لاجئون في مخيم سايبر سيتي للاجئين قرب الرمثا، بالأردن، في 21 يوليو/تموز 2012. قام الأردن منذ 2012 بمنع الفلسطينيين من سوريا من دخول أراضيه، ويستبقي 190 من الفلسطينيين في مخيم سايبر سيتي المغلق للاجئين، حيث هم يواجهون اختيارا لا يحسدون عليه، ما بين البقاء في المخيم إلى أجل غير مسمى، أو العودة إلى سوريا.

© 2012، تارا تدراس-وايت هيل/نيويورك تايمز.

(عمّان) ـ قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم إن الأردن يرفض دخول لاجئين فلسطينيين فارين من سوريا أو يبعدهم قسراً، في خرق واضح لالتزاماته الدولية. قام الأردن رسمياً بحظر دخول الفلسطينيين القادمين من سوريا منذ يناير/كانون الثاني 2013، كما أبعد قسراً أكثر من 100 ممن تمكنوا من دخول البلاد منذ منتصف 2012، وبينهم سيدات وأطفال.

يستند التقرير المكون من 44 صفحة، "غير مرحب بهم: معاملة الأردن للفلسطينيين الفارين من سوريا"، إلى مقابلات مع أكثر من 30 شخصاً تضرروا جراء سياسة حظر الدخول. كما وثقت هيومن رايتس ووتش قيام الأردن بتجريد بعض الفلسطينيين الذين أقاموا في سوريا لسنوات عديدة من الجنسية الأردنية، واحتجازهم أو ترحيلهم إلى سوريا دون وثائق ثبوتية. وتتعارض معاملة الأردن المتشددة للفلسطينيين الفارين من سوريا مع معاملته للمواطنين السوريين، الذين سُمح لما لا يقل عن 607 آلاف منهم بدخول البلاد منذ بدء النزاع السوري. قبل أن تبدأ انتفاضة مارس/آذار 2011، كانت سوريا تؤوي ما يزيد على 520 ألف لاجئ فلسطيني.

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "إن محنة الفلسطينيين هي الحقيقة التي يتعامى عنها الجميع لأنهم يرزحون بالفعل تحت عبء تلبية احتياجات اللاجئين السوريين. ومع ذلك فلا ينبغي حرمان أية لاجئين يفرون من العنف في سوريا ـ سواء كانوا سوريين أو فلسطينيين ـ من الدخول، وإجبارهم على الرجوع رغم إرداتهم".

فرضت معظم البلدان المجاورة للأردن بدورها قيوداً على دخول الفلسطينيين القادمين من سوريا، تاركة الآلاف عالقين في مواجهة أخطار جمة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الأردنية المسارعة بإلغاء الحظر الذي فرضته على دخول اللاجئين الفلسطينيين ووضع حد لترحيل الفلسطينيين القادمين من سوريا.

قامت قوات الأمن الأردنية بإعادة فلسطينيين راغبين في دخول الأردن من سوريا على حدود البلاد منذ منتصف 2012، وأعلنت الحكومة عن سياستها الرسمية التي تقضي بمنع الدخول في يناير/كانون الثاني 2013. كما تقوم قوات الأمن باحتجاز وترحيل فلسطينيين ممن يدخلون من المعابر الحدودية غير الرسمية باستخدام وثائق ثبوتية سورية مزورة، أو ممن يدخلون بطريق غير مشروع عبر شبكات التهريب. ويسمح الأردن رسمياً بدخول الفلسطينيين القادمين من سوريا من حاملي الجنسية الأردنية، لكنه بالممارسة منع دخول الفلسطينيين الذين انتهت صلاحية وثائقهم الأردنية، وفي بعض الحالات جردهم من الجنسية الأردنية تعسفاً وأعادهم قسراً إلى سوريا.

كما قامت قوات الأمن الأردنية بعمليات احتجاز وإعادة قسرية لما يزيد على 100 فلسطيني إلى سوريا منذ بداية 2013، بحسب "مشروع تحليل الاحتياجات السورية"، وهو منظمة رصد غير حكومية. وفي التقرير السنوي عن الاستجابة للأزمة السورية، الصادر في فبراير/شباط 2013 من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وهي الوكالة الأممية المعنية باللاجئين الفلسطينيين، قالت الوكالة إنها وثقت حالات عديدة من الإعادة القسرية لفلسطينيين من الأردن إلى سوريا، وبينهم سيدات وأطفال.

وثقت هيومن رايتس ووتش قيام الأردن بترحيل سبعة فلسطينيين قادمين من سوريا قسراً في 2013 و2014، ونقل أربعة آخرين إلى "سايبرسيتي"، وهو مرفق احتجاز مغلق للاجئين الفلسطينيين والسوريين في شمال الأردن. وفي حالات الترحيل قامت السلطات الأردنية بفصل وترحيل الرجال الفلسطينيين بعيداً عن أسرهم، تاركة الأسر في بعض الحالات دون عائلها الرئيسي.

وصفت لنا سناء، وهي فلسطينية مسنة، كيف عجلت السلطات الأردنية بترحيل زوج ابنتها محمد وشقيقه في أواخر 2013، بعد ضبط محمد وهو يعمل بالمخالفة للقانون في بيع الخضر من عربة يد في إربد. وقالت إن الشقيقين كانا قد دخلا الأردن مع زوجتيهما السوريتين باستخدام دفاتر عائلة سورية مزورة، وقيدا نفسيهما لدى المفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين باسمين مستعارين.

وبعد يومين ذهبت سناء، الحاصلة على الجنسية الأردنية، إلى مخفر الشرطة فور علمها بأمر توقيف زوج ابنتها. وقالت: "قالوا لي أن أعود في اليوم التالي. وقالوا إنهم سيجدون لنا حلاً. وبعد ساعة اتصل بي محمد من سوريا".

وتنتهك عمليات الترحيل التزام الأردن الدولي بعدم الإعادة القسرية، وهو الحظر المفروض في القانون الدولي على إعادة اللاجئين وملتمسي اللجوء إلى أماكن يتهدد فيها الخطر حياتهم أو حريتهم، أو إعادة أي شخص معرض لخطر التعذيب.

دافع فايز الطراونة، وهو رئيس الديوان الملكي ورئيس الوزراء الأسبق، عن سياسة عدم السماح بالدخول في اجتماع مع هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار 2013، قائلاً إن تدفق أعداد كبيرة من الفلسطينيين من سوريا من شأنه تغيير التوازن السكاني في المملكة والتأثير على استقرارها. والاعتقاد السائد هو أن نصف سكان الأردن على الأقل من أصول فلسطينية. قال الطراونة إنه يشك في قدرة الأردن على ترحيل الفلسطينيين ـ وهم جماعة بلا جنسية ـ بشكل قانوني إلى سوريا فور انتهاء النزاع هناك، إذا سمح لهم باللجوء في الأردن.

ورغم سياسة عدم القبول الأردنية قام أكثر من 14 ألف فلسطيني قادم من سوريا، حتى يوليو/تموز 2014، بالتماس دعم الأونروا في الأردن منذ بداية النزاع السوري. ولم يدخل الأردن على نحو قانوني منهم إلا 1300، قبل شروع السلطات في إبعاد الفلسطينيين على الحدود. وقد جاء معظمهم من مخيمات للاجئين الفلسطينيين وقرى في الجنوب السوري، أو من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في الضواحي الجنوبية لدمشق، وكلها مناطق شهدت قتالاً عنيفاً.

ونتيجة لسياسة الحكومة الأردنية، لا يمتلك كثير من الفلسطينيين القادمين من سوريا أوراقاً سليمة للإقامة في الأردن، مما يعرضهم للاستغلال والتوقيف والترحيل. ولا يجرؤ الفلسطينيون القادمون من سوريا دون وثائق على التماس الحماية أو الجبر من الحكومة الأردنية ضد الاستغلال وغيره من الانتهاكات. ولا يمكنهم الإقامة الشرعية في المخيمات الرسمية المعدة للاجئين السوريين، كما لا يمكنهم العمل بشكل قانوني لكسب المال اللازم لاستئجار مساكن خارج المخيمات.

لم تتصد الدول المانحة وهيئات المعونة الدولية بشكل كاف للمصاعب الإنسانية التي تواجه الفلسطينيين، ولا توفر لهم من المساعدات الإنسانية سوى القليل. كما أن القسم الخاص بالأردن في خطة الاستجابة الإقليمية للأزمة السورية لسنة 2014 يستبعد الفلسطينيين. ولا تتطرق فرقة العمل المشتركة بين الوكالات، وهي الآلية المحلية للتنسيق فيما بين وكالات المساعدات المعنية بالاستجابة للاجئين السوريين في الأردن، والتي ترأسها المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، لا تتطرق إلى القضايا المتعلقة بالفلسطينيين القادمين من سوريا.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على المانحين الدوليين ووكالات المساعدات التعاون فيما بينهم لضمان حصول الفلسطينيين القادمين من سوريا على المساعدة الإنسانية وتدابير الحماية على قدم المساواة مع الخدمات المقدمة للمواطنين السوريين في الأردن.

كما يتعين على المانحين الدوليين رفع مستوى المساعدات المقدمة للأردن وللوكالات الإنسانية المعنية بالأزمة السورية. لم يتمكن مكتب المفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن، الذي ينسق الاستجابة لأزمة اللاجئين، إلا من تدبير 36 بالمئة فقط من موازنته المستهدفة لعام 2014 البالغة مليار دولار أمريكي، بينما يزيد العجز في تمويل مكتب المفوضية في لبنان عن هذا، مع فجوة تمويلية قدرها 71 بالمئة من موازنة 2014.

باستثناء تركيا، قام جيران سوريا جميعاً بفرض قيود مشددة على دخول الفلسطينيين الفارين من سوريا. ويتعين على البلدان المجاورة كلها احترام حقوق اللاجئين الفلسطينيين في التماس الأمن واللجوء خارج سوريا، طالما ظلوا يواجهون انعدام الأمن والاضطهاد هناك.

ويجب على البلدان خارج المنطقة توفير المساعدة المالية للبلدان التي تستقبل لاجئين فلسطينيين من سوريا، كما ينبغي لها دراسة الموافقة على إعادة التوطين الإنسانية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين المستضعفين. ولا يتعين على اللاجئين الفلسطينيين التنازل عن حقهم في العودة بمجرد قبول عرض بإعادة التوطين المؤقتة في بلد ثالث.

قال نديم حوري: "لا يجب التخلي عن الأردن ولبنان وتركهما يتحملان عبء أزمة اللاجئين السوريين دون دعم كاف. وعلى المانحين الدوليين رفع مستوى مساعداتهم لكافة البلدان التي تؤوي لاجئين سوريين، وتشجيعها على التراجع عن القيود المفروضة على دخول الفلسطينيين".