(بغداد) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مقاتلين من تنظيم "الدولة الإسلامية" المسلح ("داعش") يحتجزون نساء وفتيات عربيات سنيات ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتهم في العراق بشكل تعسفي، ويسيئون معاملتهن ويعذبوهن ويتزوجوهن قسرا.

امرأة فارة من القتال بين تنظيم "الدولة الإسلامية" وقوات الأمن العراقية في حيّ الانتصار شرقيّ الموصل، 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

© 2016 رويترز

رغم وجود شهادات عن حالات عنف قائم على الجنس في المناطق الخاضعة لسيطرة داعش، تُعتبر هذه أول حالات ضد نساء من العرب السنة في العراق تتمكن هيومن رايتس ووتش من توثيقها. قابل الباحثون 6 نساء في كركوك كن قد فررن من بلدة الحويجة، 125 كم جنوب الموصل، والتي لا تزال تحت سيطرة داعش. وثّقت هيومن رايتس ووتش وغيرها انتهاكات مماثلة واسعة النطاق ارتكبها مقاتلو داعش ضد نساء إيزيديات. 

قالت لمى فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، "يُعرف القليل عن الاعتداءات الجنسية ضد النساء العربيات السُنيّات اللاتي يعشن تحت حكم داعش. نأمل بذل السلطات المحلية والمجتمع الدولي كل ما في وسعهم لتقديم الدعم اللازم لهذه الفئة من الضحايا". 

في يناير/كانون الثاني 2017، قابلت هيومن رايتس ووتش 4 نساء قلن إن داعش اعتقلهن في 2016 لفترات تتراوح بين 3 أيام وشهر. قالت امرأة خامسة إن أحد مقاتلي داعش، ابن عمها، أجبرها على الزواج منه، ثم اغتصبها. قالت سادسة إن مقاتلي داعش دمروا منزلها كعقاب على هرب زوجها منهم وحاولوا الزواج منها قسرا. قالت 5 من 6 نساء إن مقاتلي داعش ضربوهن.

قالت امرأة إنها حاولت الفرار من الحويجة مع أطفالها الثلاثة ومجموعة كبيرة من العائلات الأخرى في أبريل/نيسان 2016. أمسك مقاتلو داعش بالمجموعة واحتجزوا 50 امرأة منهم في منزل مهجور. قالت المرأة إن مقاتلا اغتصبها بشكل يومي طيلة الشهر التالي أمام أطفالها. قالت إن عدة نساء أخريات محتجزات تعرضن على الأرجح للاغتصاب.

قال خبراء من 4 منظمات دولية، منها منظمتان طبيتان، تعمل مع ضحايا الاعتداءات الجنسي شمال العراق، لـ هيومن رايتس ووتش إنه من الصعب تقييم مدى انتشار العنف القائم على الجنس الذي مارسه داعش ضد النساء الفارات من أراضٍ واقعة تحت سيطرته. أضافوا أن الضحايا وأسرهن يُفضلن الصمت لتجنب الوصم وتشويه سمعة المرأة أو الفتاة.

قالت عاملة إغاثة أجنبية إنها شهدت حالات زواج قسري واغتصاب متعددة، لكنها تعتقد أن عددا قليلا جدا من الضحايا النازحات اللاتي عملت معهن تحدثن عن ذلك علنا. أضافت أن بعض النساء يحاولن إخفاء الحادث عن عائلاتهن، خوفا من التعرض للعار أو للعقاب من الأهل أو المجتمع. قالت إن الأطفال نتاج الاغتصاب أو الزواج القسري قد يواجهون الوصم بدورهم. أضافت أن تقديم الدعم النفسي والعلاج الطبي طويل المدى لهن يجب أن يكون مشغلا أساسيا. قال عامل إغاثة آخر في منظمة دولية تقدم خدمات في 3 مخيمات للنازحين من المناطق التي يسيطر عليها داعش، إن طاقمهم وثق 50 حالة لنساء وفتيات تعرضن لعنف نفسي وجسدي على يد داعش، ويحصلن على دعم من المنظمة حاليا.

هناك عدة منظمات محلية ودولية تقدم الدعم لضحايا العنف القائم على الجنس، لكن قال موظفون طبيون ومقدّمو خدمات في كركوك إنه لم تُبذل جهود كافية لمعالجة الوصم الذي يتسبب فيه العنف الجنسي، ولا يوجد وعي بالخدمات المناسبة والدعم الصحي النفسي أو العقلي، وأن الاحتياجات تفوق الخدمات المقدمة.

