(نيويورك) – إن الهجمات العسكرية السورية والروسية على المستشفيات في الأسابيع الأخيرة خلال الحملة الجوية الحكومية في منطقة حلب تتسبب بوفيات وإصابات وإغلاق المرافق الطبية. على مجلس الأمن الدولي الطلب من أمين عام الأمم المتحدة إجراء تحقيق مستقل في الهجمات.

رجال وعناصر من الدفاع المدني يبحثون عن ناجين بعد غارة جوية على مستشفى في بلدة ملس، غرب مدينة إدلب التي يسيطر عليها عناصر من المعارضة المسلحة، سوريا، 6 أغسطس/آب 2016.  

© 2016 رويترز

وثّقت هيومن رايتس ووتش 6 غارات جوية نفذتها طائرات الحكومة السورية أو الروسية على المرافق الصحية في إدلب وحلب في الأسبوعين الماضيين، أدت جميعها إلى إغلاق المرافق الطبية مؤقتا. قتلت الغارات الجوية أيضا 17 مدنيا وأصابت 6 أشخاص على الأقل. وقع 43 هجوما مماثلا في يوليو/تموز، وهو أسوأ شهر للهجمات على المرافق الطبية منذ بدء النزاع في سوريا، وفقا لـ "الجمعية الطبية الأمريكية السورية" التي تشغل عيادات ومستشفيات ميدانية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

قال نديم حوري نائب مدير قسم الشرق الأوسط: "أصبحت الضربات الجوية على المستشفيات أمرا اعتياديا في سوريا، لكننا لم نر أي تحقيق أو مساءلة عن هذه الأعمال الإجرامية. مع استمرار القصف العنيف بلا هوادة، يجب اعتبار المستشفيات والعيادات أماكن مقدسة تنقذ الأرواح، لا أهدافا إضافية للقصف".

مسعف يتفقد الأضرار التي لحقت بمستشفى عندان، الذي يدعمه اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية، بعد أن ضربت غارة جوية مدينة عندان التي يسيطر عليها المتمردون، شمال محافظة حلب، سوريا، 31 يوليو/تموز 2016.  

© 2016 رويترز

تحدثت هيومن رايتس ووتش خلال رسائل "واتس آب" مع مديرين في 4 مستشفيات وبنك الدم ومرفقين آخرين في 6 أغسطس/آب، ومستشفى الأمل الذي تدعمه منظمة "أطباء بلا حدود" في قرية ملّس بمحافظة إدلب، ومستشفى في قرية سرمين في إدلب. قالوا جميعهم إن المرافق كانت محددة بوضوح أنها مرافق طبية، ولم يكن هناك وجود لمقاتلين مسلحين في محيط المرافق وقت الهجمات.

تُمنح المرافق الطبية حماية خاصة بموجب القانون الإنساني الدولي، كما تحتفظ بالحماية العامة المطبقة على المدنيين والمنشآت المدنية. لا ينبغي أن تهاجَم أبدا إلا إذا كانت تستخدم لأغراض عسكرية لارتكاب أعمال ضارة بطرف في النزاع. دون هذه الشروط، تُعتبر الهجمات المتعمدة على المرافق الطبية انتهاكات لقوانين الحرب، ويمكن مقاضاة مرتكبيها باعتبارها جرائم حرب.

قالت هيومن رايتس ووتش إن الهجمات على المرافق الطبية لها أيضا تأثير مباشر على حق سكان شمالي سوريا في الرعاية الصحية. يجب أن يحدد تحقيق الأمم المتحدة هوية المهاجمين، ويجمع الأدلة ويحفظها للمقاضاة في المستقبل، وينتج عنه تدابير لمعاقبة المسؤولين.

في 23 يوليو/تموز 2016، أصابت غارات جوية 4 عيادات هي مستشفى الحكيم للأطفال ومستشفى الدقاق ومستشفى الزهراء ومستشفى البيان، بالإضافة إلى بنك الدم المركزي في حي الشعار المكتظ بالسكان في حلب. جميعها كانت محددة بوضوح أنها مستشفيات. لم تعلن الحكومة السورية أو الروسية المسؤولية عن ذلك.

