مدخل مدرسة البادية التي قصفها طيران التحالف يوم 20 مارس/آذار 2017. 

© 2017 أولي سولفانغ/هيومن رايتس ووتش

في 20 مارس/آذار من العام الماضي، ضربت طائرة تابعة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مدرسة داخلية في المنصورة قرب الرقة بسوريا، ودمرت المبنى بالكامل. لا يزال هدف الضربة والضحايا موضوع خلاف منذ ذلك الحين. أكد التحالف أن المبنى كان مقراً لاستخبارات تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف بـ "داعش"، ومرفقا لتخزين الأسلحة حيث يتمركز فيه أكثر من 30 مسلحا من داعش عادة، ولم يتعرض أي مدني لأي أذى.

في يوليو/تموز الماضي، زرت المدرسة في إطار تحقيق "هيومن رايتس ووتش"، ووصلنا إلى نتيجة مختلفة للغاية. بعد إجراء مقابلات مع 12 شاهدا، من بينهم ناجيان، وجدنا أنها أبعد ما تكون عن قاعدة عسكرية، حيث كانت المدرسة تضم أعداداً كبيرة من المدنيين النازحين. في حين قال شهود عيان إن بعض المدنيين كانوا من أقارب مقاتلي داعش الذين فروا من العراق، إلا أن المدرسة كانت تستخدم أيضا من قبل مدنيين آخرين لا علاقة لهم بأعضاء داعش. جمعنا أسماء 40 شخصا، من بينهم 15 امرأة و16 طفلا، قتلوا في الضربة. أخبرنا الذين دفنوا الضحايا أن إجمالي عدد الضحايا المدنيين أكبر بكثير.

شاركنا النتائج التي توصلنا إليها مع التحالف، بما فيها أسماء عديد من الضحايا، لكن التحالف لم يجر تحقيقات أعمق ولم يغير تقييمه للضربة، وحافظ على الموقف الذي أوضحه في يوليو/تموز الماضي، عندما قال إنه "بعد مراجعة المعلومات المتاحة وفيديو الضربة، تم تقييم أنه لا توجد أدلة كافية لإثبات أن مدنيين تضرروا من هذه الضربة". لا نعرف أبدا كيف جمع التحالف معلوماته أو لماذا قرر عدم وجود أدلة كافية.

أصدرت "لجنة الأمم المتحدة المعنية بسوريا"، التي أُنشئت للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي بسوريا منذ عام 2011، تقريرها الدوري الأخير في 6 مارس/آذار، وتوصلت إلى استنتاج مماثل لاستنتاجنا بأن مدنيين تعرضوا للضرر نتيجة لضربة المنصورة. بعد إجراء مقابلات مع 20 شاهدا، وجدوا أن المعلومات التي جمعوها "لا تدعم الادعاء بأن 30 مقاتلا من داعش [الدولة الإسلامية] كانوا في المدرسة وقت الضربة، أو أن المدرسة كانت تستخدمها الدولة الإسلامية". وجدت اللجنة أنه من بين 200 شخص من قاطني المدرسة، قُتل 150 شخصا، وحددوا 12 ناجيا، من بينهم 4 نساء و6 أطفال.

في ضوء هذه النتائج الإضافية، على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إعادة النظر في تقييمه، والموافقة على إجراء تحقيق كامل وشفاف في ضربة المنصورة. يجب أن يستخدم التحالف أدوات التحقيق كاملة، بما فيها المقابلات مع الضحايا وعائلاتهم، بالإضافة إلى المقيمين المحليين. مثل هذا التحقيق ليس هاما بالنسبة للضحايا فحسب، ولكنه ضروري أيضا لتحقيق فهم أفضل للاحتياطات التي اتخذها التحالف لحماية المدنيين في حملته ضد داعش في سوريا والعراق.

ما زلنا لا نعرف عدد القتلى المدنيين في حملة مكافحة داعش، لكن المعلومات التي جمعتها التحقيقات المستقلة على الأرض، بما فيها تقرير "غير المحسوبين" الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، تشير إلى أن عدد الضحايا في العراق أعلى بكثير من تقديرات "البنتاغون". في زيارة قمت بها مؤخرا إلى مدينة الرقة، أخبرني السكان المحليون أن المئات من جثث المدنيين الذين قُتلوا بالقصف الجوي للتحالف لا تزال تحت ركام المدينة.

لايزال مصير المدنيين في ضربة المنصورة - وفي العديد من الضربات الأخرى - يكتنفه "ضباب الحرب" والإنكار البيروقراطي بعد عام تقريبا من الهجوم، وهو ما يثير الدهشة بالنظر إلى أن القوات الشريكة للتحالف تسيطر على هذه المناطق منذ عدة أشهر. الشهود جاهزون للمقابلات، ويمكن الوصول إلى الجثث لعدّها. يظهر النفي المستمر، في أحسن الأحوال، عدم اكتراث بمحنة السكان المدنيين.

هذا الموقف من قبل التحالف قصير النظر. حقيقة أن التحالف أكثر شفافية من القوات الجوية السورية أو الروسية لا ينبغي أن يكون مصدرا للراحة. لدى البنتاغون إجراءات معمول بها يمكن تفعيلها للنظر بشكل أوثق في ما حدث في المنصورة، والسؤال هو ما إذا كان المسؤولون الأمريكيون على استعداد لإعادة النظر في القضية لمراعاة المعلومات الجديدة المتاحة.

سمعت مسؤولين أمريكيين يذكرون مرارا أهمية كسب القلوب والعقول في المعركة ضد داعش. إن فتح تحقيق كامل في ضربة المنصورة قبل ذكرى الهجوم سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح.