بقلم: موظّف في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا*

عندما سألتُ "عُودة" عن سبب رحيله عن شبه جزيرة سيناء المصرية، لم يسعه سوى الضحك ثم صمَت. في الإجابة عن أي سؤال يذكّره بحياته السابقة معاناة له. لكن عُودة أخبرني ما حدث في إحدى الليالي حين كان في منزله مع أقربائه، عندما داهم جنود الجيش المصري المنزل وحطموا الباب وقلبوا طاولات الطعام. كان عُودة وعائلته يتناولون الطعام المطهو على نار الحطب، على عادة العائلات في سيناء، وفي غضون ثوان أصبحوا تحت رحمة جنود أشهروا سلاحهم وأجبروا عُودة ووالديه وغيرهم من الأقارب الأكبر سنا على الوقوف أمام الحائط، وصرخوا عليهم لرفع أيديهم للأعلى.

صرخ أبناء عمومته، وجميعهم أطفال، وبكوا. سمع عُودة أصوات مماثلة من منازل الجيران عندما داهم الجنود منازلهم أيضا. كان عُودة يعرف أن الذين يعتقلهم الجيش قد يختفون إلى الأبد، وأن الجنود يُعدمون أحيانا أشخاصا خلال المداهمات. كان يلهج بالدعاء كي ينجو الجميع.

كما جاء الجنود فجأة، غادروا فجأة، ولحسن الحظ لم يعتقلوا أحد هذه المرة. تتكرر المداهمات العنيفة للمنازل في الحي الذي يقيم فيه عُودة. في حين يدّعي الجيش المصري أنه يلاحق أنشطة الإرهابيين، يحتجز في الوقت ذاته تعسفيا آلافا قبض عليهم خلال هذه المداهمات في أنحاء شمال سيناء، مما جعل عُودة يتساءل عما إذا كان هدف الجيش في الواقع حمايتهم أم ترهيبهم.

هذه الحادثة ليست سوى واحدة من عدة أعمال عنف شهدها عُودة، من بينها تجربتان قصيرتان في الاحتجاز، دفعته إلى الفرار وهجران وطنه بينما لا يزال شابا.

يخوض الجيش المصري حربا في محافظة شمال سيناء، الجزء الشمالي من شبه جزيرة سيناء، ضد جماعة "ولاية سيناء" المسلحة التابعة لـ "تنظيم الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش"). لكن المدنيين مثل عُودة هم من يتحملون وطأة النزاع.

أجبر الجيش المصري عشرات الآلاف على مغادرة منازلهم، و "أخفوا" المئات، ونفذوا عمليات قتل خارج نطاق القانون، بحسب تقرير جديد لـ "هيومن رايتس ووتش" بعنوان "اللي خايف على عُمره يسيب سينا!". تقطع الحكومة المصرية الاتصالات في المنطقة بانتظام، وتحد بشدة من خدمات الكهرباء، مياه الشرب، وقود السيارات وسلع أساسية أخرى. جنّد الجيش بعض السكان المحليين، ومن بينهم مجرمين سابقين، في ميليشيات غير رسمية لتهديد واختطاف وتعذيب الأشخاص المشتبه بصلتهم بولاية سيناء.  اعتُبرت شمال سيناء "منطقة عسكرية مغلقة"، يُمنع الصحفيون من تغطيتها، كل ذلك باسم محاربة الإرهاب.

أصبحت الاعتقالات التعسفية التي تقوم بها الشرطة المصرية وجنود الجيش جزء من الحياة اليومية في المناطق التي كان المسلحون فيها أكثر حركة، بما في ذلك مدن رفح والشيخ زويد والعريش والقرى المحيطة، كما قال سكان لـ هيومن رايتس ووتش.

يخوض الجيش المصري حربا في محافظة شمال سيناء، الجزء الشمالي من شبه جزيرة سيناء، ضد جماعة "ولاية سيناء" المسلحة التابعة لـ "تنظيم الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش"). لكن المدنيين مثل عُودة هم من يتحملون وطأة النزاع.

لكن الجيش والشرطة ليسوا وحدهم من يسيء معاملة المدنيين؛ إذ يهدد عناصر من ولاية سيناء أيضا الناس ويختطفونهم ويقتلونهم، وينشرون أحيانا مقاطع فيديو مروّعة تظهر قتلهم لمدنيين وجنود أسرى. في بعض المناطق في رفح والشيخ زويد، أنشأت جماعة ولاية سيناء "محاكم شرعية" ونقاط تفتيش خاصة بها. طبقت "الحسبة" أي فرض قواعد معينة على الناس بحسب فهمها للتعاليم الإسلامية.

لم يستطع عُودة تفسير سبب عدم تمكن الجيش غالبا من حماية المدنيين من مسلحي ولاية سيناء. بدا له أن تكتيكات الجيش لمكافحة الإرهاب استهدفت المدنيين في الغالب.

شاهد عُودة مسلحي ولاية سيناء حول بلدته، وقال "الإرهابيين دول مش بشر". قال إنهم كانوا يأخذون وقتهم عند تنفيذهم مهام مثل القتل أو الاختطاف، كما لو أنه ما من سبب يدعوهم للخوف من الجيش.

أخبرني عُودة أنه من المعروف أن الجماعة تهاجم المدنيين عمدا. فهي تستهدف بشكل رئيسي أولئك المعروفين بتعاونهم مع القوات الحكومية، والمتعاطفين مع الجيش، والمسيحيين، والمسلمين الذين يعارضون فهمهم للإسلام، والكثيرين غيرهم.