قال أبو المعتصم، رئيس مستشفى الزهراء الذي يعمل على مدار 24 ساعة لتلبية احتياجات أمراض النساء والتوليد في حلب:

"سقط الصاروخ على سقف المبنى. لا أستطيع أن أصف الشعور عند الضربة. اعتقدت أن المبنى كله كان على وشك الانهيار على رؤوسنا. سادت حالة من الفوضى".

قالت "منظمة الصحة العالمية" إنه لم يكن هناك سوى مستشفى واحد شرق حلب لا يزال يقدم خدمات التوليد، وطبيبي أمراض نسائية يعالجان 30 إلى 35 حالة ولادة في اليوم الواحد.

قُتل 750 عاملا في المجال الطبي في سوريا منذ بداية النزاع؛ قتلت قوات الحكومة السورية أو الجيش الروسي 698 منهم، وفقا لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان". وقعت 373 هجمة على 265 مرفق طبي بين 22 مارس/آذار 2011 ومايو/أيار 2016 وفقا للمنظمة. قالت المنظمة إن غالبية الهجمات استهدفت المرافق الطبية عمدا.

أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2286 في 3 مايو/أيار، الذي "يدين بشدة...  الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكب في النزاعات المسلحة ضد العاملين في المجال الطبي والعاملين في تقديم المساعدة الإنسانية الذين يزاولون حصريا مهام طبية، وضد وسائل نقلهم ومعداتهم، وكذلك ضد المستشفيات وسائر المرافق الطبية الأخرى". حثّ مجلس الأمن الدول الأعضاء على حماية "الجرحى والمرضى والعاملين في المجال الطبي والعاملين في مجال تقديم المساعدة الإنسانية الذين يزاولون حصرا مهام طبية، وبحماية وسائل نقلهم ومعداتهم، وكذلك المستشفيات والمرافق الطبية الأخرى في النزاعات المسلحة، وعلى القيام، عند الاقتضاء، باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المسؤولين عن تلك الانتهاكات وفقا للقانون الداخلي والقانون الدولي، بغية تعزيز التدابير الوقائية، وكفالة المساءلة ومعالجة تظلمات الضحايا".

طالب قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي اعتمد في 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، جميع أطراف النزاع في سوريا بأن "توقف فورا أي هجمات موجهة ضد المدنيين والأهداف المدنية في حد ذاتها، بما في ذلك الهجمات ضد المرافق الطبية والعاملين في المجال الطبي، وأي استخدام عشوائي للأسلحة، بما في ذلك من خلال القصف المدفعي والقصف الجوي".

تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2014 قرارا يحث الدول على اتخاذ إجراءات محددة لمنع الهجمات على الخدمات الصحية.
 

قال نديم حوري: "كلمات مجلس الأمن هي وعود فارغة بالنسبة للأطباء والممرضين والمرضى والجرحى في سوريا. قد لا يكون بإمكان القوى العالمية الاتفاق على حل للنزاع السوري، لكن عليها بالتأكيد أن تتمكن من الاتفاق على خطوات تضمن أن أولئك الذين هاجموا المستشفيات سيواجهون العدالة يوما ما".

هجمات 23 يوليو/تموز

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى مديري 4 مستشفيات تعرضت للهجوم في 23 يوليو/تموز، وكذلك مسؤول في بنك الدم المركزي بحلب.

قال أبو المعتصم، رئيس مستشفى الزهراء، إن المشفى تعرض للهجوم الساعة 1 صباحا:

كان بعض الأطباء يجرون جراحة معدة مفتوحة عندما وقع الهجوم، وكان عليهم استخدام المراوح بسرعة لإزالة الغبار والدخان من غرفة العمليات حتى يتمكنوا من تقطيب المريضة ونقلها خارج غرفة العمليات. تضررت الأبواب والنوافذ وجميع الجدران، ودُمرت بعض المعدات.

كنا سعيدين جدا لأننا بقينا أحياء. لم يكن لدينا أي وفيات أو إصابات، وكان العاملون في المستشفى على ما يرام، ولكن أصيب المبنى بأضرار بالغة وهو خارج الخدمة الآن.

