قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم إن الحكومة الأوزبكية قامت باعتقال وتعذيب الآلاف من المنشقين المسلمين المسالمين الذين يمارسون عقائدهم الدينية خارج الإطار الديني الخاضع لسيطرة الدولة؛ جاء هذا في تقرير أصدرته المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان اليوم بشأن هذه الحملة من الاضطهاد الديني.

توضح منظمة هيومن رايتس ووتش بالتفصيل ما يتعرض له المنشقون المسلمون من الاعتقال والتعذيب في إطار حملة مستمرة أدت إلى حبس ما يقدر بنحو 7000 منهم. وتستهدف هذه الحملة الحكومية المسلمين المستقلين الذين يمارسون عقائدهم الدينية خارج المساجد والمدارس الدينية التي تديرها الحكومة، أو خارج إطار الضوابط الصارمة التي تفرضها القوانين الحكومية على الدين. وقالت ريتشل دنبر، المديرة التنفيذية بالنيابة لقسم أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة هيومن رايتس ووتش
"إن الحكومة الأوزبكية تقوم بحملة لا رحمة فيها ولا هوادة ضد المنشقين المسلمين المسالمين؛ ويظهر مدى ووحشية العمليات التي تجري ضد المسلمين المستقلين بجلاء أنها تأتي في إطار حملة محكمة التنسيق والتنظيم من الاضطهاد الديني".
وفي الشهر الماضي، أدينت امرأة في الثانية والستين من عمرها، تدعى فاطمة مخاضروفا، بتهمة التطرف الديني بعد أن تحدثت جهاراً عن تعذيب ابنها ووفاته في الحجز؛ وكان ابنها قد زُجَّ به في السجن بتهمة "التطرف الديني"، ولقي حتفه في السجن في أغسطس/آب 2002، بعد تغطيسه في ماء مغلي على ما يبدو؛ وأطلقت السلطات سراح مخاضروفا في أعقاب عاصفة من الاحتجاج الدولي. غير أن حملات الدهم والاعتقال لا تزال مستمرة بلا هوادة، ومنذ يناير/كانون الثاني الماضي، أدين ما لا يقل عن 26 من المسلمين المستقلين.

وفي 14 مارس/آذار، توفي سجين مسلم في الرابعة والأربعين من العمر، يُدعى عبد الرحمن نارزولائيف، في ظروف مريبة عقب مشاركته في إضراب عن الطعام.
ويستند تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أبحاث أجرتها المنظمة على مدى خمس سنوات في شتى أنحاء أوزبكستان، بما في ذلك مقابلات مع نحو 200 من الضحايا المسلمين المستقلين وأقاربهم، فضلاً عن غيرهم من شهود العيان، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمسؤولين الحكوميين. وفي إطار الأبحاث اللازمة لهذا التقرير، حضر منظمة هيومن رايتس ووتش أيضاً العشرات من المحاكمات، وجمعت وثائق الشرطة والمحاكم المتعلقة بقضايا أكثر من 800 شخص، وراجعت المئات من المستندات المؤيدة للأدلة، بما في ذلك السجلات الطبية، وشهادات الوفاة، ورسائل الضحايا، والردود عليها من الأجهزة الحكومية.

وقد وصمت الحكومة الأوزبكية المسلمين المستقلين بأنهم "متطرفون" أو "وهابيون" - وهي صفة ازدرائية تخلعها الحكومة الأوزبكية عليهم للإيحاء بأنهم "أصوليون"، وليس للإشارة إلى كونهم في الواقع من أتباع المذهب الوهابي كما يُمارَس في السعودية. وتزج السلطات بهؤلاء في السجون بتهمة "التخريب"، أو "التعدي على النظام الدستوري"، أو ممارسة "أنشطة مناهضة للدولة"؛ ويُلقى القبض عليهم، ثم يتلقون محاكمات فادحة الجور، تنتهي بتوقيع عقوبات السجن عليهم لمدد قد تصل إلى 20 عاماً.ومن بين المستهدفين للاعتقال أشخاص تعتبرهم الدولة من "غلاة المتدينين"، بما في ذلك أولئك الذين يصلون في بيوتهم أو يطلقون لحاهم - باعتبار ذلك مؤشراً على تدينهم.

