(تونس) – قالت كلّ من "هيومن رايتس ووتش" و"الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان" ومنظمة "العفو الدولية" اليوم إن محكمتين مغربيتين أدانتا مؤخرا مواطنين فرنسيين في قضيتين منفصلتين على أساس "اعترافات" مشكوك فيها مكتوبة باللغة العربية، التي لا يستطيعان قراءتها. أنكر كلاهما تلك الاعترافات عندما علما بمضامينها.

تبين هاتان القضيتان نمطا لطالما وثقته المنظمات الثلاث، يتمثل في اعتماد المحاكم المغربية على محاضر الشرطة كأدلة للإدانة. كثيرا ما تتجاهل المحاكم أو ترفض بعجالة احتجاجات الدفاع بأن الشرطة استخدمت سُبلا مشكوكا فيها للحصول على الاعترافات وتزوير مضمونها.

في المغرب، بمجرّد أن توقع على "اعترافك"، حتى وإن منعتك الشرطة من قراءته أو كان مكتوبا بلغة لا تفهمها، فأنت في طريق مفتوح إلى السجن.

سارة ليا ويتسن

المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "في المغرب، بمجرّد أن توقع على "اعترافك"، حتى وإن منعتك الشرطة من قراءته أو كان مكتوبا بلغة لا تفهمها، فأنت في طريق مفتوح إلى السجن".

اعتقلت الشرطة كلا من توماس غالاي (36 عاما) ومانويل بروستاي (32 عاما) واستجوبتهما بالفرنسية وبدون حضور محام، ثم جعلت كلا منهما يوقع على الأقوال المنسوبة إليه باللغة العربية، أيضا بدون حضور محام. وفي محاكمتيهما، حكمت محكمة في الرباط على غالاي بست سنوات سجنا وعلى بروستاي بأربع سنوات، بتهم مرتبطة بالإرهاب. استأنف كلاهما الحكم، ومن المقرر أن تعقد جلسة غالاي ومن معه في محكمة الاستئناف بالرباط في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

قال محاميا الرجلين لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة استخدمت الإكراه والخداع لإقناعهما بتوقيع تلك الأقوال.

قال غالاي إن رجال الشرطة قرأوا عليه بالفرنسية الأقوال التي أدلى بها فعلا، وأكدوا له أن الوثيقة مجرد إجراء إداري عليه التوقيع عليه قبل إطلاق سراحه. لم تخبر الشرطة غالاي خلال مدة احتجازه الاحتياطي الذي دام 12 يوما، بعد اعتقاله في 18 فبراير/شباط 2016، بالتهم المنسوبة إليه، وأخبرته بأنها تستجوبه بخصوص أحد معارفه، حسبما قال محاميه عبد الرحيم الجامعي، من القنيطرة.

توماس غالاي.

قال بروستاي لمحاميه عبد العزيز النويضي إن الشرطة أخبرته بالفرنسية أن الأقوال المكتوبة بالعربية تتضمن تفاصيل عادية عن هويته وحياته الشخصية والمهنية، ووعدت بإطلاق سراحه عندما يوقعها. قال إن رجال الشرطة صفعوه عدة مرات عند استجوابه.

عبّر كلا الرجلين عن صدمته عندما ترجم محامياهما المحضرين إلى الفرنسية، وأدركا أنهما وقّعا أقوالا مفصّلة تدينهما، حسبما قال محامياهما.

تبرّأ غالاي، مهندس للإلكترونيات الدقيقة، يعمل عن بعد في مدينة الصويرة لصالح شركة فرنسية، من مضمون المحضر أمام قاضي التحقيق الذي ينظر في القضية. ونفى تصريحات بأنه مرتبط بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أو بأية أنشطة إرهابية أو بأنه تحول إلى الإسلام.

أحال قاضي التحقيق غالاي رغم ذلك على المحاكمة واتهمه بتشكيل جماعة إرهابية مع 8 متهمين آخرين مغاربة. وتمت محاكمة قاصر في إطار نفس القضية لكن بشكل منفصل. يؤكد غالاي أنه يعرف أحدهم معرفة سطحية، والتقى اثنين آخرين مرات قليلة، ولم يلتق أيا من الستة الآخرين.

