق الإنسان الدولية.

وقال الساجيلي لـ هيومن رايتس ووتش إن لواء 17 فبراير يطلق سراح المدنيين المحتجزين في غضون 72 ساعة، عندما لا يوجد أية أدلة ضدهم، ويقدر المحقق في وحدة 17 فبراير في بنغازي إن اللواء أفرج في 28 مايو/أيار عن 200 مدنياً معتقلاً منذ أوائل مارس/آذار، بعدما وقعوا على تعهد بأنهم لن "يقولوا أو يفعلوا أي شيء ضد لواء شهداء 17 فبراير"، ويجب أن يتعهد الأقراب بعدم قيام المفرج عنهم بأي إجراءات "تضر بالثورة".

ويبدو أن الظروف التي احتجز فيها المعتقلين الذين زارتهم هيومن رايتس ووتش سواء المدنيين أو العسكريين كانت ذات معايير مقبولة، وقال جميع المعتقلين في بنغازي ومصراتة والزنتان في مقابلات خاصة مع هيومن رايتس ووتش إنهم كانت لديهم الفرص للحصول على الرعاية الطبية والغذاء والماء في قاعدة لواء 17 فبراير، وأنها كانت تسمح بالزيارات العائلية للمحتجزين، وتمكنهم من الاتصال بأقاربهم على هاتف يعمل بالأقمار الصناعية.

وقال هيومن رايتس ووتش إنه بالإضافة للاعتقالات التي تمت من قبل لواء 17 فبراير فإنه مع ذلك يقبض العشرات من المتطوعين وقوات الأمن على المشتبه فيهم جنائياً في شرق ليبيا، وأحياناً يتم استخدام القوة المفرطة معهم، ويتم تسليمهم إلى اللواء المفترض احتجازهم فيه. انتشرت تلك المجموعات عقب سقوط حكومة القذافي في أواخر فبراير/شباط، وتفكك قوات الشرطة في شرق البلاد.

وقال فتحي تربل، محامي وعضو في المجلس الوطني الانتقالي، والذي كان يدير حواراً بين المجلس والمجموعات التطوعية المسلحة في بنغازي إن 11 من تلك الجماعات تعمل بشكل مستقل في بنغازي وحدها في أماكن عدة، وحدد جمال بنور منسق العدل في مجلس بنغازي، وهي الهيئة المسؤولة عن المدينة، عدد مجموعات المتطوعين المذكورة أعلاه بنحو 40 مجموعة. قوات الأمن التطوعية تنشط أيضاً في المدن الشرقية الأخرى.

وثقت هيومن رايتس ووتش وفاة أحد المحتجزين في الحجز من قبل مجموعة من المتطوعين في البيضاء. وقال اثنان لديهما معرفة مباشرة بالقضية لـ هيومن رايتس ووتش إن محمد الدبر، مواطن أردني يشتبه في نشره الدعاية المؤيدة للقذافي، لقي حتفه أثناء الاستجواب في البيضاء في 30 أبريل/نيسان، وقال شخص نظر إلى جثمان الدبر إنه ظهرت عليه آثار التعذيب.

ووفقاً لوثائق شاهدتها هيومن رايتس ووتش فإن مجموعة من المتطوعين والتي تدعى اللجنة الأمنية لـ 17 فبراير ألقت القبض على الدبر في الفترة من 27 إلى 30 أبريل/نيسان. وتعد تلك المجموعة واحدة من سبع مجموعات أمنية تطوعية في المدينة التي أخضعتها السلطات المعارضة لسلطتها، وقالت السلطات في البيضاء لـ هيومن رايتس ووتش إن التحقيق جار في القضية وإن المحكمة المحلية استصدرت أمراً بالقبض على اثنين من المشتبه فيهم.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن سلطات المعارضة يجب أن تحاسب أي شخص يثبت ارتكابه أو تورطه الواضح في موت أي شخص رهن الاحتجاز.

وقال طارق بنور إن سلطات المتمردين تعمل على كبح جماح الجماعات المسلحة المتطوعة، وقال قائد شرطة بنغازي الدكتور عاشور شويلي إنهم يودون إخضاع جميع جماعات المتطوعين لسلطة وزارة الداخلية المنشئة حديثاً ما إن يبدأ العمل بموجب الإجراءات اللازمة.