ويفند التقرير ما تزعمه الحكومة الأوزبكية مراراً من أن اعتقال المنشقين المسلمين الذين لا يجنحون إلى العنف أمر ضروري لمكافحة الإرهاب. فخلال العامين 1999 و2000، قامت جماعة مسلحة تعرف باسم "الحركة الإسلامية لأوزبكستان" بعمليات مسلحة في المنطقة؛ وعزت الحكومة الأوزبكية إلى هذه الحركة المسؤولية عن سلسلة من الهجمات بالقنابل وقعت في طشقند في فبراير/شباط 1999؛ غير أن الأشخاص الواردة حالاتهم في هذا التقرير - شأنهم شأن الآلاف غيرهم ممن استهدفتهم حملة القمع الحكومية - لم تُوجَّه إليهم تهمة التورط في هذه التفجيرات، أو يُتَّهموا بعضوية "الحركة الإسلامية لأوزبكستان"، وإنما سجنوا بسبب معتقداتهم وممارساتهم الدينية السلمية.
وتقول دنبر
"إن أوزبكستان حليف وثيق للولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية القوية، ولكن لا يمكنها التستر وراء الحرب العالمية على الإرهاب لتبرير القمع الديني".
ولئن كان التعذيب متفشياً في أوزبكستان، فإن الشرطة تسوم المعتقلين الدينيين بوجه خاص سوء المعاملة لانتزاع الاعترافات أو غير ذلك من الإفادات منهم. ويوثق تقرير هيومن رايتس ووتش عشر حالات وفاة في الحجز ناجمة عن التعذيب على مدى خمس سنوات. ويتناول التقرير بالتفصيل حالات العديد من الأشخاص الآخرين الذين تعرضوا لشتى صنوف التعذيب، من قبيل الضرب، والصعق بالصدمات الكهربائية، والخنق، والتعليق من المعاصم أو الكواحل، والاغتصاب، والحرق بالسجائر أو الصحف المشتعلة.
وتستمر الانتهاكات بينما يقضي السجناء الدينيون عقوبات السجن المفروضة عليهم تحت ظروف بالغة السوء؛ إذ يعتدي عليهم حراس السجن بالضرب والاغتصاب، ويودعونهم في الحبس الانفرادي عقاباً لهم على أداء الصلاة أو غيرها من العبادات الدينية. وفي حملات إدانة جماعية تعيد إلى الأذهان ما كان يجري في الحقبة الستالينية، تحشر السلطات الحكومية المسلمين المستقلين أو أقاربهم أمام جموع من أبناء مجتمعاتهم، حيث تشنِّع عليهم بوصفهم "خونة" أو "أعداء للدولة". وتلقي الشرطة القبض على أقارب من تصفهم بـ"المتطرفين"، وتنزل بهم صنوف التعذيب، بل وتحتجزهم أحياناً رهائن إلى أن يسلم المشتبه فيهم أنفسهم للسلطات.

وكان أكثر من نصف عدد الأشخاص الذين استهدفتهم الحكومة من أعضاء "حزب التحرير"، وهو تنظيم إسلامي لا يمارس العنف. ويدعو هذا الحزب - وهو تنظيم ديني وسياسي في آن واحد - إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية في أوزبكستان، وغيرها من الدول المسلمة.

وجدير بالذكر أن عدة دول، من بينها روسيا وألمانيا، قد حظرت "حزب التحرير"؛ واستشهد قرار الحظر الألماني بما تنطوي عليه مطبوعات الجماعة من معاداة للسامية. أما الحكومة الأوزبكية فهي تعتبر معارضة الجماعة خطراً يهددها، وضرباً من الأنشطة الهدامة التخريبية. وتصدر المحاكم أحكاماً طويلة بالسجن على أعضاء "حزب التحرير"، والمشاركين في الحلقات الدراسية للحزب، ومن يقومون بنشر أو حتى حيازة مطبوعات الحزب.

وقد دعت هيومن رايتس ووتش الدول الحليفة لأوزبكستان، مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، إلى التنديد بالاضطهاد الذي تمارسه الحكومة الأوزبكية ضد المسلمين المستقلين، ومطالبتها بوضع حد للاعتقالات الجماعية والتعذيب. وقالت دنبر "إنه لمن المشين أن يقف المجتمع الدولي متفرجاً ويسمح باستمرار هذه الحملة؛ إذا كان حلفاء أوزبكستان يريدون إقناع العالم بأنهم يعارضون اضطهاد المنشقين المسلمين، فسوف يكون لزاماً عليهم اتخاذ إجراء ما يوضح حقيقة موقفهم". ومن المتوقع أن تبت إدارة الرئيس بوش في أبريل/نيسان فيما إذا كانت أوزبكستان قد أحرزت "تقدماً جوهرياً ومستمراً" على صعيد حقوق الإنسان بالقدر الضروري للمضي قدماً في تقديم معونات قدرها نحو 50 مليون دولار، بما في ذلك المساعدات العسكرية، إلى هذه الدولة الواقعة وسط آسيا. ومن المزمع أيضاً أن يقوم البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية بتدقيق النظر في سجل الحكومة الأوزبكية في مجال حقوق الإنسان، حينما يقرر مستوى تعامله مع أوزبكستان خلال الأيام المقبلة. كما سيبت أعضاء لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، المجتمعون حالياً في جنيف، في الإجراء الواجب اتخاذه حيال استمرار الحكومة الأوزبكية في تحدي القانون الدولي. وتحث هيومن رايتس ووتش أعضاء المجتمع الدولي كافةً على اغتبال كل فرصة سانحة للإعراب عن استيائهم من سجل الحكومة الأوزبكية في مجال حقوق الإنسان.