قالت طبيبة نفسية في منظمة دولية تقدم الدعم النفسي والاجتماعي في أحد أكبر مخيمات النازحين في إقليم كردستان العراق إن هناك جهود قليلة جدا لتوعية الرجال بكيفية دعم النساء ضحايا العنف القائم على الجنس. أضافت أنه غالبا ما تُمنع المرأة من الحصول على المشورة والتدريب المهني من قبل أقاربها الذكور، حتى لو كانت ترغب في هذه الخدمات.

كل النساء اللاتي قابلناهن يتلقين علاجا في مركز كركوك، الذي يوجد فيه 12 موظفا يقدمون المشورة النفسية والسلوكية للنساء والأطفال. قال الدكتور عبد الكريم الخليفة، مدير المركز، في يناير/كانون الثاني إن المركز يعالج وقتها 30 مريضا، منهم 15 طفلا، يعانون من صدمات متصلة بتجاربهم التي عاشوها في ظل داعش. قال إن مركزه عالج في عام 2016 حوالي 400 مريضا هربوا من أراض خاضعة لسيطرة داعش. أضاف أن مقاتلي داعش اغتصبوا مريضتين على الأقل من مرضاه الحاليين. قال إنه يعرف منظمة أخرى في كركوك توفر الخدمات لضحايا الاعتداء الجنسي، وإنه يوجد دعم ضئيل للغاية فيما يتعلق بتقديم الرعاية الصحية العقلية اللازمة للنازحين الذين عاشوا في ظل داعش.

قال موظف طبي آخر في كركوك يقدم الدعم الاجتماعي للنساء والأطفال المتعرضين للصدمة بسبب ما خاضوه في ظل داعش إن الخدمات التي تقدمها الحكومة الاتحادية تركز على العلاج الدوائي وليس على العلاج النفسي والاجتماعي والمشورة.

قال مدير برنامج في منظمة دولية تقدم خدمات في واحد من مخيمات النازحين الكبرى شمال العراق إن المجموعة تمكنت من خلق فضاءات آمنة وإطلاق مشاريع مهنية للنساء. إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من تقديم دعم نفسي واجتماعي طويل المدى وخدمات أخرى لضحايا العنف القائم على الجنس لأنها لا تجد موظفات يملكن المهارات اللغوية والخبرة والمؤهلات المهنية اللازمة بسهولة. 

واجهت حكومة إقليم كردستان ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية الأخرى صعوبات في تقديم رعاية ما بعد الاغتصاب والدعم النفسي والاجتماعي للنساء الإيزيديات ضحايا العنف الفارات من داعش.

توفير الرعاية الصحة النفسية والدعم النفسي-الاجتماعي الملائمين هو تحد معقد وطويل الأجل. على حكومة إقليم كردستان والهيئات الأممية والأطراف الأخرى وضع نظام للتنسيق بناء على تقييم الاحتياجات وتقدير الأولويات الأكثر إلحاحا. على المنظمات التعرف على المعوقات الرئيسية التي تحول دون تقديم الرعاية والخدمات، وجعلهما متاحين وطوعيين، وتحديد التكاليف المحتملة. جهود التنسيق هذه يجب أن تشمل "منظمة الصحة العالمية" وممثلات عن الناجيات.

قالت منظمة الصحة العالمية إن خدمات الصحة العقلية والدعم النفسي تمثل المكونات الأساسية للرعاية الشاملة لضحايا العنف الجنسي. ذكرت أيضا أن على المصابين بأمراض نفسية ومجتمعاتهم المحلية المساعدة على تطوير هذه الخدمات، وأن على المسؤولين عن توفيرها تعزيز الموارد المتاحة وتوفيرها للجميع دون تمييز.

قالت فقيه: "تعاني النساء ضحايا العنف القائم على الجنس من عواقب الانتهاكات الجنسية لفترة طويلة بعد فرارهن من داعش.  تقديم الرعاية لهن وتأهيلهن يتطلب استجابة متعددة الأوجه، والسلطات مطالبة بتقديم الدعم الطبي والنفسي اللازمين، والعمل على القضاء على الوصم المرتبط بالعنف الجنسي في المجتمع الأوسع".

"المعهد الوطني لحقوق الإنسان"، ومقره كركوك، ساعد هيومن رايتس ووتش عبر تحديد الضحايا والإعداد للمقابلات واستضافتها. تمت المقابلات بعد الموافقة الكاملة والواعية بالعربية وبدون ترجمة. قمنا بإجراءات من أجل ضمان خصوصية الضحايا وأجرينا المقابلات في أماكن تؤمن أكبر قدر ممكن من الخصوصية. في جميع الحالات اتخذت هيومن رايتس ووتش اجراءات لعدم إصابة الناجيات بالصدمة مجددا، وأوقفت المقابلات عندما سببت الضيق. بغية حماية الضحايا والشهود، تم تغيير أو حجب أسماء الأفراد ومعلومات أخرى تكشف هويتهم.

