نددت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" اليوم بعقوبة السجن القاسية التي أنزلها القضاء السوري خلال هذا الأسبوع بالنائب المستقل رياض السيف، البالغ من العمر خمسة وخمسين عاماً؛ ويعد هذا ثاني حكم بالسجن لمدة خمس سنوات يصدر ضد عضو منتخب في البرلمان السوري في غضون أقل من شهر بسبب دعوته إلى التغيير الديمقراطي.

وقال هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
لقد أعلنت سورية الحرب، في واقع الأمر، على النقاد السياسيين المسالمين، فمن الواضح أن الهدف من وراء هذه الأحكام هو معاقبة وتخويف جميع دعاة التغيير السياسي الديمقراطي في سورية"
.
فقد أدانت محكمة الجنايات في دمشق، في الرابع من إبريل/نيسان الجاري، النائب رياض السيف بتهمة محاولة "تغيير الدستور السوري بطرق غير مشروعة"؛ وفي 20 مارس/آذار، أدانت نفس المحكمة النائب مأمون الحمصي بتهم مماثلة، وهو أحد النواب الذين يجهرون بآرائهم، وكان قد انتقد حكومة الرئيس بشار الأسد، وحكمت عليه محكمة الجنايات بالسجن خمس سنوات؛ وقد اعتقل الحمصي في أغسطس/آب 2001، بينما اعتقل السيف في سبتمبر/أيلول 2001.

وكان كلا النائبين قد جاهرا بانتقاداتهما للنظام السياسي المنغلق في سورية، الذي يهيمن عليه حزب البعث الحاكم، وناديا بإصلاحات ديمقراطية. وفي أعقاب وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد في يونيو/حزيران 2000، نظَّم رياض السيف تجمعاً أسبوعياً للنقاش الحر في منزله ظل يمارس نشاطه حتى تدخلت الحكومة في فبراير/شباط 2001، وقامت بقمع هذه المنتديات المدنية التي تتزايد شعبيتها يوماً بعد يوم. ولما عجز السيف عن الحصول على تصريح رسمي لهذا المنتدى، استأنف عقده في سبتمبر/أيلول 2001 متحدياً السلطات التي لم تلبث أن ألقت القبض عليه. وفي أعقاب ذلك، اعتقل سبعة آخرون من المشاركين في المنتديات المدنية، ولا يزالون رهن الاعتقال ريثما يتم تقديمهم للمحاكمة.
وقال مجلي: "إن هذا النمط من قمع حرية التعبير هو نفس النمط الذي كان سائداً في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد؛ غير أن المنحى الجديد فيه هو استخدام القضاء المدني في إصدار هذه الأحكام التي تبعث على الاستنكار".
ففي خلال الثمانينيات من القرن العشرين، اعتقلت سورية الآلاف من النشطاء السياسيين المسالمين، واحتجزتهم فترات طويلة دون تهمة ولا محاكمة. وفي التسعينيات قُدِّم المئات من النشطاء السياسيين للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة، وهي إحدى المحاكم الاستثنائية في سورية، وحُكم على معظمهم بالسجن مدداً تتراوح بين خمسة وعشرة أعوام.

وأضاف مجلي قائلاً:
"إن العقوبات المفروضة على السيف والحمصي لا تبشر بخير بالنسبة لمصير النشطاء الآخرين؛ فقد أحيلت قضايا هؤلاء إلى محكمة أمن الدولة، ونخشى أن تصدر ضدهم أحكاماً أشد".
وجدير بالذكر أن إجراءات محكمة أمن الدولة - التي لا يمكن الطعن في قراراتها - لا تتمشى مع المعايير المعترف بها دولياً للمحاكمة العادلة.

أما السجناء الثمانية الآخرون، الذين اعتُقلوا جميعاً في سبتمبر/أيلول 2001، فمن بينهم واحد من أبرز الشخصيات السياسية المعارضة في سورية، وهو رياض الترك رئيس المكتب السياسي للحزب الشيوعي غير المرخص له، وهو في السبعينيات من عمره، وقد ظل مسجوناً بدون توجيه أي اتهام إليه خلال الفترة من عام 1980 حتى عام 1998.
ومن بين السجناء المحتجزين ريثما يتم تقديمهم للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة أستاذ الاقتصاد عارف دليلة، وهو أحد الأعضاء المؤسسين في لجان إحياء المجتمع المدني؛ أما المعتقلون الستة الآخرون فقد كانوا من النشطاء في حركة المحافل المدنية وجماعات حقوق الإنسان، وهم: الطبيب وليد البني، والمحامي حبيب عيسى (وهو من المشاركين في فرق المحامين المدافعين عن الحمصي والسيف)، والطبيب كمال لبواني، والمهندس فواز تيللو، وحبيب صالح، وحسن سعدون.
وحثت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على استخدام نفوذهما الدبلوماسي وغير ذلك لحمل الحكومة السورية على الإفراج الفوري وغير المشروط عن النائبين والسجناء الثمانية الذين لا يزالون محتجزين ريثما يتم تقديمهم للمحاكمة.
وجدير بالذكر أن سورية من الدول الأطراف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الذي يكفل الحق في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات أو الانتماء إليها وحرية التجمع.