أدانته الغرفة الجنائية لمحكمة الاستئناف بالرباط، وهي الغرفة المختصة بالقضايا المرتبطة بالإرهاب، في 14 يوليو/تموز، بتقديم الدعم المالي لأشخاص ينوون ارتكاب أعمال إرهابية، وعقد تجمعات عامة غير مرخص لها، وتنظيم أنشطة في إطار جمعية غير معترف بها. حكمت المحكمة على كل المتهمين الذي معه بأحكام تتراوح بين 4 و18 سنة سجنا.

أظهر مضمون القرار أن الحكم اعتمد بشكل كبير على اعترافات غالاي المزعومة، ومحاضر الشرطة التي جرّم فيها المتهمون بعضهم البعض. لم يذكر الحكم مسألة اللغة أو نفي غالاي لما جاء في المحضر، بل فقط ذكر أنه "حُرّفي التوقيع أو عدم التوقيع، هذا هو الأصل، وإلا فعلى مدعي خلافه يقع عبء الإثباث".

رفض 7 من المتهمين الآخرين أيضا الأقوال المنسوبة إليهم خلال محاكمتهم، بينما قال الثامن إن لا معلومات لديه عن ارتباط غالاي بجماعات أو أنشطة مسلحة.

غالاي، الذي تقول أسرته إن ليس له أي سوابق عدلية في أي بلد، يقبع الآن في سجن سلا. بعثت هيومن رايتس ووتش والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان في 14 أكتوبر/تشرين الأول رسالة للسلطات المغربية تعبر فيها عن قلقها بشأن المحاكمة، لكنها لم تتلق أي رد.

كان مانويل بروستاي، وهو جندي فرنسي سابق تحول إلى الإسلام، ينتقل مع أسرته من أنجيه بفرنسا إلى صفرو بالمغرب، حيث اعتقلته الشرطة المغربية لدى وصوله إلى مطار فاس في 6 مارس/آذار. وكان قد قضى شهرين في الإقامة الجبرية في أنجيه بموجب قرار لوزارة الداخلية الفرنسية بعد هجمات 15 نوفمبر/تشرين الثاني الإرهابية بباريس.

فتّشت الشرطة المغربية أمتعة بروستاي وكذلك منزله الذي اقتناه مؤخرا في صفرو، وحجزت عددا من السكاكين والبنادق الهوائية غير القاتلة. بقي رهن الاحتجاز الاحتياطي لمدة 12 يوما دون أن يتمكن من الاتصال بمحام.

جاء في محضر الشرطة المكتوب بالعربية والذي وقعه بروستاي أنه خبير متفجرات يتزعم جماعة متشددة في أنجيه، وأنه أشاد بهجمات باريس، ويخطط لمهاجمة المصالح الفرنسية، وأنه لم يخبر السلطات الفرنسية عندما أدرك أن أحد معارفه كان يخطط لهجوم على مركز شرطة. كما "اعترف" بروستاي بأن السكاكين والبنادق الهوائية المحتجزة كانت لأغراض التدريب، كما أنه حمّل مواد متعلقة بالفكر المتطرف على حاسوبه الذي حجزته الشرطة.

مانويل بروستاي.

قال محامي بروستاي إن موكله عندما قرأ ترجمة لأقواله، نفاها جملة وتفصيلا خلال جلسة أمام قاضي التحقيق في 18 مارس/آذار. قال بروستاي إنه مسلم تقيّ، لكنه نفى كونه خبير متفجرات أو على ارتباط بأي جماعات إرهابية، وقال إن السكاكين والبنادق الهوائية يحتفظ بها منذ أن كان في الخدمة العسكرية، وإنها للاستخدام المنزلي وليس لأي غرض إرهابي. ونفى أن يكون قد حمّل مواد من الفكر المتشدد على حاسوبه، لكنه أقر أن صديقا له ربما فعل ذلك.

لم يتطرق قاضي التحقيق في تقريره الذي أمر فيه بمحاكمة بروستاي إلى قوله بأن الشرطة خدعته أو أكرهته على توقيع المحضر. وقال في التقرير إن محاولته للتبرؤ منه هو فقط محاولة للتملص من الإدانة.

حاكمت محكمة الاستئناف بالرباط بروستاي بمفرده وأدانته في 20 أكتوبر/تشرين الأول. وبنى الادعاء ملفه على "الاعترافات" التي نفاها والمواد المحتجزة. حكمت عليه المحكمة بأربع سنوات سجنا بتهم تشكيل عصابة بهدف تدبير وارتكاب أعمال إرهابية، وحيازة أسلحة نارية غير مرخص لها في إطار مخطط جماعي للإخلال بالنظام العام، والإشادة بالإرهاب وعدم التبليغ عن عمل إرهابي. لم تُصدر المحكمة بعد حكمها المكتوب.