قال الدكتور حاتم أبو يزن، رئيس مستشفى الحكيم للأطفال القريب، إن المستشفى أصيب في وقت لاحق من ذلك اليوم الساعة 1 بعد الظهر ومرة ​​أخرى الساعة 11 ليلا بشظايا وأضرار، مما تسبب بمقتل 4 أطفال حديثي الولادة في وحدة العناية المركزة:

سقط الصاروخ على بعد 7 إلى 8 أمتار عن المستشفى في مبنى سكني قريب. دمر تأثير الضربة نوافذ المستشفى والأبواب والسقف المعدني. ودمر أيضا 3 حاضنات أطفال، وتضررت بعض معدات المستشفيات. طارت شظية في المستشفى ومزقت شريط الخزان الذي يوفر الأكسجين للطفل محمد الشبلي الذي كان عمره يومين، فمات على الفور. تسبب الدخان والغبار بوفاة 3 أطفال آخرين أيضا في وحدة العناية المركزة وهم رهف محمد بعمر 3 أيام؛ وطه صباح، عمرها 4 أيام، وحسن مخزوم، عمره 3 أيام.

قال الدكتور أحمد ياسين، رئيس مستشفى البيان للجراحة العامة، أن المشفى الذي تعرض لأول هجوم في 8 يونيو/حزيران، تعرض لهجوم الساعة الثانية عشرة ظهرا في 23 يوليو/تموز. أظهر فيديو نُشر على "يوتيوب" الدخان يتصاعد في منطقة نوم أطفال في الحاضنات. وأمكن رؤية كثير من الغبار والدخان والركام خارج أبواب المستشفى. هوجم هذا المشفى في 8 يونيو/حزيران أيضا. قال ياسين:

سقط الصاروخ في الشارع على بعد 10 أمتار خارج المستشفى وتعرضنا لكمية كبيرة من الأضرار التي لحقت بجدران المستشفى والأبواب والنوافذ والبنية التحتية بشكل عام. لحسن الحظ لم تكن هناك إصابات أو وفيات لأن الهجوم وقع في وقت متأخر جدا من الليل، ولم يكن هناك كثير من الناس في المستشفى. كنت في المستشفى وقت الهجوم، وكل ما سمعته كان طائرة تحلق في السماء وخلال ثوان ارتمينا جميعا على الأرض، مع انفجار ضخم وأصوات تكسر الزجاج، وانتشر الدخان والغبار في كل مكان. كانت النساء والجيران يصرخون. نحن في منطقة سكنية وليس هناك أي مقر عسكري أو أمني قريب.

قال أبو كامل المسؤول في بنك الدم المركزي بحلب إن صاروخا سقط في مبنى بنك الدم الساعة 4 بعد الظهر وسبب أضرار بالغة في البناء، وسقط صاروخ آخر في الشارع أمام المرفق، لكنه لم ينفجر. قال أبو كامل إنه وقعت إصابة واحدة لكن لم يسقط قتلى. وقع هجوم آخر الساعة 11 من اليوم نفسه.

كان الدمار ماديا وشمل الأبواب والنوافذ والمعدات. ضربت الهجمة الثانية مبنى بنك الدم ليلا وتسببت في تحطيم جميع الأبواب والنوافذ في المبنى. كنت في المبنى وقت هجوم الساعة الرابعة بعد الظهر وكان مرعبا. كان الصوت عاليا جدا. كان يمكنك سماع صوت الشظايا تصيب الجدران في كل مكان حولنا، ولم يعرف أحد إن كان علينا مغادرة المبنى أو البقاء في المكان. حي الشعار منطقة سكنية جدا ونحن جزء من مجمع للمرافق الطبية التي اتفقت مع جميع العسكريين والأمنين في حلب على بقائهم بعيدا عن المباني. أغلقنا بشكل كامل الآن ولا نعمل.

قال مديرو المرافق الطبية الأربعة إنه لا توجد مقرات أو مكاتب عسكرية أو أمنية في أي مكان قرب المستشفيات. قال ياسين إن المنطقة "سكنية جدا وفيها عديد من المحلات التجارية والمطاعم".

