أثناء لقاءات مع نشطاء شباب ذوي ميول إصلاحية خلال الشهر الماضي باليمن كان الكلام يتوجه بشكل ثابت نحو تسريع ضربات الطائرات بدون طيار التابعة للمخابرات المركزية الأمريكية "السي أي إيه" ضد المقاتلين الإسلاميين، وسرعان ما كانت الأصوات المعتدلة تتحول إلى الغضب. كانت تعليقات الشباب تؤكد كيف تفقد الولايات المتحدة بسرعة الأفئدة والعقول فيما هي تقاتل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتابعه المحلي أنصار الشريعة.

"هذه الضربات سياسة غبية" هكذا قالت ناشطة علمانية من تعز – المدينة التي تُعد بمثابة العاصمة الثقافية لليمن – وتابعت "في كل مرة يقتلون فيها مدنيين يمنيين فإنهم يخلقون كراهية أكبر نحو أمريكا".

وفي مقالة حديثة بالواشنطن بوست، بدا رأي النشطاء الشباب مشابهاً لرأي أهل البلاد، في اعتبار أن الزيادة الدراماتيكية في ضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار في جنوبي اليمن – على الأقل 21 هجمة منذ يناير/كانون الثاني – تغذي الغضب والتعاطف مع القاعدة. استشهدت الواشنطن بوست في المقام الأول بزعماء القبائل في المناطق التي تعرضت للهجوم وبالسكان الذين قُتل أحباؤهم جرَّاء هجمات الطائرات بدون طيار. على العكس من ذلك، توافد النشطاء الذين قابلتهم من مدن بعيدة عن الملاذات الآمنة للمقاتلين التي تستهدفها الطائرات بدون طيار. ومعظمهم معتدلون سياسيًا ومتشوقون للإصلاح – بالضبط من نوع القادة المحتملين الذين ينبغي على الولايات المتحدة أن ترعاهم فيما هي تبحث عن دفع اليمن نحو ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان بعد ثلاثة عقود تحت حكم رئيسها المستبد السابق "علي عبدالله صالح".

لدى الولايات المتحدة سبب معقول للقلق من الجماعات الإسلامية المسلحة في اليمن. فقد حاول تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وللمرة الثالثة منذ عام 2009 أن يفجر طائرة ركاب متجهة إلى الولايات المتحدة. وأعلنت جماعة "أنصار الشريعة" مسئوليتها عن هجوم الأسبوع الماضي على بروفة لاستعراض عسكري وهو الهجوم الذي أودى بحياة مائة جندي في قلب صنعاء، كما تتحكم القاعدة  في مدن كبرى وصغرى في جنوبي مقاطعة أبْيَن حيث فرضت تأويلا متشددًا للشريعة الإسلامية.

أدركت الولايات المتحدة الحاجة إلى الضرب بحذر، سواء بطائرات بدون طيار أو بالصواريخ أو بالطيران التقليدي. عقب نوبتين من الهجمات الأمريكية بالغتي الفشل بطائرة بدون طيار وبصواريخ كروز في عامي 2009 و 2010، ولم يعد الكثيرون من زعماء القبائل وأهل البلاد يحتجون بحدوث نمط واسع من الخسائر المدنية. وهو ما منح مصداقية للدبلوماسيين الأمريكيين في اليمن الذين أخبروني مؤخرا بأن "فكرة الأمريكان المولعين بإطلاق الزناد والمتحلقين في حجرة بعيدة مع حواسيهم ليقتلوا اليمنيين دونما أي فكرة عمَّا إذا كانوا مقاتلين فعلاً هي فكرة خاطئة تمامًا".