تقدّم بروستاي بطلب استئناف لكنه لم يتم بعد تحديد تاريخ للجلسة، وهو حاليا في سجن تيفلت 2.

يضمن قانون "المسطرة الجنائية" المغربي لأي شخص يواجه تهما جنائية استشارة محام خلال الساعات الـ 24 الأولى من اعتقاله، أو خلال الأيام الستة الأولى في قضايا الإرهاب، بشروط معينة. لكن القانون المغربي لا يعطي المتهم الحق في حضور محاميه خلال استجواب الشرطة أو عند توقيع المحضر.

قال ديميتريس كريستوبولوس، رئيس الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان: "على المغرب ضمان حق المحاكمة العادلة على مستوى الممارسة وليس فقط على مستوى القوانين. الحماية الفعلية لعدد كبير من الحريات الشخصية يعتمد بشكل كبير على تعزيز الحكومة المغربية لضمانات النظام القضائي، ووقفها للخرق الممنهج للحق في المحاكمة العادلة".

معلومات إضافية حول قضية توماس غالاي
اعتقلت الشرطة غالاي، الذي يحمل الجنسيتين الفرنسية والسويسرية، في 18 فبراير/شباط 2016 في الصويرة، مكان إقامته، ونقلته إلى الرباط.

قالت أسرة غالاي إن الشرطة لم تخبره بالتهم الموجهة إليه. يُعدّ هذا خرق للمادة 9 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، والفصل 23 من الدستور المغربي الذي ينص على أنه "يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله". قالت أسرته إن عناصر الشرطة الذين اعتقلوه لم يعطوه أية معلومات، بينما قيل له لدى وضعه رهن الحبس الاحتياطي إنه ليس متهما، بل إن المحكمة بحاجة إلى إفادته بشأن متهم آخر يُدعى "م. ل".

خلال حبسه الاحتياطي، وقع غالاي على محضرين "اعترف" فيهما بتحوله إلى الاسلام، ودعمه لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتقديم المال إلى متهم آخر يعرف عنه أنه يدعم داعش، وتنظيم اجتماعات مع نفس المتهم وشخص آخر بمنزله. وقع غالاي المحضر الأكثر تفصيلا الذي أدى إلى إدانته يوم 19 فبراير/شباط، قبل أن تكون لديه إمكانية الاتصال بمحاميه.

قالت أسرة غالاي إنه على خلاف ما جاء في محضر الشرطة، لم يكن بإمكانه إخبارهم باعتقاله. يُعدّ هذا خرقا لقانون المسطرة الجنائية المغربي، والذي ينصّ في المادة 67 على أن "يقوم ضابط الشرطة القضائية بإشعار عائلة المحتجز، فور اتخاذ قرار وضعه تحت الحراسة النظرية".

لم يدرك غالاي مضمون محاضر الشرطة حتى مثل أمام المحكمة. قال محاميه إن موكله تبرأ من كل ما جاء فيها فورا.

قال محامي غالاي، عبد الرحيم الجامعي، إنه طعن خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة في حجية محاضر الشرطة، وطلب من المحكمة استدعاء رجلي الشرطة الذين استجوبا موكله للإدلاء بشهادتيهما، لكن المحكمة رفضت.

ذكرت المحكمة في نصّ الحكم أنها لم تجد مبررا لعدم الاعتداد بمحاضر الشرطة، واستندت إلى المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن الجنح والمخالفات المفضية إلى عقوبات بالسجن لخمس سنوات أو أقل، يُعتدّ فيها بمحاضر الشرطة التي يكون مضمونها موثوقا، ما لم يثبت العكس.

أدانت المحكمة غالاي بثلاث تهم:

  1. الدعم المالي لأشخاص بهدف ارتكاب أعمال إرهابية (الفصل 218-1 (الفقرة 9)، و218-6 و218-7 من القانون رقم 03-03 المؤرخ في 28 مايو 2003 المتعلق بمكافحة الإرهاب)،
  2. عقد اجتماعات عمومية بدون ترخيص مسبق (المواد 3 و9 من ظهير شريف رقم 1-58-377 مؤرخ في 15 نوفمبر 1958 بشأن التجمعات العمومية)
  3. ممارسة نشاط في جمعية غير مرخص لها (المواد 5 و6 من ظهير شريف رقم 1-58-376 مؤرخ في 15 نوفمبر 1958 بشأن الحق في تأسيس الجمعيات).