في إحدى المرات، بينما كان عُودة مع أسرته في سيارة تقطع - ما كان يوما – أراضي سيناء الزراعية الغناء، أوقفهم مسلحو ولاية سيناء عند نقطة تفتيش مؤقتة تديرها جماعتهم، وأجبروهم على مشاهدة عملية إعدام على مقربة من نقطة تفتيش للجيش المصري (حوالي 100 متر). كان المقاتلون قد احتجزوا رجلا في أواخر العشرينات من عمره، متهم بتعاونه مع قوات الأمن المصرية، وكان مسافرا مع والدته.

شاهد عودة المسلحين يسحبون الضحية من سيارته، ويرمونه أرضا، ويتلون الصلوات بصوت عال لكي يتمكن الناس في المركبات الأخرى من سماعها ومشاهدتها. ثم قطعوا عنق الرجل. قفزت والدته من السيارة، وهي تصرخ بشكل هستيري، تغرف بيديها الرمل وترميه.

"عملو] جريمتهم] في الطريق عشان الناس تشوف، ظهرت [الواقعة] بعدين في فيديو"، كما قال عُودة.

بعد فترة وجيزة، قرر عُودة مغادرة سيناء والبحث عن حياة جديدة خارج مصر.

أنقاض منزل مدمّر. 

© 2014 خاص

أخبر سكان من سيناء هيومن رايتس ووتش أن الشرطة والجيش يعاملون سكان شمال سيناء بشك فوري، كما لو أنهم يتعاونون مع مسلحي ولاية سيناء أو يخبئونهم. أصبحت انتهاكات الجيش جسيمة إلى درجة أن الكثيرين، مثل عودة، يعتقدون أن الجيش يستهدف المدنيين عمدا في شمال سيناء، وأن الجنود لا يريدون حمايتهم من المسلحين المتطرفين. في 2018 وحده، هدم الجيش ما لا يقل عن 3,600 منزل ومبنى تجاري، ودمّر مئات الفدادين من الأراضي الزراعية، تاركا عشرات آلاف المدنيين تقريبا من دون حلول للإقامة المؤقتة أو وظائف جديدة أو مدارس للأطفال. من أصل عدد سكان شمال سيناء المنخفض نسبيا (أقل من نصف مليون نسمة)، أوقف الجيش والشرطة أكثر من 12 ألف شخص بين يوليو/تموز 2013 ونهاية 2018.

قال عُودة وعائلته إنهم شعروا منذ بداية الحرب بعزلة متزايدة عن باقي مصر، كما لو أن سكان سيناء ليسوا في حسبان الحكومة المصرية بخلاف اعتبارهم تهديدا أمنيا. أثّرت التغطية الإعلامية المنحازة في مصر، سلبا على سكان سيناء، بما في ذلك البيانات على صفحات حكومية على فيسبوك التي تنشر أعداد القتلى في صفوف المتطرفين والإرهابيين دون أن تذكر الرعب والانتهاكات التي يتعرض لها السكان.

قال عُودة: "تحس إنك مش محسوب [مواطن] من الدولة دي"، وقال إنه يشعر وكأن سكان سيناء لا يُصورون كبشر: "مش كأننا ناس ولا بشر ولا عارفين نلاقي أكل ولا لبن ولا سكن ... حملات التشهير الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي] كرّهت العالم فينا ولما يحطو صور على فيسبوك شوف التعليقات: ’إنت إرهابي، إنت خائن، إنت تابع إسرائيل!‘".

رغم ذلك يفتقد عُودة سيناء. فهي بالنسبة له مصر والوطن. مصر بالنسبة إليه هي الحقول الزراعية التي عرفها، المنزل، قطط الحي، الجيران والناس. يشعر بالحنين إلى الوطن عندما يستذكر والده وهو يُطعم ماشيتهم في الصباح، ورائحة الخبز التي تعدّه والدته، وأشجار اللوز. يقول عُودة: في الليل، عندما تتألق أشجار اللوز، يبدو الأمر كمشهد ساحر. يخشى أن تكون هذه الأشجار قد اختفت، حتى ولو تمكن – بعد زمن – من العودة.

رغم ذلك يفتقد عُودة سيناء. فهي بالنسبة له مصر والوطن. مصر بالنسبة إليه هي الحقول الزراعية التي عرفها، المنزل، قطط الحي، الجيران والناس.

"كنت مبسوط [سعيد] بالحياة البسيطة".

الآن، بعد سنوات قليلة من مغادرته سيناء، يبحث عن حياة جديدة في الخارج. لا يزال متحفظا بشدة على مشاركة اسم بلده الجديد ونشره علانية. خلال مقابلتنا، توقف عودة عن الحديث عدة مرات. رغم رغبته في التحدث، كان لا يزال خائفا من قيام الجيش، أو الميليشيات الموالية للجيش، أو مسلحي ولاية سيناء بإيذاء عائلته التي ما زالت تعيش في سيناء.

عندما سألناه عما إذا كان يفتقد سيناء لدرجة تدفعه للعودة إليها، صمتَ، لكنه لم يضحك هذه المرة.

"كل حد عنده حد مات واعتقل من الإرهاب أو من الحكومة... كل واحد جواه مشاعر.. حد شاف أبوه بيتقتل. حيتعالج من كل ده إزاي؟".

يقول عُودة إنه حتى إذا انتهت الحرب غدا، فلن تعود الأمور إلى طبيعتها.

"الطفل الصغير يقدر يحدد أنواع الأصوات.. يقلك ده طيران كذا. يقدر يحدد لك كل أصوات الرعب. الأطفال نفسهم مبقوش أطفال..".

*كتب هذه المقالة موظف في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فضّل عدم ذكر اسمه.