سعاد

قالت سعاد (21 عاما) من قرية قرب الحويجة، إن قريبها الذي يكبرها بسنة التحق بداعش بعدما سيطر مقاتلوه على المدينة في 2014. كانت عائلتاهما تنويان تزويجهما، لكن بعدما صار مقاتلا مع داعش أبلغته سعاد وعائلتُها بأنهم لم يعودوا يريدون عقد القران. لكنه جاء مع أخيه وقريبه إلى منزلهم في صباح أحد أيام يناير/كانون الثاني 2016 وطلب تزويجه من سعاد وإلا قتل أهلها. رضخت العائلة للتهديد، وأخذها قريبها إلى منزله حيث أجبرها على الزواج منه واغتصبها، فحملَتْ منه. قالت سعاد إنها فرّت بعد 8 أشهر في منتصف الليل مع أهلها إلى كركوك. أنجبت طفلها بعد شهر ولكنه توفي بعد 4 أيام.

فوزية

فوزية (45 عاما) من داقوق، كانت تسكن في الحويجة في بدايات العام 2015، عندما تقرّب مقاتلو داعش من زوجها وطلبوا منه التجسس على الحي. رفض فاحتُجزَ 10 أيام ابتداء من 7 فبراير/شباط 2016 في قرية خارج المدينة وفرّ بمجرّد فكّ حجزه. قالت فوزية إن 3 من مقاتلي داعش احتلوا المنزل 3 أيام خلال هذه الفترة، ووضعوا ولديها تحت الإقامة الجبرية، وأجبروهم على البقاء في غرفة واحدة. قالت إنها رأت مقاتلي داعش يجلبون فتاة جديدة كل يوم إلى الغرفة المجاورة لمدة ساعة تقريبا. كانت ترى الفتيات عندما يكون باب الغرفة مفتوحا، تقدّر أنهنّ كنّ 16 وسمعتهن يبكين من خلال الحائط. تعتقد أن المقاتلين اعتدوا جنسيا على الفتيات.

بعد 3 أيام، قالت إنها طلبت من الجنود التوقف عن جلب الفتيات إلى منزلها. ضربها أحدهم بكفه وبعقب البندقية وقال لها إن قائدهم سيأتي ويتزوجها. هددوها بأنها إذا حاولت الفرار إلى كركوك سيجدها أفراد داعش العاملين هناك ويقتلونها. في اليوم الرابع وأثناء صلاة الساعة الخامسة صباحا كان مقاتلو داعش جميعا في الجامع المحلي، فرّت فوزية مع ولديها إلى كركوك. أجهشت بالبكاء وهي تكمل القصة:

عندما وصلت إلى أول حاجز لـ "البشمركة" كنت خائفة أن يجدني [داعش] فلم أسجل نفسي. أنا خائفة جدا في كركوك لذا أمضيت العام الماضي داخل منزل أقاربي. لم أكن أذهب حتى إلى الدكان، وعندما أضطر للخروج كنت ألتفت حولي خائفة، فقد يعرفون أين أعيش ويأتون لقتلي.

مريم

قالت مريم (25 عاما) إن زوجها فرّ من الحويجة في مارس/آذار 2016، خوفا من احتمال إعدامه لأنه شرطي سابق؛ بعد 3 أيام وجدها نحو 20 من مقاتلي داعش في المنزل مع بناتها فجرّوهنّ إلى الخارج وضربوها على رأسها وكتفيها، ثم فجّروا منزلها وأجبروها على المشاهدة معاقبة على فرار زوجها. قالت إنها انتقلت للسكن مع أخ زوجها ولكن بعد بضعة أيام جاء مقاتلان من داعش وقالا لها إنها مرتدة بسبب فرار زوجها ولكن مازالت صغيرة وعليها أن تتزوج أحدهما. وافقت وقالت لهما أن يعودا في اليوم التالي واختبأت في مكان آخر بنفس الليلة. قالت مريم إنها تنقلت كثيرا خلال الأشهر الثلاثة اللاحقة. أخفقت 3 مرات بالفرار من المنطقة قبل أن تتمكن من الوصول إلى كركوك مع طفلتها البالغة 3 أعوام.

