(نيويورك، 1يوليو/تموز 2008)- قالت "مراقبة حقوق الإنسان" ومنظمة العفو الدولية اليوم إنه ينبغي على حكومة إثيوبيا أن تتخلى فوراً عن خططها لفرض قيود صارمة وعقوبات جزائية مغلَّظة على المنظمات غير الحكومية. ودعت المنظمتان الحكومات المانحة، التي فشلت جهودها وراء الكواليس في إصلاح مشروع القانون الجديد، على ما يبدو، إلى أن تعلن موقفاً مناهضاً للتجريم بحكم الأمر الواقع لمعظم حقوق الإنسان وأن تدعو إلى حكم القانون والعمل من أجل بناء السلم الذي تبذل الجهود من أجله حالياً في إثيوبيا.

وتدّعي حكومة إثبوبيا الاتحادية أن مشروعإعلان الجمعيات والرابطات (مشروع القانون) هو مسعى حميد لتعزيز الشفافية المالية لدى المنظمات غير الحكومية ومساءلتها أمام المسهمين في عملها. وفي حقيقة الأمر، ليست الأحكام الرئيسية التي يتضمنها سوى آلية حاذقة وثقيلة للسيطرة على هيئات المجتمع المدني ومراقبتها ومعاقبة من لا يعجب عملها الحكومة منها. وقالت "مراقبة حقوق الإنسان" ومنظمة العفو الدولية إن مشروع القانون يمكن أن يقيِّد على نحو خطير كذلك قسطاً كبيراً من العمل المتصل بالتنمية الذي يقوم به حالياً بعض شركاء إثيوبيا الدوليين المهمين.

وفي هذا السياق، أكدت جورجيت غانيون، مديرة شؤون أفريقيا في "مراقبة حقوق الإنسان"، أن "الحكومة الإثيوبية قد جعلت من المستحيل قيام أية مشاركة عامة ذات مغزى في الحكم في العديد من المجالات بمقاضاتها منتقديها وقمعها حرية التعبير والتجمع. والمقصد الواضح من هذا التشريع هو تصليب هذا الاتجاه بإلغاء كلمة "غير" من عبارة "المنظمات غير الحكومية"، ووضع المجتمع المدني تحت سيطرة الحكومة".

إن من شأن مشروع القانون، إذا ما أقر، أن ينطبق على كل منظمة غير حكومية تعمل في إثيوبيا باستثناء المنظمات الدينية والمنظمات غير الحكومية الأجنبية التي توافق الحكومة على استثنائها. وسيشكل العديد من الأحكام المهمة في مشروع القانون انتهاكاًلواجبات إثيوبيا بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان والحقوق الأساسية المكفولة في دستورها، بما فيها الحق في حرية الانتساب إلى الجمعيات وتأليفها وفي حرية التعبير. وقد تقدمت "مراقبة حقوق الإنسان" ومنظمة العفو الدولية، كلاً على حدة، بتحليل تفصيلي لمشروع القانون. وبين الأحكام الأكثر إضراراً بالحقوق المواد التي:

  • تفرض عقوبات جزائية صارمة على أي شخص يشارك في نشاط "غير قانوني" للمجتمع المدني. حيث يمنح مشروع القانون الأجهزة الحكومية وصاية لا ينازعها فيها أحد تقريباً على القرار المتعلق بتسجيل المنظمات غير الحكومية، كلاً بمفردها، ويعرِّف من ثم أية هيئة من هيئات المجتمع المدني لم يجر تسجيلها على أنها "غير قانونية". وحتى يصبح لهذا القيد أسنان يعَضُّ بها، يفرض مشروع القانون غرامات وأحكاماً بالسجن تصل إلى 15عاماً على طيف من الجرائم الجديدة، بما في ذلك المشاركة في أي اجتماع تعقده منظمة "غير قانونية". كما يجعل من نشر أية معلومات "تخدم مصلحة جمعية غير قانونية" جرماً يعاقَب عليه بالسجن. ولو كان هذا القانون نافذاً اليوم، لأمكن أن يُستخدم هذا الحكم الأخير لسجن أي شخص في أثيوبيا يوزع هذا البيان.
  • تُخضع جميع هيئات المجتمع المدني للتطفل على عملها عن طريق الرقابة والتعقب الحكوميين. حيث يقضي القانون بإنشاء "هيئة الإشراف على الجمعيات والرابطات" (هيئة الإشراف)، التي تملك سلطات تقديرية تتيح لها رفض منح الاعتراف القانوني بالمنظمات غير الحكومية؛ وحلَّ المنظمات غير الحكومية التي نالت الاعتراف القانوني؛ والتدخل في إدارة المنظمات غير الحكومية وفي تعيين موظفيها إلى حد تغيير رسالاتها التنظيمية. وسيكون لهيئة الإشراف هذه سلطات واسعة لمراقبة جميع أنشطة كل منظمة من المنظمات غير الحكومية التي يشملها القانون. ولا يمكن لمنظمة غير حكومية عقد اجتماع دون إخطار هيئة الإشراف كتابة، قبل أسبوع على الأقل من عقد هذا الاجتماع، حيث تملك هيئة الإشراف وغيرها من الأجهزة الحكومية بعد ذلك سلطة إرسال رجال الشرطة لحضور هذه الاجتماعات والإبلاغ عما يحدث فيها.
  • تحظر جميع الأنشطة التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية غير الإثيوبية العاملة في مضمار حقوق الإنسان ومجالات محددة أخرى. حيث يرسم مشروع القانون خطاً فاصلاً مهماً بين المنظمات غير الحكومية "الأجنبية" و"الإثيوبية". فمن المحظور صراحة على المنظمات غير الحكومية "الأجنبية" القيام بأي عمل يتعلق بحقوق الإنسان أو بالتوجيه العام أو بحماية حقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقات، أو بتسوية النـزاعات وبطيف من القضايا الأخرى. ومن شأن هذا أن ينـزع الصفة القانونية عن أي مسعى من جانب "مراقبة حقوق الإنسان" ومنظمة العفو الدولية أو أية منظمة أخرى لحقوق الإنسان نحو المشاركة في أنشطة لحقوق الإنسان في إثيوبيا ما لم تختر الحكومة استثناءها من الهيئات المشمولة بالقانون.
  • تجريد المنظمات غير الحكومية العاملة بشأن حقوق الإنسان من حق الحصول على تمويل أجنبي. حيث يعني مشروع القانون من الناحية الفعلية إعلاق المنظمات غير الحكومية الوطنية المستقلة القليلة التي ما زالت تعمل بشأن حقوق الإنسان وبشأن القضايا المتعلقة بالإدارة العامة بتجريدها من من فرص الحصول على تمويل أجنبي. ويعرِّف مشروع القانون أية منظمة غير حكومية إثيوبية على أنها "أجنبية" إذا كانت تتلقى ما يزيد على 10بالمائة من تمويلها من مصادر أجنبية، أو تضم أي أعضاء يحملون جنسية بلد أجنبي؛ وتحظر من ثم على هذه المنظمات غير الحكومية "الأجنبية" العمل بشأن حقوق الإنسان أو بشأن قضايا الحوكمة. ومن شأن هذا أن يلحق الضرر البالغ بهذه المنظمات نظراً للضعف الشديد البائن في القدرة على جمع الأموال داخل إثيوبيا، التي تعتبر إحدى أفقر دول العالم، وما يرافق ذلك من ضعف في فرص النمو.

