على مدار أسابيع راحت القوات الجوية السورية تقصف داريا في ريف دمشق. لكن صباح 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 شهد شيئاً مختلفاً.

قال ناشط معارض صوّر الغارة لعدد من المنظمات منها هيومن رايتس ووتش إن طائرات الميغ أسقطت قنابل كبيرة انفتحت في الهواء لتتناثر منها على الأرض قنابل أصغر حجماً "تشتعل وهي ما زالت في الهواء". عندما سقطت "كرات النار" هذه على الأرض، استمرت في الاحتراق بكثافة، وانبعثت منها سحابات دخان ثقيلة. كانت تلك إحدى أولى الحالات الموثقة لاستخدام الحكومة السورية للأسلحة الحارقة، التي تنبعث منها الحرارة والنار عبر تفاعل كيميائي لمادة ملتهبة.

 

بعد أسبوعين، في وسط بلدة القصير غربي سوريا، ظهر في مقطع فيديو تم تصويره في أعقاب غارة جوية مباشرة نفس الذخائر المحرقة الصغيرة طراز ZAB-2.5وهي تحترق في فناء مدرسة. ليس من الواضح إن كانت المدرسة مستخدمة وقت الغارة، لكن الهجوم أودى بحياة 20 مدنياً على الأقل، بحسب تقديرات النشطاء المحليين.

وعلى مدار العام الماضي، نفذت القوات الجوية السورية ما لا يقل عن 56 هجوماً بالأسلحة الحارقة، وهذا التقدير من واقع تحقيقاتنا الميدانية وشهادات الشهود ومراجعة مقاطع الفيديو والصور الكثيرة لهذه الوقائع. ليس من الممكن توثيق الضرر الناجم عن الأسلحة الحارقة على المدنيين بشكل وافٍ، لكن أربع غارات منفصلة أودت بحياة 41 مدنياً على الأقل وإصابة 71 آخرين.

يعتبر النابالم من الأسلحة الحارقة الأسوأ سمعة، فما زال الكثيرون يتذكرون الصور التي تم التقاطها قبل أربعين عاماً لفتاة تبلغ من العمر 9 أعوام وهي تركض عارية، وجلدها المحترق يتدلى من جسدها، بعد أن أسقطت غارة جوية من جنوب فيتنام بدعم أمريكي قنابل نابالم على قريتها. الفتاة التي كان اسمها كيم فوك راحت تصرخ: "ساخن جداً! ساخن جداّ" حسب شهادة نيك أوت، الذي التقط الصورة ونشرتها أسوشيتد برس. في العقد التالي على ذلك الهجوم، ساعدت موجة الغضب الشعبية من الإصابات الصادمة التي أدى إليها النابالم في جنوب شرق آسيا في تحريك جهود اعتماد قانون دولي إنساني جديد يقيد استخدام النابالم والأسلحة الحارقة الأخرى.

لكن في وقتنا هذا في سوريا، ما زال الأطفال يعانون من هذه الأسلحة. كما رأينا في فيتنام، ثم في سوريا الآن، فإن الأسلحة الحارقة تسبب حروقاً مؤلمة للغاية يصعب معالجتها، وتؤدي إلى اشتعال حرائق مدمرة.

د. صليحة احسان طبيبة الطوارئ البريطانية كانت متطوعة في مستشفى بمحافظة حلب في 26 أغسطس/آب عندما بدأ الأطفال المصابين بحروق بشعة في التوافد بعد الغارة. خرج صبي يبلغ من العمر 15 عاماً ليأخذ شقيقته من المدرسة بعد سقوط قنبلة على بناية سكنية بالقرب من المدرسة. وهو ينتظر أمام بوابة المدرسة، عادت طائرة الميغ لتلقي قنبلة أخرى سقطت في فناء المدرسة، فتناثرت عليه مادة حارقة شبيهة بالنابالم. أصيب الفتى بحروق عديدة وراح يصرخ في ألم: "أريد أن أنام"، على حد قول د. احسان. لم تصب شقيقته. أفاد مركز توثيق الانتهاكات في سوريا – وهي مجموعة سورية توثق انتهاكات حقوق الإنسان – بأن الهجوم قتل أكثر من 36 مدنياً، أغلبهم من الأطفال بالمدرسة الثانوية.

لا شك أن القوات النظامية السورية مسؤولة عن إسقاط قنابل حارقة. يظهر من شهادات شهود ومقاطع فيديو طائرات نفاثة ومروحيات تابعة للقوات الجوية السورية وهي تُلقي ذخائر حارقة، وليس لدى المعارضة قوات جوية.

لكن على النقيض مما حدث عام 1972، فلم تظهر موجة تنديد عارمة. أين هي الجهود الدبلوماسية الرامية للتصدي لهذه الأسلحة؟ إن الغارات الجوية السورية التي تلقي هذه الذخائر الحارقة على مراكز تجمع للمدنيين وبالقرب منها تعد هجمات عشوائية تخرق القانون الدولي الإنساني، وربما كانت جرائم حرب. يجب على جميع الدول إدانة استخدام سوريا للأسلحة الحارقة، بنفس حرارة تنديدها باستخدام الأسلحة الكيماوية والقنابل العنقودية.

تجتمع هذا الأسبوع وفود حكومية في الأمم المتحدة في جنيف للنظر في مراجعة اتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980 وبروتوكولها الثالث الذي يحظر استخدام الأسلحة الحارقة الملقاة جواً على مناطق فيها "تجمعات من المدنيين". ليست سوريا طرفاً في البروتوكول، الذي يعتبر الوثيقة الدولية الوحيدة التي تتعامل بشكل صريح لا ضمني مع الأسلحة الحارقة. انضمت إلى البروتوكول 107 دولة وبينها جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. إن استخدام الحكومة السورية للأسلحة الحارقة يُظهر الحاجة إلى إجماع دولي عاجل على البروتوكول، وأيضاً الحاجة إلى تعزيز القوانين القائمة في هذا الشأن.

نظراً للإصابات المروعة التي تحدثها الأسلحة الحارقة، فلابد من أن نسأل: لماذا يُسمح باستخدام هذه الأسلحة من الأصل في أي ظرف من الظروف؟ إن الحظر الشامل على هذه الأسلحة كفيل بتوفير الحماية القصوى للمدنيين من هذه الأسلحة.

ماري ويرهام (@marywareham)هي مديرة المناصرة بقسم الأسلحة وحقوق الإنسان في هيومن رايتس ووتش.