الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش غير فعّالة، ولن تنجح ما لم تعالج الطائفية الشيعية في العراق وفظائع الأسد في سوريا.

أثارت وحشية التنظيم الشاذة والذي يطلق على نفسه "الدولة الإسلامية" الاشمئزاز المطلق في جميع أنحاء العالم، كما أن ممارسته للإعدامات الجماعية والاستعباد الجنسي وفيديوهات قطع الرؤوس، وحرق الطيار الأردني حتى الموت مؤخراً، أثار كل ذلك تصميماً استثنائياً لدى الحكومات من جميع المشارب السياسية والدينية لوضع حدٍ لهذه الآفة على شعبي العراق وسوريا وللتهديدات التي تشكلها في أمكنة أخرى. ولكن بعد نهاية جلسات عطلة الأسبوع من المناقشات في مؤتمر الأمن في ميونيخ، لم يتبقّ لديّ سوى الاستنتاج المحزن بأن مساعي مكافحة داعش تتّسم بالنشاط أكثر من الاستراتيجية.

من المفيد أن نتذكر خلفية ظهور داعش لفهم ما يجب فعله بشأنه، ففي العراق، بالإضافة إلى الفوضى التي سادت بعد الغزو الأمريكي، يحمل الحكم الطائفي المسيء الذي مارسه نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق المسؤولية الأكبر عن ظهور داعش وتطرّف السنّة. تولّى المالكي بدعم من إيران السيطرة الشخصية على قوات الأمن العراقية ودعم تشكيل الميليشيات الشيعية، واضطهدت عديد من تلك الميليشيات الأقلية السنية بوحشية. فقاموا بملاحقة السنّة واحتجازهم بشكل تعسّفي بموجب قوانين غامضة، وأعدموا كثيراً منهم دون محاكمة بالتعاون مع وحدات مكافحة الإرهاب الحكومية. بينما تقوم القوات الجوية العراقية بقصف المدن ذات الأغلبية السنية بشكل عشوائي، ابتداء بالأنبار في يناير/كانون الثاني 2014.

شكّلت قسوة هذه الانتهاكات حجر أساس في خطط داعش، واستخدمها التنظيم مبرراً لرد فعل فظيع مماثل، والذي بدوره عزز مكانته بين السكان السنّة. تعرض تنظيم القاعدة في العراق الذي يعتبر سلف تنظيم داعش إلى هزيمة كبيرة على يد العمل المشترك بين الضغط العسكري الأمريكي والائتلاف العسكري المكوّن من القبائل السنية في غرب العراق، والمعروف باسم مجالس الصحوات. ولكن في ظل حكومة المالكي أصبح عديد من القبائل التي هزمت القاعدة تخشى حتى من الذبح والاضطهاد من قبل القوات الموالية للحكومة، وحين استؤنف الصراع في 2014، شعرت هذه القبائل أن قتالها للميليشيات الموالية للحكومة يمنحها أماناّ أكثر من قتالها لداعش. الحكومات الغربية التي تحرص على وضع تدخلها العسكري في خدمة العراق، تغلق عيونها باتّساع عن التجاوزات الطائفية المتفاقمة التي تشرف عليها بغداد وتستمر في إمطارها بالأسلحة.

"لا يقل خطورة"

هناك اعتراف واسع النطاق اليوم بين صانعي السياسات والجمهور أن هذه اللامبالاة تجاه فظائع حكومة المالكي كانت خطأ. وتم استبدال المالكي كرئيس للوزراء بحيدر العبادي في أمل حكم أكثر توافقية. التقيت به مؤخراً واعترف إلى حدٍ كبير بمشاكل الانتهاكات الطائفية ولكنه ندب حدود سلطته لمعالجتها. قام العبادي ببعض الخطوات الإيجابية، وأسقط التهم الموجهة ضد وسائل الإعلام، وتعهد بالإفراج عن السجناء المحتجزين بدون مذكرة اعتقال، وببذل بعض الجهد لوقف القصف العشوائي. وقال الأسبوع الماضي علناً إنه لن يتسامح أبداً مع عمليات الإعدام دون محاكمة و التي تنفّذها الميليشيات الشيعية ووصفها بأنها "لا تقل خطورة" عن "الإرهاب" وأمر بإجراء تحقيق علني في مذبحة مزعومة تعرض لها 72 من المدنيين على أيدي الميليشيات و قوات الأمن في محافظة ديالى.

وصف لي أحد مساعدي كيري استراتيجية من ثلاثة أجزاء لسوريا: إضعاف داعش من خلال حملة القصف، وتدريب المعارضة المسلحة و "محاولة تنشيط العمل السياسي."