وفيما يلي ثلاث حالات توضح بجلاء قسوة الحملة التي يتعرض لها المسلمون المستقلون، والعقبات التي يواجهها الضحايا في سعيهم للإنصاف:

اعتُقل معروف محكموف في 30 أكتوبر/تشرين الأول، واتُّهم بـ"الوهابية"؛ ولبث محكموف، البالغ من العمر 25 عاماً، شهرين رهن الاعتقال في زنزانة تحت الأرض بالمقر الرئيسي لشرطة طشقند، حيث كان أفراد الشرطة ينهالون عليه ضرباً كل يوم حتى يفقد الوعي. واعتقلت الشرطة شقيق محكموف، وقالت إنها لن تفرج عنه إلا إذا اعترف محكموف بأنه "متطرف". وهدد ضباط الشرطة باعتقال زوجة محكموف أيضاً، واغتصابها أمامه. واضطر محكموف للتوقيع على الاعتراف، وفي 23 فبراير/شباط قدم للمحاكمة مع ستة غرباء لا يعرف أحداً منهم بتهمة الانتماء لجماعة "متطرفة" سرية. وقبل القاضي الاعتراف المنتزع بالإكراه من محكموف باعتباره دليلاً ضده، متجاهلاً شهادته بشأن التعذيب الذي كابده، وحكم عليه بالسجن سبع سنوات. وكتب معروف محكموف رسالة من سجنه في الأول من مارس/آذار، ناشد فيها منظمات حقوق الإنسان مساعدته على نيل حريته، وإطلاع العالم على محنته.
في يناير/كانون الثاني 2000، اعتقل الموظفون المعنيون بتنفيذ القانون خيرت صابروف، واتهموه بأنه من أتباع المذهب الوهابي؛ وحبسوه في زنزانة تحت الأرض لمدة خمسة أشهر، في عزلة تامة عن العالم الخارجي. وخلال الأيام الأولى من اعتقاله، أودعه ضباط من جهاز الأمن الوطني "إس إن بي" (وهي جهاز "كيه جي بي" سابقاً) في "حمام بخار"، أو غرفة مبللة، حيث حرقوا جسمه بالسجائر المشتعلة، ثم اغتصبوه. وأثناء محاكمة صابروف، تجاهل القاضي شكاواه من التعذيب، وحكم عليه بالسجن 14 عاماً. واتهمه ممثلو الادعاء، هو و16 شخصاً آخر، بالانتماء إلى "جماعة متطرفة"، بدعوى أن دراستهم الدينية الخاصة تدل على انتمائهم لجماعة منظمة تنشر مطبوعات تحتوي على أفكار "أصولية" و"متطرفة". بل إن الادعاء وصف مشاركة هؤلاء المتهمين في مباراة لكرة القدم، تُعقد بصفة شبه دورية، في إستاد رياضي وسط المدينة بأنها جزء من "إعداد العدة لإقامة دولة إسلامية"؛ ولا يزال صابروف وغيره من المتهمين في السجن حتى اليوم.
قام نجم الدين خوفاشيف، وهو عضو في "حزب التحرير"، بتسليم نفسه لضباط جهاز الأمن الوطني "إس إن بي" عام 1999، بعد أن سمع وعود الحكومة بالصفح عمن يعترفون بأنهم "ضلوا" السبيل في معتقداتهم الدينية؛ وبدلاً من ذلك، اعتُقل خوفاشيف وتعرض للتعذيب. وقدم جوفاشيف شكاوى من التعذيب إلى السلطات المحلية، ولكن ذلك لم يسفر عن شيء سوى المزيد من الانتهاكات؛ إذ جرده عملاء أمن الدولة من ثيابه إلا ملابسه الدخلية، ووضعوا القيود في يديه، وعلقوه من قضيب أفقي، ثم ظلوا يضربونه حتى وافق على التوقيع على إقرار بأنه لم يتعرض لأي تعذيب قط. وصدر حكم بالسجن على جوفاشيف، وأفرج عنه إفراجاً مشروطاً، ثم ألقت الشرطة القبض عليه من جديد في أغسطس/آب 2000. وتعرض مرة أخرى للتعذيب، وقُدِّم للمحاكمة، وحُكم عليه بالسجن بتهمة "التطرف الديني"؛ ويقضي حالياً حكماً بالسجن لمدة 14 عاماً.