محتجزون فيما وصفته صحيفة التايمز اللندنية بأنه مركز غير رسمي للاحتجاز للمشتبه بانتمائهم إلى داعش في شمال شرق سوريا. 

© 2019 التايمز/أنطوني لويد

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن جماعة مسلحة يقودها الأكراد، بدعم من التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ"داعش")، تحتجز آلاف الرجال والفتيان السوريين والأجانب في مراكز احتجاز غير رسمية مكتظة للغاية شمال شرق سوريا. الاحتمال المتزايد لغزو تركيا لهذه المنطقة يُبرِز الحاجة الطارئة إلى أن تضمن الدول فورا قدرة مواطنيها المحتجزين على العودة إلى بلادهم لإعادة تأهيلهم ودمجهم وملاحقتهم عند الاقتضاء، بما يتماشى مع المعايير الدولية.

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا وهي منطقة تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" ("قسد")، الجماعة المسلحة التي يقودها الأكراد والتي كانت عضوا أساسيا في التحالف الدولي ضد داعش. تحتجز الجماعة آلاف الرجال والفتيان السوريين والأجانب في مدارس وأبنية أخرى مكتظة للغاية في شمال شرق سوريا.

 قالت ليتا تايلر، باحثة أولى في الأزمات والنزاعات في هيومن رايتس ووتش: "الآلاف، ومنهم أطفال، عالقون في سجون مكتظة على نحو صادم للاشتباه في انتمائهم إلى داعش، لكن ما من جهة تقبل تحمل مسؤوليتهم. أي سلطة تسيطر فعليا على شمال شرق سوريا ملزمة قانونا بالتحرك بسرعة لتحسين ظروف سجنهم وضمان قانونية احتجاز كل واحد منهم".

تقول قسد إنها تحتجز 12 ألف سجين، منهم 4 ألف أجنبي، في 7 مراكز احتجاز شمال شرق سوريا. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى شاهدين، أحدهما سجين سابق، وصفا الظروف القاسية والاكتظاظ الشديد في مراكز الاحتجاز. تقول "إدارة الحكم الذاتي" بقيادة الأكراد التي تسيطر على شمال سوريا إنها تفتقر إلى الموارد اللازمة لاحتجاز السجناء كما ينبغي، وإن على بلدانهم إعادتهم للتحقيق والمقاضاة المحتملة، وهو ما لم تفعله معظم الدول.

قابلت هيومن رايتس ووتش صحفيا قال إنه زار أحد مراكز الاحتجاز وراجعت مقاطع الفيديو التي التقطها ونشرها في صحيفة "التايمز" اللندنية في 30 سبتمبر/أيلول 2019. أظهرت مقاطع الفيديو زنازين مكتظة تضم عشرات الرجال بملابس برتقالية متراصّين بشدّة بحيث تتلامس أجسادهم، وقسم طبي ضمن مركز احتجاز مكتظ بالفتيان بالقدر ذاته. قال الصحفي إن مواطنين بريطانيين، وفرنسيين، وبلجيكيين وأمريكيين كانوا من بين المحتجزين وكانت ظروف احتجازهم "فظيعة للغاية". نشرت "سي بي إس نيوز" صورا مشابهة في 17 سبتمبر/أيلول. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق من الصور بشكل مستقل.

وفقا لصحيفة التايمز، قُبض على الأشخاص الظاهرين في الفيديو خلال معركة الباغوز التي انتهت في فبراير/شباط، واحتُجزوا للاشتباه في انتمائهم إلى داعش.

عرض شخص آخر زار أحد مراكز الاحتجاز على هيومن رايتس ووتش صورتين أخريين أظهرتا أيضا اكتظاظا شديدا وكذلك مشاركة فتيان سجناء على ما يبدو للزنازين مع رجال.

قال الصحفي أنطوني لويد إنه شاهد أكثر من 450 محتجزا في القسم الطبي بأحد مراكز الاحتجاز، منهم أطفال في عمر 12 عاما. قال إن العديد من المرضى لم يكونوا يتلقون الرعاية المناسبة وأن بعضهم توفي متأثرا بجراحه في مركز الاحتجاز.

قال لويد:"بُترت أعضاء متعددة للعديد من المرضى وشاهدت أحدهم تتدلى أمعاءه تحت ضمادة مضرجة بالدماء.. كان الوضع بائسا للغاية. وكان هناك أطفال".

تحتجز قسد العديد من الفتيان، عمر بعضهم لا يزيد عن 12 عاما، في مراكز احتجاز غير رسمية، ولكنها تحتجز آخرين، وبخاصة الفتيان الأصغر سنا، مع أهاليهم في مخيمات أفراد الأسر المشتبه بانتمائهم إلى داعش أو في مراكز مخصصة للأطفال المعتقلين من دون أهاليهم.. قال أحد الفتيان (16 عاما) الذي تحدثت إليه هيومن رايتس ووتش في يونيو/حزيران في مركز للفتيان غير المصحوبين بذويهم، إن قوات قسد والقوات الأمريكية كانت تقرر عشوائيا أي الأولاد يجب سجنه وأيُّهم يجب إرساله إلى المخيمات أو المراكز.