هذه الخطوات هامة ولكن الطائفية المسيئة في العراق لم تنته، حتى مع استمرار المساعدات العسكرية الغربية في التدفق. لا يزال المالكي واحداً من ثلاثة نواب للرئيس العراقي، من دون أي تحقيق لدوره في الانتهاكات الماضية. وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة ضعيفة وجيشها في حالة من الفوضى، كما ازداد اعتمادها على الميليشيات الشيعية بشكل كبير التي لا تزال تتصدر القوات البرية التي تقاتل داعش رغم قيامها بقتل و"تطهير" أحياء وقرى بأكملها من السنّة. طالما بقيت هذه الفظائع مستمرة، فإن الميليشات الشيعية تقوم بتأجيج التجنيد في داعش بدلاً من هزيمة الجماعة الجهادية في ساحة المعركة.

بالكاد تم طرح كلمة واحدة عن انتهاكات الميليشيات الشيعية في ميونيخ. فبدلاً من استراتيجية شاملة، تحدث مسؤول أمريكي عن خمسة "خطوط من المساعي" في العراق: إضعاف داعش عسكرياً، وقطع التدفقات إليها من المقاتلين والأموال، ومعالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها ومحاربة عقيدتها. ولم يتعنى قول شيء عن وقف فظائع الميليشيات الشيعية.

عندما اقترحت أنه على الحكومة الأمريكية أن تقرن مساعداتها العسكرية بوضع حد لهذه الأعمال الوحشية، أصر على أن  الولايات المتحدة تفتقر إلى الفعالية بسبب المساعدات العسكرية الإيرانية و التي كانت غير مشروطة حسب ادعائه. ولكن هذا النهج يجعل الولايات المتحدة وكأنها تفتقر إلى المبادئ والاستراتيجية الفعّالة. لا توجد وسيلة لكسب ثقة السنة اللازمة لمعارضة داعش في حين تتغاضى الحكومة العراقية عن القتل والتهجير القسري الذي تمارسه الميليشيات الشيعية.

ينبغي أن يكون العمل مع إيران أيضاً ممكناً، لأنه يفترض بإيران عدم الاستفادة من المذابح التي تنفذها الميليشيات التي تدعمها، إن لم يكن لأسباب مبدئية فعلى أساس عملي هو أن هذه الممارسات تعزز قوة داعش، وبالإضافة إلى ذلك ينبغي تشجيع العبادي لمتابعة الدعوة التي وجهها الاتحاد الأوروبي للعراق للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ربما لن يكون هذا حلاً سحرياً ولكن على الأقل يهدد بالملاحقة القضائية الدولية، في الوقت الذي تعتبر فيه المحاكم المحلية ضعيفة جداً وتخضع لترهيب الميليشيات الشيعية ما يمنعها من ممارسة سيادة القانون. دعمت الحكومة الأمريكية تمكين المحكمة الجنائية الدولية لمعالجة الفظائع في سوريا لكن عليها أن طرح القضية فيما يتعلق بالعراق.

وحشية غير عادية

في حين تبدو الاستراتيجية الغربية في العراق غير مكتملة، فهي أسوأ في سوريا. هناك، حيث يصور داعش نفسه على أنه القوة الأكثر قدرة على الوقوف في وجه الهجمات المتعمدة على السكان المدنيين من قبل الرئيس بشار الأسد، في المناطق التي تسيطر عليها جماعات المعارضة. لا أحد يُنكر وحشية الأسد غير الاعتيادية: فمنذ تخلّت الحكومة السورية عن الأسلحة الكيميائية كان سلاحها الأعتى هو البراميل المتفجرة وهي عبارة عن براميل نفط فارغة أو حاويات مماثلة تملأ بمواد شديدة الانفجار والشظايا معدنية. يرمي سلاح الجو عادة هذه البراميل من طائرة هليكوبتر تحوم على ارتفاعات عالية لتجنب النيران المضادة للطائرات، ومن هذا الارتفاع من المستحيل الاستهداف بأي قدر من الدقة، تتقلّب البراميل المتفجرة لتصل الأرض، مما يسفر عن مقتل أكثر بكثير من المدنيين السوريين ما يفعله داعش.

البراميل المتفجرة غير دقيقة لدرجة أن الجيش السوري لا يجرؤ على استخدامها بالقرب من الخطوط الأمامية، خوفاً من ضرب قواته. بدلاً من ذلك، فإنه يرميها على المناطق التي تسيطر عليها جماعات المعارضة، مع العلم المسبق أنها سوف تدمر المباني السكنية والمستشفيات والمدارس وغيرها من مؤسسات الحياة المدنية. في حلب، وبعض المدنيين الذين لم يفروا من البلاد قد انتقلت أسرهم أقرب إلى خط الجبهة، وفضّلت خطر القناصة والمدفعية عن الرعب من البراميل المتفجرة.