حكمت المحكمة على غالاي بست سنوات سجنا والإجلاء من المغرب بعد انتهاء مدة عقوبته. بقي غالاي محتجزا منذ اعتقاله، حيث رفضت المحكمة طلب الافراج المؤقت عنه قبل محاكمته.

حُكم على المتهمين الآخرين في القضية بعقوبات تتراوح بين 4 و18 سنة سجنا.

خلال المحاكمة، تبرأ كل المتهمين من المحاضر التي نسبتها إليهم الشرطة باستثناء "م. ل" الذي مثّله محام متطوع وحُكم عليه بأطول عقوبة (8 سنوات سجنا). خلال المحاكمة، نفى "م. ل" أجزاء من الأقوال التي نسبت إليه في محضر الشرطة، بما في ذلك الجزء الذي ربط فيه غالاي بأنشطة إرهابية.

قال محامي المتهم محمد المسبوقي، علي عمار، لـ هيومن رايتس ووتش إنه لم يكن حاضرا عندما استجوبت الشرطة موكله أو عندما جعلته يوقع المحضر. قال عمار إن المسبوقي وقع المحضر دون قراءته لأن الشرطة أكدت له أنها ستطلق سراحه بعد ذلك. وأضاف أن موكله أصيب بالصدمة عندما أدرك ما "اعترف به" أمام قاضي التحقيق.

حالات متكررة من قبول اعترافات نفاها أصحابها دون تمحيص دقيق
وثقت هيومن رايتس ووتش عام 2013 في تقرير بعنوان "وقّع هنا فحسب: المحاكمات الجائرة بناء على الاعترافات التي دوّنتها الشرطة في المغرب" عدة محاكمات جنائية زعم المتهمون فيها أن الشرطة إما عذبتهم أو أجبرتهم على الاعتراف أو خدعتهم لتوقيع محاضر دون قراءتها. نفى هؤلاء المتهمون لدى مثولهم أمام القاضي محاضر الشرطة قائلين إنها مفبركة.

لكن ذلك لم يدفع المحكمة لتحقق بشكل جدّي فيما إذا كانت أقوال المتهم دقيقة أو أخذت منه بطواعية قبل استخدامها كحجة رئيسية لحكم الإدانة، رغم أن المادة 293 من قانون المسطرة الجنائية تمنع الاعتداد بأي اعتراف يُنتزع بالعنف أو الإكراه. توصل المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب إلى خلاصات مماثلة في تقرير عام 2013.

تنص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمغرب طرف فيه: "من حق كل فرد أن يزود مجانا بترجمان إذا كان لا يفهم أو لا يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة، وأّلا يُكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب".

أكدت "لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان" أن الحق في مترجم يجسد جانبا آخر من مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص القانونية في الإجراءات الجنائية. ينشأ هذا الحق في جميع مراحل الإجراءات الشفوية.

تدعو هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان السلطات المغربية لتعديل قوانينها لتساير القانون الدولي والمعايير الدولية للتأكد من حماية الحق في المحاكمة العادلة، خاصة بأن يكون للشخص المعتقل الحق في الاتصال سريعا بمحام، وفي حال تنازل المتهم عن هذا الحق كتابة، ألا يجبر على الإجابة عن أي أسئلة أو أن يشارك في أي تحقيق دون حضور محام، تماشيا مع "المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا لسنة 2003". "كما ينبغي على المشرع المغربي تبني قوانين تضمن عدم إخضاع أي فرد لضغط أو خداع لجعله يوقع محضرا، بما في ذلك بلغة لا يستطيع قراءتها.

على المشرّع أيضا مراجعة المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية التي تسمح للقضاة في الجنح التي لا تتعدى مدة عقوبتها 5 سنوات بافتراض مصداقية محاضر الشرطة إلا إذا تمكن المتهم من إثبات العكس. تتناقض هذه المادة مع مبدأ افتراض البراءة وحق المتهم في "تكافؤ الفرص القانونية"، أي إمكانية تقديم أدلة ذات حجية تكافئ حجية أدلة الادعاء. يعتبر "فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي" المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية مخالفة لمبدأ افتراض البراءة لأنها تشترط وجود أدلة تثبت التهمة، وتستثني الأدلة التي تثبت البراءة.