Skip to main content

لا نجوة من المساءلة والعقاب لمنتهكي حقوق الإنسان من أعضاء "الجنوبي"

في الوقت الذي غادرت فيه أول دفعة من أعضاء ميليشيات "جيش لبنان الجنوبي" السابق إسرائيل في الأسبوع الماضي متجهة إلى ألمانيا التي تقرر إعادة توطينهم فيها، حثت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" السلطات الألمانية واللبنانية على السعي لتحديد العناصر التي اقترفت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني أثناء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وتقديمهم جميعاً إلى ساحة القضاء.

كما حذرت المنظمة التي ترصد أوضاع حقوق الإنسان في العالم بأسره من إعادة أي شخص إلى لبنان إذا كان ذلك سيعرِّضه لخطر التعذيب أو المحاكمات الجائرة أو الإعدام.

وقال هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "مراقبة حقوق الإنسان": "ينبغي ألا يفلت من قبضة العدالة في الخارج ضباط وجنود جيش لبنان الجنوبي السابق الذين اقترفوا أعمال التعذيب وغيره من الجرائم؛ بل يجب محاسبتهم على جرائمهم أينما ذهبوا ـ وهذا يتطلب جهوداً جادة من جانب كل من لبنان والمجتمع الدولي".

وفي خطاب موجه إلى وزير الخارجية الألمانية يوشكا فيشر نُشر اليوم، حثت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" الحكومة الألمانية على إجراء تحقيقات أولية للتثبت مما إذا كان أي من المواطنين اللبنانيين الذين دخلوا ألمانيا قد تورط في اقتراف أعمال التعذيب أو غيره من انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة التي كانت تحتلها إسرائيل جنوبي لبنان. وأوصت المنظمة في خطابها بأن تكون مثل هذه التحقيقات واسعة النطاق، وألا تقتصر على المعلومات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية أو التي يقدمها الجنود أو الضباط السابقون أنفسهم. ولا بد من حث المنظمات الأهلية اللبنانية والمحامين والضحايا على المشاركة في هذه العملية.

كما أرسلت المنظمة خطاباً آخر للرئيس اللبناني إميل لحود أوصت فيه بأن تنشئ الحكومة لجنة تحقيق مستقلة تتولى توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت إبان الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وتحديد العناصر التي أمرت بارتكاب هذه الانتهاكات أو ارتكبتها. ودعت المنظمة إلى نشر نتائج هذه التحقيقات على الصعيد الدولي كيما يتسنى للسلطات القضائية في الدول الأخرى البحث عن الجناة المزعومين والتحقيق معهم.

وفي خطابها للرئيس لحود، قالت المنظمة إن الإجراءات التي يتبعها لبنان لتحديد العناصر المشتبه في ارتكابها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ينبغي أن تكون "منزَّهة عن أي عيب أو شبهة". وانتقدت المنظمة المحاكمات المستمرة أمام المحكمة العسكرية لنحو 2400 من أعضاء الميليشيا السابقين وغيرهم، باعتبارها منافية للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. وقد انطوت هذه المحاكمات على اعتقال المتهمين أمداً طويلاً دون السماح لهم بالاتصال بأحد خارج المعتقل، فضلاً عن ادعاءات التعذيب والإجراءات القضائية المقتضبة، وغياب أي رقابة قضائية مستقلة على المحكمة.

وقال مجلي: "إن المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال هذه المحاكمات السريعة، أو أثناء التحقيقات التي تسبقها، لا يجوز اتخاذها وسيلة للإعلان عن أسماء الأشخاص المعنيين؛ فالقضاء العسكري المقتضب لا يصلح بديلاً لتحقيق نزيه محايد يعتدُّ به المجتمع الدولي ويحمله محمل الجد". وأضافت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أن أولئك المدانين أمام المحكمة العسكرية يجب أن تُتاح لهم فرصة السعي لإعادة محاكمتهم أمام محاكم مدنية مستقلة تكفل لهم كافة ضمانات المحاكمة العادلة.

كما أكدت المنظمة في خطابها للحكومة الألمانية على أن أي مواطن لبناني يُزعم ارتكابه انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني يجب ألا يُعاد إلى لبنان ما لم تتعهد الحكومة اللبنانية علناً بعدم اعتقاله في عزلة عن العالم الخارجي أثناء التحقيق معه، وبعدم تعرضه لخطر التعذيب، أو تلقيه محاكمة لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، أو توقيع عقوبة الإعدام عليه. كما أوردت المنظمة نفس هذه التوصية في خطابها للرئيس اللبناني إميل لحود.

يمكن الاطلاع على النص الكامل لخطاب منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" إلى الرئيس لحود في الموقع التالي للمنظمة على شبكة الإنترنت: https://www.hrw.org/press/2000/07/leb0731.htm.

