قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد أصدرته اليوم إن الجماعات الانفصالية وفي معرض جهودها لإنشاء دولة مستقلة في مقاطعات جنوب تايلاند الحدودية، تقوم بقتل وإصابة المدنيين وتهاجم المدارس والعيادات الطبية والمعابد البوذية.

ويعرض تقرير "لا أحد آمن: هجمات المتمردين على المدنيين في مقاطعات جنوب تايلاند الحدودية"، لتفاصيل الإساءات لحقوق الإنسان والعنف المرتكب ضد المدنيين من جانب الميليشيات الانفصالية في مقاطعات باتاني ويالا وناراثيوات وسونغكلا وجميعها مقاطعات غالبية سكانها من المالاي المسلمين، وهذا في الفترة من يناير/كانون الثاني 2004 إلى يوليو/تموز 2007. ويستند التقرير إلى مقابلات مع شهود العيان وأسر الضحايا وأكاديميين وصحفيين ومحامين ونشطاء حقوق إنسان ومسؤولين حكوميين.

وكذلك يتضمن التقرير روايات لأعضاء في الجماعات الانفصالية وعناصر ميليشيات منها، يناقشون فيها دوافعهم وتبريراتهم الخاصة بهذه الهجمات.

وقال براد آدامز مدير قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش: "بعد عقود من التمرد متواضع القوة نرى منطقة جنوب تايلاند آخذة في التحول إلى مسرح للنزاع المسلح الوحشي"، وتابع قائلاً: "تستهدف عناصر الميليشيات الانفصالية كل من المدنيين البوذيين والمسلمين عمداً بإطلاق النار عليهم وتفجير القنابل والهجوم عليهم بالخناجر".

وقد ظهرت ميليشيا مقرها الريف تدعى بيجوانغ كيميرديكان باتاني (محاربو حرية باتاني) – ضمن شبكة "تنسيق جبهة الثورة الوطنية" – باعتبارها العمود الفقري لجيل جديد من الميليشيات الانفصالية. ويزعمون على نحو متزايد أن مقاطعات الحدود الجنوبية ليست أرض التايلانديين البوذيين، بل منطقة "نزاع ديني" يجب تقسيمها بين المالاي المسلمين و"الكفار". ويسعى الانفصاليون إلى تحرير "باتاني دار إسلام" (أرض الإسلام في باتاني) عنوة، مما يدعونه باسم الاحتلال التايلاندي البوذي.

وقد وجدت هيومن رايتس ووتش أن عناصر الميليشيات الانفصالية قد نفذت أكثر من 3000 هجمة على المدنيين منذ يناير/كانون الثاني 2004 إلى يوليو/تموز 2007. وفي الوقت نفسه تم تنفيذ 500 هجمة استهدفت مختلف الوحدات العسكرية والعاملين بها، ونفس العدد من الهجمات استهدف وحدات الشرطة والعاملين بها.

ومن بين الأشخاص الذين قتلوا في الهجمات، وعددهم 2463 شخصاً، أثناء فترة الثلاث سنوات والنصف الماضية، كان من بينهم 2196 شخصاً من المدنيين (أو حوالي 89%). وقد قُتل التايلانديين البوذيين والمسلمين من المالاي في هجمات بالقنابل وإطلاق أعيرة نارية واغتيالات وكمائن وهجمات بالخناجر. وتم ذبح وإصابة 29 ضحية على الأقل. ووقعت مئات الهجمات من قبل الميليشيات على المعلمين في المدارس، والعاملين بالصحة وطواقم العمل بالمستشفيات والمراكز الصحية المجتمعية. وللمرة الأولى في تاريخ المنطقة يصبح من بين من قتلوا وجرحوا على أيدي المتمردين الانفصاليين رهبان ودارسين للبوذية.

وقال براد آدامز: "تستخدم الميليشيات الانفصالية العنف ضد المدنيين لإخافة المدنيين البوذيين لإبعادهم عن هذه المقاطعات، وللتحكم في المالاي المسلمين ونزع المصداقية من السلطات التايلاندية". وأضاف: "لكن ليس من القانوني أو الأخلاقي استهداف المدنيين عمداً تحت أي ظرف من الظروف".

وتذكر نيت جومبادين – وهي تايلاندية بوذية – أنها كانت قد اصطحبت معها ابنتها ناباسوان، البالغة من العمر عامين، للتمشية، حين انفجرت قنبلة في سوق مزدحم في منطقة سونغكلا سابا يوي في 28 مايو/أيار، لتقتل أربعة أشخاص وتجرح 26 آخرين:

"كنت ممسكة بابنتي بين ذراعي، وأتكلم معها وألاعبها. وبينما أنا أسألها ما نوع حلوى الجيلي التي تريدني أن أشتريها لها، انفجرت قنبلة خلفنا. ورأيت الشظايا تمزق جسدها. وسقطت ابنتي قتيلة على الفور. ورأيت فتاة صغيرة أخرى ترتدي زياً مدرسياً ترقد على مقربة من ابنتي. وكانت ميتة أيضاً... وتُرك جسد ابنتي ملقى على الطريق لعدة ساعات. ورحت أبكي حتى جفت عينيّ. وشعرت بقلبي يتوقف عن الخفقان. كيف أمكنهم فعل هذا؟... كان المكان ممتلئاً بالأطفال والآباء في فترة ما بعد اليوم المدرسي..."

ويجري عناصر الميليشيات الانفصالية إعدامات دون محاكمات للمدنيين بناء على عرقهم. وفي 14 مارس/آذار تم نصب كمين لشاحنة ركاب في الطريق بين يالا وسونغكلا في منطقة ياها في يالا. وتتذكر سوباوان ساو لو، التي نجت من الهجوم الذي قتل ابنتها البالغة من العمر 18 عاماً وثمانية ركاب آخرين:

"رأى السائق أن الطريق مقفل. وحاول أن يعكس اتجاه العربة. ثم كان هناك رجال مسلحون، ومعهم بنادق آلية ويرتدون ثياب خضراء، وخرجوا من جانب الطريق. وأعلنوا أنه يجب قتل كل البوذيين، وشرعوا في إطلاق النار علينا فرداً فرداً. وحاولت ابنتي أن تميل عليّ وكان هذا حين أصابها طلق ناري في رأسها".

كما وثقت هيومن رايتس ووتش هجمات الانفصاليين على المالاي المسلمين الذين يتعاونون مع السلطات التايلاندية، أو يعارضون العمليات التي تشنها الميليشيات الانفصالية. وتتهم الميليشيات هؤلاء المالاي المسلمين بأنهم "منافقون"، أو خونة، يرتكبون "الحرام" (أو الخطايا المحرمة) والمتمثل في خيانة فكرة الخلط المتطرف بين القومية المالاوية والعقيدة الإسلامية. والضحايا في العادة من القادة الدينيين أو الآباء الذين يعارضون تجنيد أو تدريب أعضاء جدد مع الانفصاليين في قراهم، أو المعروف عنهم معارضتهم وانتقادهم للتمرد.

وقال عثمان جايما، وهو مسلم من المالاي، لـ هيومن رايتس ووتش كيف تم قتل ابنه، 15 عاماً، بالخناجر والفؤوس في يناير/كانون الثاني 2004 من قبل عناصر الميليشيات الانفصالية الذين أرادوا إبلاغه رسالة، باعتباره عمدة قرية في منطقة موانغ بمقاطعة ناراثيوات، مفادها ألا يعارض عملياتهم:

"هناك حوالي 10 شباب مسلمين في القرية انضموا إلى الميليشيات. وقد تلقوا تدريباً لكي يقاتلوا بأسلوب حرب العصابات. وهم لا يحبونني... فلم أساند يوماً القتل دون منطق أو عقل. ومن الخطأ إيذاء الناس الأبرياء أيا كانوا... وبعد الهجمة نظر إليّ أبناء قريتي. وقالوا لي إنني غير قادر على حماية ابني، فكيف أتمكن من حمايتهم؟ حتى إن بعضهم قالوا إنه ربما يكون حلاً عملياً أن أعلن دعمي للميليشيات لضمان أمنهم وسلامتهم".