عندما هاجمت الحكومة السورية المدنيين بالأسلحة الكيماوية، ضغط مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الأسد لوقف الهجمات وتسليم أسلحته. لكن الحكومة السورية تقتل عدداً لا يحصى من المدنيين بالهجمات العشوائية بأسلحة تقليدية مثل البراميل المتفجرة ، ويقف مجلس الأمن إلى حد كبير على الهامش بسبب إعاقات روسيا، دعا المجلس إلى وقف الهجمات العشوائية ولكنه لم يطبق أي ضغط فعلي لوضع حدٍ لها.

تم عرض النهج الجزئي للتحالف في سوريا بشكل كامل في ميونيخ. تحدث وزير الخارجية الأمريكية جون كيري ببلاغة لامعة عن أهوال داعش وهلل لاستجابة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ولكن عندما وصل الأمر إلى الأسد دعاه "دكتاتور وحشي" ببساطة وانتهى. لم يذكر كيري البراميل المتفجرة أو الحاجة للضغط على الأسد لإنهاء هجماته على المدنيين.

وصف لي أحد مساعدي كيري استراتيجية من ثلاثة أجزاء لسوريا: إضعاف داعش من خلال حملة القصف، وتدريب المعارضة المسلحة و "محاولة تنشيط العمل السياسي.". ولكن لا أحد يعتقد أن المعارضة المعتدلة التي التزمت الولايات المتحدة بتدريبها سوف تكون قادرة في أي وقت قريب على العمل العسكري الجدي، وبكل الأحوال فتركيز الالتزام الأمريكي العسكري موجه إلى داعش وليس الأسد. أما بالنسبة للجهود المتفرقة لتحقيق اتفاق سلام، فالمحادثات في سوريا متوقفة والجهود التي يبذلها مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، لصياغة "تجميد" محلي، لم يحقق نتائج بعد.

يقدم التغافل عن فظائع الأسد هدية للمجندين المتطرفين الذين يصورون أنفسهم على أنهم الوحيدون الذين في مواجهة الأسد. والطلب من السوريين معالجة فظائع داعش وترك الأسد ليست استراتيجية فعالة. والمطلوب اهتمام أوسع نطاقاً بشأن حماية المدنيين السوريين من عمليات الاعتداء من جميع الأطراف.

ربما كان جزءً من صمت كيري النسبي عن فظائع الأسد هو خشيته من أن الخطوة القادمة سوف تتطلب جهداً عسكرياً أمريكياً أوسع، مثل إقامة منطقة حظر جوي لطائرات الهليكوبتر التي ترمي البراميل المتفجرة. ولكن هناك أيضا خطوات دبلوماسية لم يتم اتخاذها على محمل الجد، استناداً إلى محادثات ميونيخ. لدى روسيا وإيران نفوذ على الحكومة السورية أكثر من أي دولة أخرى ولكن استمرت الولايات المتحدة في التملّص من الشأن السوري لتجنب الانتقاص من الاهتمامات الأساسية وهي أوكرانيا في حالة روسيا والمسألة النووية مع إيران. وبالنظر للمخاطر، نأمل أن يقوم الدبلوماسيين الأمريكيين بمعالجة موضوعين في وقت واحد.

وثمة دافع آخر للتردد الغربي في معالجة البراميل المتفجرة، قد يكون الخوف من القيام بأي شيء من شأنه إعاقة قدرة الأسد على منع استيلاء داعش على البلاد. ولكن بسبب عدم دقة البراميل المتفجرة فليس لها أي أهمية عسكرية، وقد استُخدمت على وجه الحصر تقريباً لقتل المدنيين، كما أنه من غير المرجح أن يكون إنهاء استخدامها ذو تأثير ملموس على ميزان القوى بين الحكومة السورية والمعارضة و داعش.

حان الوقت لتجاوز "خطوط من المساعي"، فالحكومات الغربية بحاجة إلى استراتيجية لمعالجة كلاً من العراق وسوريا. ولن تعتبر أية استراتيجية واقعية ما لم تعالج الفظائع التي تمكن داعش من النمو. إن كبح جماح الميليشيات الشيعية في العراق ووقف تفجير الأسد للمدنيين بالبراميل هي عناصر أساسية في أي استراتيجية ناجحة لمكافحة داعش.

كينيث روث، المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش. لمتابعته على تويتر: @KenRoth