وفيما يلي نسخة من خطاب المنظمة إلى وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر.

2 أغسطس/آب 2000

سعادة وزير الخارجية السيد يوشكا فيشر

إن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تتوجه إليكم بهذا الخطاب كي تحث حكومتكم على إجراء تحقيقات أولية للتحقق مما إذا كان الأعضاء السابقون في "جيش لبنان الجنوبي" الذي سُمح لهم بدخول ألمانيا للجوء وإعادة التوطين قد ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي ضد المواطنين اللبنانيين أثناء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. ونود أن نؤكد، في الوقت ذاته، أن هذه الإجراءات لا ينبغي لها بأي حال من الأحوال أن تخل بالالتزام القانوني الواقع على عاتق ألمانيا، الذي يمنعها من إعادة أي شخص إلى بلد يمكن أن يواجه فيه أخطاراً تهدد حياته أو حريته، أو يقع فيه ضحية للتعذيب.

وقد كشفت الصحف الإسرائيلية الصادرة في 20 يوليو/تموز النقاب عن أن نحو 400 مواطن لبناني يقيمون حالياً في إسرائيل سيتم إعادة توطينهم في ألمانيا عما قريب. وفي 31 يوليو/تموز، أوردت وكالة الأنباء الألمانية "دويتشه برسه أغنتور" نبأً مفاده أن المجموعة الأولى من أفراد ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" وعائلاتهم قد وصلوا إلى ألمانيا ذلك اليوم لإعادة توطينهم في مدينة هامبورغ.

ونحن ندرك أن العديد من اللبنانيين الذين فروا إلى إسرائيل في مايو/أيار 2000، في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، قد تكون لديهم أسباب معقولة للتخوف من الاضطهاد، بسبب خدمتهم في صفوف "جيش لبنان الجنوبي" أو بسبب صلات أخرى كانت تربطهم بجهاز الاحتلال الإسرائيلي. وما من شك في أن الشعور العام السائد في لبنان، وبالأخص في الجنوب اللبناني، لا يزال معادياً لهؤلاء الأفراد. وقد فضّلت الحكومة اللبنانية إحالة هؤلاء الأشخاص للمحاكمة أمام القضاء العسكري، ولم تكد تفعل شيئاً ذا بال لتعزيز الوفاق والتسامح بعد انتهاء فترة الاحتلال. كما أن المحكمة العسكرية ـ التي تواصل حالياً محاكماتها السريعة لبضعة آلاف من الأشخاص بسبب عضويتهم في "جيش لبنان الجنوبي" وجرائم أخرى ـ قد اعترفت ضمناً باحتمال تعرض الأعضاء السابقين في ميليشيات الجيش المذكور، وغيرهم ممن لا يزال الكثيرون في لبنان يصفونهم "بالمتعاونين"، للعنف البدني أو غيره من صور الاضطهاد. وقد أصدرت المحكمة على المئات من المتهمين أحكاماً بالسجن، مصحوبة بجزاءات إضافية تحظر عليهم العودة إلى الأحياء التي كانوا يعيشون فيها لفترات تتراوح بين سنة و15 سنة بعد الإفراج عنهم. وقد بدأ صدور أوامر الحظر بعد أن تعرض رجلان أمرت المحكمة بإخلاء سبيلهما في يونيو/حزيران لاعتداءات عنيفة لدى عودتهما إلى قريتهما في المنطقة التي كانت محتلة.

ولكن مما يثير قلق منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أنه قد يكون من بين المواطنين اللبنانيين الذي وصلوا إلى ألمانيا أعضاء سابقون في "جيش لبنان الجنوبي" ممن قاموا بتعذيب المعتقلين في سجن الخيام، وغيره من المواقع في المنطقة التي كانت تحتلها إسرائيل، وشاركوا في اختطاف المدنيين واحتجازهم رهائن، وطرد أفراد أو عائلات كاملة من ديارها وقراها، وتجنيد الرجال والصبية قسراً للخدمة في صفوف "جيش لبنان الجنوبي"، الذي كان بمثابة ميليشيا بديلة للقوات الإسرائيلية. وعلى مدى عقدين من الزمان، ظلت هذه الجرائم تُرتكب بصورة منظمة ضد السكان المدنيين في المنطقة المحتلة وفقاً لسياسة متعمدة؛ وقد وثَّقتها المنظمات غير الحكومية الدولية واللبنانية. ولا ينبغي أن ينعم اللبنانيون الذين أمروا بارتكاب مثل هذه الجرائم أو ارتكبوها بحصانة من المساءلة والعقاب في ألمانيا؛ ويقع على عاتق سلطات الهجرة والسلطات القضائية عبءٌ قانوني يستوجب منها التحقق من أن هؤلاء الأفراد يخضعون للمساءلة عن أفعالهم، ويُقدَّمون إلى ساحة القضاء.