من الصعب العثور على معلومات موثقة لأن واشنطن تحيط برنامج طائراتها بدون طيار بغطاء من السرية، مما يؤدي إلى انتشار التخمينات حول عدد المدنيين الذين قُتلوا وفي أيّ ظروف. إن الولايات المتحدة مُلزَمَة وفقا للقانون الدولي على إدارة عمليات القتل محددة الهدف فقط في الظروف التي يسمح بها الميثاق الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي، وهي ملزمة بأن تحقق في المزاعم الموثوقة عن الهجمات غير القانونية. وفي الوقت الذي توفر فيه الولايات المتحدة أقل القليل من المعلومات عن ضربات الطائرات بدون طيار التي يقوم بها الجيش الأمريكي، فقد رفضت أن توفر تقريبا أي تفاصيل حول هجمات الطائرات بدون طيار تحت قيادة "السي أي إيه"؛ مستندة إلى الحاجة إلى احترام الطبيعة السرية للوكالة . في هذا المناخ يمكن حتى لإصابة مدنية واحدة مؤكدة أن تدفع بالرأي العام ضد الولايات المتحدة. إن بعض اليمنيين الذين لم يعارضوا ضربة الطائرة الأمريكية بدون طيار التي قتلت في سبتمبر/أيلول الماضي أنور العولقي رجل الدين اليمني – الأمريكي المتطرف والذي وصفته إدارة أوباما بأنه عميل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، لا يزالون غاضبين من ضربة جوية أمريكية أخرى تلتها بشهر وقتلت ابن العولقي الصبي "عبدالرحمن"، وهو مواطن أمريكي كذلك. وعلى وجه الخصوص يشيرون إلى فشل الولايات المتحدة في أن تعترف رسميًا بأن الصبي قد مات في هجمة أمريكية.

إن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية  وجماعة  أنصار الشريعة أيضا يقتلون داخل اليمن، لكنهم يستهدفون في الغالب قوات الأمن اليمنية والأجانب. علاوة على ذلك لا تزال آلتهم الدعائية مرنة. فعندما فجَّرت جماعة  أنصار الشريعة أفراد قوة الأمن المركزي أثناء استعراض يوم 21 مايو/أيار في صنعاء، زعمت بجرأة أنها كانت تنتقم من هجمات قاتلة قامت بها تلك الوحدة على المتظاهرين أثناء ثورة العام الماضي – وهي الهجمات التي يتم المجازفة بأن تمضي بلا عقاب بفضل القانون اليمني المدعوم من الولايات المتحدة والذي يمنح الحصانة لـ "صالح" وكل معاونيه في مقابل استقالة الرئيس.

لكي تفوز بثقة اليمنيين؛ ينبغي على الولايات المتحدة أن تنقل قيادة كل هجمات الطائرات بدون طيار من "السي أي إيه" إلى الجيش الأمريكي وأن توفر أساسا منطقيا تفصيليا عن سبب كون عمليات القتل المستهدفة التي تقوم بها شرعية وخاضعة للقانون الدولي. ويجب عليها كذلك أن تصر على وجود شفافية أكبر من قيادة العمليات الخاصة المشتركة  التابعة للجيش الأمريكي، والتي – كما يقال – تقوم بتسديد ضربات طائرات بدون طيار في اليمن تحت غطاء من السرية يقترب من غطاء "السي أي إيه". سيمنح هذا لليمنيين معلومات عن الضربات وعلاوة على ذلك سيسمح لهم بالبحث عن التعويض لقاء أي هجمات غير قانونية.

ينبغي أيضا على الولايات المتحدة أن تفعل أكثر من هذا بكثير كي تظهر لليمنيين أنها لا تهتم فقط بهزيمة المقاتلين الإسلاميين ولكن أيضا بوضع بلدهم على أول الطريق. إن اليمن مازال يترنح من الثورة التي دامت عاما بأكمله وخلعت "صالح" لكنها تركت قوات أمنه الوحشية سليمة وسمحت فعلا للفقر المدقع والبطالة والتهجير الداخلي أن يصلوا إلى معدلات الأزمة. في اجتماع تم الأسبوع الماضي لمجموعة "أصدقاء اليمن" – وهي مجموعة من الدول الغربية والعربية تبحث عن دفعة محركة للاقتصاد اليمني – تعهدت الولايات المتحدة بثمانين مليون دولار، وهو المبلغ الذي بدا أشبه بمصروف الجيب إذا ما قورن بالثلاثة والربع مليار دولار التي وعدت بها السعودية.

إلى أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات شبيهة، سيبقى اليمنيون على الأرجح أكثر ميلا إلى ألا يمنحوا  واشنطن امتياز الشك –  المتهم بريء حتى تثبت إدانته – وهو الأمر المبهج كثيرا لجماعات مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

* ليتا تايلور – باحثة في الإرهاب ومكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش.*