حنان

قالت حنان (26 عاما) إنها حاولت الفرار من الحويجة في 21 أبريل/نيسان 2016 مع أولادها و50 امرأة و4 رجال من عدة عائلات سنية، وكان زوجها قد فرّ قبل بضعة أسابيع. قالت إن مقاتلي داعش أوقفوا المجموعة في القيارة، 65 كم شمالا، وأخذوهم إلى منزل مهجور حيث احتجزوا النساء والأطفال. قالت حنان إن حارسا من داعش أخذها في اليوم الأول مع ابنتها (8 أعوام)، وابنيها (6 و3 أعوام) إلى غرفة منفصلة. قال لها مقاتلو داعش إنها مرتدة بسبب فرار زوجها من المنطقة التي يسيطر عليها داعش وإن عليها الزواج من قائد داعش المحلي. قالت: "اقتلوني، لأني أرفض ذلك".

عصب المقاتلون عينيها وضربوها بأسلاك بلاستيكية وعلقوها من ذراعيها لبعض الوقت – لا تعرف كم بقيت معلقة – أمام أطفالها. ثم أنزلوها ورفعوا العصابة عن عينيها، واغتصبها أحد المقاتلين أمام أولادها:

اغتصبني نفس الشخص يوميا على مدى شهر، بدون عصابة العينين، ودائما أمام أطفالي. تعاني طفلتي من إعاقة ذهنية ولذا لم تفهم فعلا ما كان يحدث ولكن غالبا ما يستعيد ابني الأكبر الأحداث. لا أعرف ما العمل.

قالت إن النساء كنّ يُنقَلْنَ من الغرفة المشتركة، أحيانا يوميا وأحيانا بوتيرة أقل، وإن إحداهن، من قرية حاج علي مع طفلة عمرها 11 شهرا، قالت لها إن مقاتلا آخرا كان يغتصبها وإنه كان ينوي إجبارها على الزواج منه. تعتقد أن جميع النساء اغتُصِبنَ أيضا.

قالت إن والدها عرف مكانها بعد شهر على احتجازها فأعطى داعش سيارة ودفع 500 دولار للإفراج عنها؛ أُجبِر على التوقيع على تعهد أنه يُقتَل في حال فرارها من المنطقة التي يسيطر عليها داعش. قالت إن المقاتل الذي كان يغتصبها قال إنه يريد الزواج منها ولكنها رفضت ووالدها. وقالت إنها فرّت في يناير/كانون الثاني 2017 مع بقية عائلتها إلى كركوك. قالت إنها لم تعرف ماذا حصل للنساء الأخريات ولكنها سمعت من الامرأة من حاج علي أنها أُجبِرت على الزواج من مغتصبها.

كريمة

قالت كريمة (17 عاما) إنها فرّت من الحويجة إلى كركوك مع 16 فردا من العائلة في يونيو/حزيران 2016. أثناء مغادرتهم الحويجة أطلق قناص النار على والدتها فأصابها برقبتها وماتت. تمكن معظم أفراد العائلة من الفرار ولكن مقاتلي داعش اعتقلوا كريمة وإخوتها (6 و11 و13 عاما) واحتجزوهم في منزل مهجور قرب الحويجة بدون طعام ومع قليل من الماء. استجوبوهم عن والدهم الشرطي السابق الذي تمكن من الفرار. ضربها محتجزوهم وأخاها البالغ 13 عاما، بعقب البندقية على أكتافهم، مرة كل واحد، خلال الاستجواب. أُفرِج عنهم بعد 3 أيام وفرّوا إلى كركوك.

عائشة

قالت عائشة (25 عاما) إنها حاولت الفرار من الحويجة مع عائلتها وعائلتين أخريين في أكتوبر/تشرين الأول 2016. قالت إنه عندما كانوا بانتظار أن يدلهم المهربون على طريق آمنة، ظهر مقاتلو داعش وفتحوا النيران عليهم فأصابوا ابنها البالغ 6 أعوام في ظهره. قالت إن الرجال في مجموعتهم تمكنوا من الفرار ولكن مقاتلي داعش أحاطوا بالنساء الخمس، وضربوا عائشة بعقب البندقية على كتفها. نقل مقاتلو داعش ابنها إلى مستشفى في الحويجة واحتجزوا النساء في غرفة في منزل مهجور يبعد 30 دقيقة بالسيارة.

قالت إن حارسات من داعش أَتَيْنَ وجلدْنَ كل امرأة منهن 65 مرة بعصا رفيعة، وهددنهن إنه في حال تحركن ستُجلَدنَ أكثر. قالت عائشة إنها احتُجزت 12 يوما وأُفرج عنها فقط بعد دفع ذويها 2000 دولار؛ كانت النساء الأخريات لازلن هناك، ولا تعرف ماذا حل بهن.

أسرعت إلى المستشفى ووجدت ابنها الذي كان قد خضع لأربع عمليات، وفرّت أخيرا إلى كركوك معه. أطلعت عائشة هيومن رايتس ووتش على جراح ابنها.