ويقضي القانون الدولي بأن لكل شخص الحق في طلب اللجوء السياسي باعتباره لاجئاً، عدا الأفراد الذين يثبت أو يُشتبه في ارتكابهم جرائم حرب أو جرائم أخرى خطيرة. إذ تنص المادة 1(واو) من "الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين"، التي تعد ألمانيا من الدول الأطراف فيها، تحديداً على أن أحكام الاتفاقية "لا تنطبق ... على أي شخص تتوفر أسباب جدية للاعتقاد بأنه: (أ) ارتكب جريمة ضد السلام أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، بالمعنى المستخدم لهذه الجرائم في الصكوك الدولية الموضوعة للنص على أحكام بشأنها".

ومن ثم فمن الواجب على السلطات الألمانية أن تتمعن في خلفية كل عضو سابق في ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" يدخل أراضيها، بغية التثبت بدقة من هويته، ومسؤولياته، وأنشطته أثناء الاحتلال الإسرائيلي، بحيث يتخطى ذلك التدقيق أي بيانات عسى أن تكون السلطات الإسرائيلية قد تقدمت بها أو تقدم بها أفراد الميليشيا أنفسهم. وينبغي على السلطات الألمانية أن تطلب التعاون والمساعدة من المصادر المطلعة الموثوق بها، سواء داخل لبنان أو خارجه، للحصول على أي معلومات تتعلق بهذا الأمر، والتثبت من صحتها، والتحقق من وجود أي أدلة تربط بين أفراد معينين وبين جرائم الحرب. ويمكن، في إطار هذه العملية، إنشاء آلية لتشجيع وتمكين أي أطراف أخرى مهتمة بالأمر ـ بما في ذلك الضحايا اللبنانيون والمحامون والمنظمات غير الحكومية ـ من التقدم بما لديها من معلومات ووثائق عن أفراد معينين ممن ثبت تورطهم في جرائم التعذيب وغيرها من الانتهاكات في المنطقة المحتلة سابقاً، والذين عُلم أنهم غادروا لبنان.

وثمة التزامات أخرى تقع على عاتق ألمانيا بموجب "الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين"، و"اتفاقية مناهضة التعذيب"، و"الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان"، وتقضي بألا تعيد أي فرد إلى بلد فيه من الأخطار ما قد يهدد حياته أو حريته، أو هناك من الأسباب القوية ما يدفع على الاعتقاد بأنه سوف يكون في هذا البلد عرضة لخطر التعذيب. أما بالنسبة للبنان، فينبغي ألا يُعاد إليه أي شخص لمحاكمته إذا كان سيتم إخضاعه للتحقيق أثناء اعتقاله في عزلة عن العالم الخارجي، أو سيكون معرضاً لخطر التعذيب؛ أو إذا بات من المحتمل أن يتلقى محاكمة لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، أو يواجه عقوبة الإعدام. وقد أوصت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" الحكومة اللبنانية بأن تنشئ لجنة تحقيق مستقلة تتولى التحقيق في انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني التي وقعت إبان فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وأن تضع نتائج هذا التحقيق في متناول المجتمع الدولي. وقد ذكرنا للحكومة بوضوح أن أي أشخاص تعتقد اللجنة أنهم من مرتكبي الانتهاكات ينبغي تقديمهم لمحاكمة عادلة أمام القضاء المدني، مع مراعاة كافة ضمانات المحاكمة العادلة. ولا يجوز الاستجابة لأي طلب بتسليم الجناة الذين يعيشون في الخارج ما لم تكن الحكومة اللبنانية قادرة على تقديم تأكيدات بمراعاة هذه الضمانات.

إن ما أبدته ألمانيا من استعدادها لإيواء المواطنين اللبنانيين وذويهم غير الراغبين في العودة إلى وطنهم خوفاً من الاضطهاد، كان بمثابة استجابة إنسانية جديرة بالثناء. ولكن ينبغي على ألمانيا، وفاءً بمسؤولياتها القانونية الدولية، أن تتعهد علناً ببذل جهود قوية لتحديد أولئك اللبنانيين الذين اقترفوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وتقديمهم إلى ساحة القضاء، مع التأكد من عدم إعادة أي شخص إلى لبنان إذا كان من المحتمل أن يتعرض هناك للتعذيب أو يواجه أي أخطار تهدد حياته أو حريته.

وفي الختام، نشكركم على عنايتكم بهذا الأمر المهم، ونتطلع إلى تلقي رد منكم في أقرب فرصة ممكنة.

هاني مجلي
المدير التنفيذي
قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"

نسخة لكل من: البروفيسور هيرتا دويبلر غملين، وزير العدل
السيد أوتو شيلي وزير الداخلية الفيدرالي
السيد يورغن شروبوغ سفير ألمانيا لدى الولايات المتحدة

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

الموضوع