إن هذه الأحكام وغيرها من الأحكام المشابهة في مشروع القانون سوف تخلِّف آثاراً مدمرة إذا ما جرى تنفيذها. بيد أن الآثار المحتملة تظل أشد وطأة إذا ما جرى النظر إليها ضمن السياق الأوسع.

إذ سيغدو الفضاء السياسي الضيق أصلاً في أثيوبياً أشد ضيقاً من ذي قبل. فعلى مر السنين، أظهرت حكومة إثيوبياً ثباتاً على نمط من القمع والمضايقة للخصوم السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ممن ينتقدون الحكومة، إضافة إلى تفشي انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع. وقد تصاعدت هذه الاتجاهات منذ الانتخابات التي جرت في البلاد في 2005وثار حولها الكثير من الجدل. إذ أدت المنازعات حول نتائج تلك الانتخابات إلى احتجاجات في الشارع قمعتها السلطات بوحشية وأتبعتها بحملة اعتقالات للسياسيين المعارضين وللقيادات الناشطة بتهم الخيانة.

وشهدت السنوات التي تلت ذلك تراجعاً بيِّنا في تحمُّل السلطات الرسمية، الضئيل أصلاً، للمعارضة السياسية. فتبخّرت إلى حد كبير المعارضة السياسية الرسمية في معظم أرجاء إثيوبيا. وشهدت انتخابات كيبيلي ووريدهالتي جرت في أبريل/نيسان مشاركة للحزب الحاكم وحيداً دون معارضين في معظم الدوائر الانتخابية، وفوزه بأكثر من 99بالمائة من إجمالي المقاعد.

ووصفت ميشيل كاغاري، نائبة مدير برنامج أفريقيا في منظمة العفو الدولية، مشروع القانون بالقول: "إن هذا القانون لا يشكل اعتداء على منظمات المجتمع المدني فحسب، وإنما يشكل كذلك جزءاً من مسعى أوسع نحو إسكات الأصوات المستقلة القليلة التي تمكنت من إسماع انتقاداتها للحكومة في مناخ يزداد قمعاً باطراد".

إن إثيوبيا من أكثر دول العالم اعتماداً على المعونات. بيد أن المانحين الثنائيين الأكثر كرماً مع إثيوبيا قد ظلوا صامتين في العلن في وجه سجل الحكومة لحقوق الإنسان الذي يزداد سوءاً باطراد. وعلى سبيل المثال، تُعتبر الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتان تقدمان مجتمعتين ما يربو على 600مليون دولار أمريكي سنوياً إلى أثيوبيا على شكل مساعدات خارجية، المانحيْن الأكثر أهمية للحكومة الإثيوبية. وقد التزمت الحكومتان الصمت المطبق بلا هوادة حيال أنماط القمع وانتهاكات حقوق الإنسان التي طال عليها العهد، بما في ذلك إزاء ما ارتكبته القوات المسلحة الإثيوبية من جرائم حرب في الصومال.

بينما أجرت عدة حكومات مانحة، إلى جانب طيف من المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، مناقشات خاصة موسعة مع مسؤولين إثيوبيين في محاولة منها لإقناع الحكومة بالتخلي عن أكثر الجوانب استبداداً في مشروع القانون الجديد. بيد أن هذه الجهود عجزت عن تحقيق شيء يذكر بالنسبة للعديد من الأحكام الأشد إثارة للقلق حسبما أظهرت مسودة القانون في صيغتها الأخيرة، التي أعلنت في أواخر يونيو/حزيران.

واختتمت غانيون بالقول: "لقد تقاعس شركاء إثبوبيا الثنائيون بثبات عن أن يجهروا بمعارضتهم ضد الأنماط القاسية التي ترعاها الحكومة من انتهاكات حقوق الإنسان. وقد كان لسياسة الصمت هذه أثرها في تقوية عصب الحكومة الإثيوبية كي تزيد من اعتداءاتها على حقوق الإنسان، التي يعتبر مشروع قانون المنظمات غير الحكومية خير مثال عليها".