وقال مسؤولون من المعارضة لـ هيومن رايتس ووتش إنه بالإضافة إلى الاعتقالات التعسفية التي تجرى بحق المشتبه في تأييدهم للقذافي، فإنه تم قتل ما لا يقل عن عشرة من المسؤولين السابقين في أمن القذافي وأعضاء اللجان الثورية في شرق ليبيا على مدى الأشهر الثلاثة الماضية. في بنغازي قتل خمسة - صلاح الشريف، وهو عضو مزعوم للجنة ثورية، وناصر سيرماني، وزياد الزويي، وإبراهيم خليفة سيرماني، وحسين غيث، جميعهم مسؤولين أمنيين - وفي مارس/آذار وأبريل/نيسان قتل خمسة من أفراد جهاز الأمن الداخلي في درنة: مصطفى راجيس، وعزت بوحطوة، وفرج دليل، ومفتاح عدياباني، وسالم هواري.

وقالت السلطات المعارضة إنها فتحت باب التحقيق في عمليات القتل تلك، وقالت هيومن رايتس ووتش إن هناك حاجة ماسة لإجراء تحقيقات مستقلة في عمليات القتل، وتحتاج غيرها من النقاط إلى تسوية واضحة، ويجب أن تحقق المحاكم مع المسؤولين السابقين الذين تورطوا في عمليات انتهاك للقانون.

شنت كتائب القذافي حملة اعتقالات واسعة النطاق على المناطق التي يسيطرون عليها بحق أفراد من الذين دعموا أو يشتبه في دعمهم للمعارضة، ويتم احتجازهم في مراكز احتجاز مدنية وعسكرية، ولم تقدم الحكومة أية معلومات عن عدد الأشخاص الذين قبضت عليهم أو التهم التي وجهت لهم.

وذكر هؤلاء المفرج عنهم من السجون الحكومية سواء ليبين أو أجانب أنهم تعرضوا للضرب والتعذيب وعمليات إعدام وهمية، والتحرش الجنسي للنساء.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن حكومة القذافي لها سجل يُرثى له في حقوق الإنسان، ولكن هذا لا يعفي سلطات المعارضة من احترام حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.

المجلس الوطني الانتقالي، بصفته الكيان الذي يحكم شرق والأجزاء الغربية في ليبيا على الأرض، مسؤول عن احترام حقوق الإنسان الأساسية، ومحاسبة أولئك الذين يعتدون عليها.

هذه الحقوق، المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فضلاً عن مختلف المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، تشمل الحق في الحياة والحرية، والمحاكمات العادلة، وعدم التعرض للتعذيب وأشكال المعاملة أو العقوبة الأخرى القاسية واللاإنسانية والمهينة، وحرية التعبير وتكوين الجمعيات، والتجمع السلمي، والمساواة في المعاملة أمام القانون. الحماية من الاعتقال التعسفي يشتمل على الحق على أن يتم إعلام الشخص الموقوف - من قبل سلطة قضائية - بأسباب محددة لاعتقاله؛ ليكون قادراً على تحديد السبب الأساسي لاحتجازه، وأن يكون له الحق في الحصول على محام والاتصال بأفراد أسرته والحصول على الرعاية الطبية.

لابد أن تعمل الجماعات المسلحة المعارضة بموجب القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب). بما في ذلك المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والقانون العرفي الدولي. تنص المادة الثالثة المشتركة على أن يكون هناك معاملة إنسانية للمعتقلين، وألا تفرض عقوبات جنائية إلا بعد محاكمات أمام محاكم وفقاً للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، ويحظر الحرمان التعسفي من الحرية.

في 25 مارس/آذار، تعهد المجلس الوطني الانتقالي رسمياً بدعم القانون الإنساني الدولي، ولا سيما فيما يتعلق بالمعتقلين.

وقالت سارة ليا ويتسن "بات الشعب الليبي يألف الاعتقالات التعسفية والقبض عليه دون أي تهمة طوال أربعة عقود من حكم الزعيم الليبي معمر القذافي، وينبغي أن ترفض السلطات المعارضة هذا الإرث المسيء، وأن تجد إطار قانوني لضمان احترام القانون الليبي والدولي".