"عاجل: جلالة الملك يمنح العفو لامرأة بريئة". هكذا علّقت صفحة فيسبوك الساخرة "Le36" على العفو الذي منحه محمد السادس لهاجر الريسوني يوم 16 أكتوبر. تعليق ربما أكثر صوابا من أغلب التحليلات السياسية... 

الصحفية المغربية هاجر الريسوني (يسار) تعانق خطيبها رفعت الأمين بعد مغادرتهما السجن في سلا، المغرب، في 16 أكتوبر 2019. 

© 2019 تصوير فاضل السنا / أ ف ب عبر غيتي

أسبوعين قبل ذلك، كان قد حُكم على الصحفية المغربية الشابة وعلى خطيبها بسنة نافذة في السجن بتهمتي "الجنس خارج إطار الزواج" والإجهاض، وعلى الطبيب المتهم بإجراء الإجهاض بسنتين. كان الثلاثة يقبعون في السجن منذ اعتقالهم يوم 31 غشت في الرباط. 

القضية أثارت زوبعة داخل المغرب وخارجه. بينما المنظمات الدولية كانت تندد بانتهاك مختلف الحقوق والحريات، تلقى المسجونون الدعم من جل أقطار العالم. سُلّطت الأضواء على ممارسات الشرطة المشبوهة ضد المعارضين، وعلى القوانين البالية التي تحرم المغاربة من حرية بديهية، ألا وهي حرية التصرف في أجسادهم.

وأخيرا، نزل عفو ملكي ليضع حدا لمسلسل محبط دام أكثر من شهر. 

هل يجب التطبيل لهذا النهائي، كما فعل الإعلام الموالي للنظام؟  

نعم ولا.

نعم، لأن هاجر وخطيبها وطبيبها أُطلق سراحهم. أُلغي القرار الظالم، وستُمحى السوابق العدلية عن خمسة أشخاص (لا ننسى اختصاصي التخدير وسكرتيرة الطبيب، اللذَين حُكم عليهما بالسجن مع وقف التنفيذ) وهي سوابق لم يكونوا يستحقونها أصلا.

نعم أيضا، لأن محمد السادس لم يُبدِ فقط "الرأفة والرحمة المشهود بها لجلالة الملك، وحرص جلالته على الحفاظ على مستقبل الخطيبين"، كما جاء في البيان الرسمي الذي رافق قرار العفو، بل أبان كذلك أن الملك يستمع لاحتجاجات الشارع (وربما أكثر للغضب الدولي الذي أثارته هذه القضية). من باب التفاؤل، لنعتبر ذلك مؤشر خير.

لكن الجواب أيضا "لا"، وذلك لعدة أسباب تتجاوز "مستقبل الخطيبين"، بل وتضع حقوق كل المغاربة على المحك.

أولا، حرية الرأي والتعبير. كانت، بصراحة ووضوح، أول مستهدَف في هذه القضية. هاجر الريسوني صحفية في "أخبار اليوم"، وهي آخر يومية حقيقةً مستقلة في المغرب – كما يتبين من الهجمات المستمرة التي واجهتها طوال العقد الماضي. هاجر تنتمي كذلك إلى عائلة معارِضة: عمها منظر إسلامي مشهور، عمها الآخر كاتب رأي يساري متمرد، وابن عمّها ناشط حقوقي بارز. من خلال هاجر، ربما كانت عائلتُها هي المستهدفة. العفو الملكي، إذا نظرنا إليه من هذه الزاوية، لا يحل شيئا. فهو لا يلغي الرسالة التي بعثت هذه المحاكمة إلى ما تبقى من معارضين في المغرب: "اسكتوا، وإلا، ستلجأ الدولة إلى أي وسيلة لتشويه سمعتكم".

ثانيا، الحريات الفردية. يبرر البيان الرسمي العفو عن هاجر وخطيبها بكونهما "يعتزمان تكوين أسرة طبقا للشرع والقانون". أحسن تعليق عن هذا المقطع جاء من الصحفية النسوية فدوى مسك: "وإذا افترضنا أن الخطيبان غيّرا رأيهما وقررا إلغاء مشروع الزواج، هل سيعودان إلى السجن؟" وماذا عن ملايين المغربيات والمغاربة الذين يتحابّون "بلا وراق"؟ هل ينبغي سجنهم جميعا؟

حان وقت إلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي الذي يجرم ممارسة الجنس خارج إطار الزواج. في 2018، تمت محاكمة أكثر من 17 ألف شخص لهذا السبب، وكذلك بتهمة الخيانة الزوجية أو المثلية. كل هؤلاء كانوا أشخاصا راشدين يمارسون بالتوافق حرية أساسية، وهي حرية التصرف في أجسادهم كما يشاؤون.

جمعت عريضة تطالب بالتخلي عن هذا القانون المُتجاوَز أكثرَ من 10 آلاف توقيع في غضون أسبوعين. هل سيستمع محمد السادس لهؤلاء كما استمع للضاغطين من أجل الإفراج عن هاجر؟ في 2004، أحدث الملك ثورة مجتمعية بمنحه حقوقا متقدمة للمرأة (مقارنة مع ما كانت عليه من قبل). خمسة عشر عاما بعد ذلك، حان وقت ثورة جديدة، هذه المرة لمنح البالغين من كلا الجنسين حقا أساسيا: الحق في خوض حياتهم الحميمية كما يحلو لهم، دون تدخل الدولة.

ثالثا، الحق في الخصوصية. هذا الحق تم سلبه من هاجر بعنف. تصوروا، كما قال عالم الاجتماع المهدي عليوة بقساوة، أن "امرأة أُجبِرت على فتح فخذيها لخوض فحص طبي قد تكون عاشته كاغتصاب". بل أفظع من ذلك: تم توزيع نتائج هذا الفحص على الصحافة، بقدر لا يُحتمل من التفاصيل، من قِبل وكيل الملك (المدعي العام). عفو الملك لا يُصلح تعسف وكيله، ولا يُكفّر عن الهجوم ضد كرامة وسمعة مواطِنة، ولن يمنع من تكرار هذا العار.

رابعا وأخيرا، الإجهاض. تجريمه، كما هو الحال في المغرب، ينتهك عدة حقوق أساسية للمرأة، بما فيها الحق في الحياة والحق في الصحة. لماذا؟ لأن تجريم الإجهاض لا يحد من ممارسته (كما أظهرته العديد من الدراسات)، بل فقط يدفع النساء إلى اللجوء إلى عمليات إجهاض غير مؤطرة طبيا، يجريها مشعوذون في غرف سرية تفتقد أدنى شروط السلامة والأمان.

يُجرى ما بين 600 و800 عملية إجهاض يوميا في المغرب، ثلثاها على يد أطباء. بعد ما تعرّض له طبيب هاجر، سيتردد زملاءه إلى أقصى درجة قبل إجراء تلك العمليات. والنتيجة المنطقية: قد يتضاعف عدد المغربيات اللاتي يخاطرن بحياتهن ثلاث مرات.

نعم، العفو الملكي سمح بالإفراج عن هاجر الريسوني وخطيبها وطبيبها. هذا يدعو إلى البهجة والسرور. لكن ما دامت القوانين الجائرة والممارسات الأمنية البئيسة تهدد حرية وصحة ملايين المغربيات، فلن يكون هناك ما يدعو للزغاريد.