ومن المبادئ الأساسية لقوانين الحرب وجوب التفرقة بين الأهداف المدنية والعسكرية. وزعم الميليشيات بأن المدنيين الذين هوجموا كانوا جزءاً من مجموعة أكبر (التايلانديين البوذيين) أعضائها متورطون في الاقتتال، لا يعتبر دفاعاً كافياً أو تبريراً مناسباً لهذا الانتهاك الخطير لهذه القوانين. وتوجد مزاعم أخرى لعناصر الميليشيات، مثل التفسيرات المتطرفة للشريعة الإسلامية، ينقصها بالمثل أي تأكيد من قوانين الحرب. ويحظر القانون الإنساني الدولي صراحة العديد من التقنيات التي استخدمتها الميليشيات ومنها: هجمات الردع ضد المدنيين والمقاتلين الأسرى، والإعدامات دون محاكمات للمدنيين أو المقاتلين الأسرى، والتشويه وغيرها من أشكال المعاملة السيئة للموتى والهجمات الموجهة إلى المنشآت المدنية مثل البيوت والمدارس والمعابد والعيادات المجتمعية العامة.

وقال براد آدامز: "يصول الخوف ويجول في جنوب تايلاند، والعنف يحصد حياة الأشخاص العاديين كل يوم تقريباً".

ورداً على هجمات الميليشيات؛ فرضت الحكومة التايلاندية تشريعاً أمنياً خاصاً، تضمن القرار التنفيذي للإدارة الحكومية في حالات الطوارئ وقانون الاحكام العرفية، وزيادة أعداد القوات النظامية وشبه العسكرية إلى حوالي 30000 عنصر في المقاطعات الواقعة على الحدود الجنوبية. وفي هذا السياق، نفذت القوات الأمنية التايلاندية وعناصر الشرطة عمليات قتل من غير محاكمات، و"اختطاف" واعتقالات تعسفية لمن هم معروفون بعضويتهم في جماعات انفصالية أو يشتبه أنهم كذلك. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش العديد من هذه الإساءات في تقرير أصدرته في مارس/آذار 2007. (تقرير "فجأة وكأن ابني لم يكن موجوداً أبداً: الاختفاءات القسرية في مقاطعات جنوب تايلاند الحدودية"، متوافر على رابط: https://www.hrw.org/reports/2007/thailand0307/).

وقد انتهجت الحكومة المؤقتة – برئاسة الجنرال سورايود شولانونت والتي جاءت في أعقاب الانقلاب العسكري في سبتمبر/أيلول 2006 – منهج جديد لإدارة أزمة المنطقة. ففي 2 نوفمبر/تشرين الثاني تقدم رئيس الوزراء سورايود باعتذار علني لسكان المنطقة، معترفاً بوجود شكوى خطيرة ومشروعة ضد الحكومة. وفي الوقت نفسه أعلن إعادة تأسيس مركز إدارة مقاطعات الجنوب الحدودية للمساعدة في التحقيق في الشكاوى التي أرسلها السكان المسلمون عن فساد واستغلال وضعف أداء المسؤولين الحكوميين. لكن ما زال غير معروفاً كيف ستتخذ الحكومة المؤقتة خطوات جادة لوضع حد للإساءات التي تسمح بها الحكومة وثقافة الإفلات من العقاب في الجنوب.

ونادت هيومن رايتس ووتش الجماعات الانفصالية والحكومة التايلاندية باتخاذ خطوات جادة من أجل حماية المدنيين والكف الفوري عن كل الهجمات التي لا تميز بين المقاتلين والمدنيين. كذلك وجوب سماح السلطات التايلاندية والجماعات الانفصالية بإجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة وفعالة عن مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان وضمان أن المسؤولين عن ارتكابها تتم محاسبتهم.

وقال براد آدامز: "أدت انتهاكات حقوق الإنسان وحالة الإفلات من العقاب القائمة إلى زيادة معدل الاقتتال واتساع الهوة بين التايلانديين البوذيين والمالاي المسلمين، مما جعل من المستحيل الوصول إلى حل سلمي ودائم لهذا النزاع الوحشي".

للاطلاع على تقرير هيومن رايتس ووتش: "لا أحد آمن: هجمات المتمردين على المدنيين في مقاطعات جنوب تايلاند الحدودية"، برجاء زيارة:
https://www.hrw.org/reports/2007/thailand0807/