هجمات 6 أغسطس/آب

أصابت الضربات الجوية في 6 أغسطس/آب مستشفي الأمل الذي تدعمه "أطباء بلا حدود"، في قرية ملّس بمحافظة إدلب الساعة 2 بعد الظهر. قتل الهجوم 4 من العاملين الطبيين و9 مدنيين، بينهم 5 أطفال وامرأتان، وجُرح 6 آخرون من العاملين الطبيين، وفقا لمدير المستشفى الدكتور طاهر عبد الباقي الذي تحدث إلى هيومن رايتس ووتش، وبيان من أطباء بلا حدود. قالت المنظمة إن التفجير دمر "معظم مبنى المستشفى، بما في ذلك غرفة العمليات، ووحدة العناية المركزة، وقسم الأطفال، ونحو 80 في المئة من الأجهزة الطبية وسيارات الاسعاف والمولد الكهربائي".

أظهر فيديو نُشر على يوتيوب آثار الهجوم وأناس يزيلون الأنقاض، وتصاعد الدخان من مبنى المستشفى المتفحم، ورجال إطفاء يخمدون الحرائق مما بدا أنه المستشفى. وظهر أيضا عمال إنقاذ يسحبون صبيا صغيرا على وجهه دماء من تحت الاسمنت. أظهرت الصور المبنى المتهاوي وسقفه وجدرانه الداخلية المنهارة.

قال الدكتور عبد الباقي إن المشفى يخدم بين 250 و300 شخص يوميا. وأضاف أنه كان في استراحة الأطباء عندما وقع الهجوم:

كان صوت المولدات الكهربائية مرتفعا بحيث لا يمكن سماع أي طائرات أو أصوات أخرى قبل الهجوم. كل ما شعرنا به كان انفجارا ضخما وفجأة ملأ الدخان والغبار المستشفى. كان هناك مبنى مجاور تستخدمه الجماعات المسلحة لكنها تركته قبل عام، وكان فارغا حينها.

قال مدير مشفى وممرض لـ هيومن رايتس ووتش إنه أيضا في 6 أغسطس/آب الساعة 9:30 صباحا أصابت ضربات جوية مستشفى قرية سرمين في إدلب. أظهرت صور منشورة في "تويتر" حفرة كبيرة في الأرض قرب المستشفى حيث وقع الصاروخ، تظهر صورة الأنقاض تنهار في ما بدا أنه قسم للأطفال في المستشفى. أصبحت القرى في إدلب هدفا لهجمات جوية مكثفة من قبل الطائرات الحربية الروسية والسورية، بشكل خاص بعد أن أسقطت الجماعات المسلحة طوافة روسية من طراز "مي-8" في سراقب، على بعد 10 كم من سرمين في 1 أغسطس/آب. قُتل ضابطان و3 أفراد من الطاقم الروسي في الهجوم.

قال عمر جاجوك المسؤول في مستشفى سرمين، إن الهجوم وقع حوالي الساعة 9:30 صباحا. قال إنه لم تقع إصابات أو وفيات ولكن لحقت أضرار بالمبنى:

يتكون المستشفى من 3 مبان متجاورة هي مركز العلاج الطبيعي وقسم العيادات والمستشفى نفسه. سقطت الصواريخ وسط المباني الثلاثة، على بعد نحو 10 أمتار فقط عن كل واحد. توقف المستشفى حاليا عن العمل، حتى ننتهي من صيانة الأبواب المتضررة والنوافذ وأجزاء أخرى من المستشفى. يقع المستشفى وسط حي سكني في القرية وهناك مدرسة قريبة... ليس هناك مسلحون أو وجود لـ "الجيش السوري الحر" في القرية أو قرب المستشفى.

قال مصطفى خليل، الممرض في مستشفى سرمين، إنه كان في الطابق الأرضي في منطقة العمليات الجراحية عندما وقع الهجوم:

كان الانفجار قويا جدا ووقع أحد الجدران في غرفة أمامي. دُمرت تماما جميع الأبواب والنوافذ. دخل الغبار والدخان المستشفى وأثّر في المرضى في الغرف وكانوا خائفين جدا.