قال الفتى: "وضعني أميركي مرتين في صف للذهاب إلى السجن، لكن شتمه أمريكي آخر قائلا له، "لماذا تضعه هنا؟ لا يزال صغيرا"".

تشير الأدلة والصور التي راجعتها هيومن رايتس ووتش بقوة إلى أن الظروف غير ملائمة لاحتجاز المعتقلين ولا تفي بالمعايير الدولية الأساسية.

الدول التي رفضت السماح بعودة مواطنيها المحتجزين في مراكز الاعتقال هذه أو في المخيمات المزرية شمال شرق سوريا التي تضم أكثر من 100 ألف امرأة وطفل من أقارب المشتبه بانتمائهم إلى داعش، ونصفهم أجانب، بررت تركهم هناك بوجود مخاوف متصلة بالأمن القومي، وعدم كفاية الأدلة على المقاضاة.  

تزعم السلطات المحلية أنها لا تملك البنية التحتية اللازمة لمقاضاة الأجانب المشتبه بانتمائهم إلى داعش بما يتماشى مع المعايير الدولية للإجراءات القانونية الواجبة. مع ذلك، نصّبت محاكم حاكمت آلاف السوريين المشتبه بانتمائهم إلى داعش في إجراءات قضائية معيبة. لكن لم تعترف لا الحكومة السورية ولا المجتمع الدولي - بما في ذلك الشركاء الدوليون لإدارة الحكم الذاتي - بالمحاكم، مما يثير الشكوك حول مدى إنفاذ الأحكام.

تشترط "قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء" ("قواعد مانديلا") أن "تُوفَّر لجميع الغرف المعدَّة لاستخدام السجناء... جميع المتطلَّبات الصحية، مع الحرص على مراعاة الظروف المناخية، وخصوصا من حيث حجم الهواء والمساحة الدنيا المخصَّصة لكلِّ سجين والإضاءة والتدفئة والتهوية". وأيضا "يجب أن تكون المراحيض كافية لتمكين كلِّ سجين من قضاء حاجاته الطبيعية عند الضرورة وبصورة نظيفة ولائقة"، و "أن تتوفَّر مرافق الاستحمام والاغتسال بالدش".

ينبغي لإدارة الحكم الذاتي التوقف عن احتجاز الأطفال فقط لانتمائهم المحتمل لداعش. ينبغي معاملة الأطفال المرتبطين بجماعات مسلحة كضحايا يحتاجون إلى المساعدة على صعيد إعادة التأهيل وإعادة دمجهم في المجتمع. ينبغي معاملة الأطفال الذين ارتكبوا جرائم عنف أخرى وفقا للمعايير الدولية لقضاء الأحداث، واحتجازهم كحلّ أخير. يجب دائما احتجاز الأطفال المشتبه فيهم بمعزل عن البالغين، ما لم يكن عدم الفصل من مصلحة الطفل الفضلى.

بالإضافة إلى ضمان قدرة مواطنيها العالقين في شمال شرق سوريا على العودة فورا إلى بلدان تضمن الامتثال للإجراءات القانونية السليمة، على الدول، بما في ذلك الأعضاء في التحالف الدولي ضد داعش، أن تضغط وتقدم الدعم لسلطات الاحتجاز لإنهاء الظروف اللاإنسانية بالنسبة للمحتجزين الذين لا يمكن إعادتهم فورا إلى بلادهم أو لا يمكن إعادة توطينهم قسرا من دون أن يتعرضوا لخطر التعذيب أو سوء المعاملة، بمن فيهم مواطني العراق. على سلطات الاحتجاز أن تضمن يكون احتجاز أي شخص لديها بحسب القانون، بما يشم المراجعة القانونية الفورية لكل محتجز لضمان قانونية وضرورة الاحتجاز، وضمان عدم احتجاز أي كان في ظروف لاإنسانية أو مهينة.

بموجب "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، يجب أن يُعرض أي شخص يُحتجز للاشتباه في ارتكابه جرائم جنائية على قاضٍ أو سلطة مكافئة بصلاحية الإفراج عنه. ينبغي عرض أي شخص محتجز على محكمة في غضون فترة زمنية معقولة أو الإفراج عنه. قالت "لجنة حقوق الإنسان" الأممية، التي تفسر العهد، إن الحق في إجراء مراجعة قضائية للاحتجاز يُطبّق في جميع الأوقات، بما في ذلك في حالات الطوارئ.

يجب على التحالف بقيادة الولايات المتحدة والدول التي لديها مواطنين محتجزين في شمال شرق سوريا، توفير الدعم المالي والفني لسلطات الاحتجاز، بانتظار إعادة السجناء غير السوريين إلى أوطانهم أو إعادة توطينهم في بلدان أخرى لا يتعرضون فيها لخطر التعذيب أو سوء المعاملة أو المحاكمات الجائرة. ينبغي استخدام التمويل للتأكد من قيام السلطات بإيواء جميع المحتجزين في السجون الرسمية التي أنشِأت لاستيعابهم والتي تمتثل للمعايير الدولية الأساسية بما في ذلك تلك المتصلة بقضاء الأحداث.

قالت تايلر: "التذرّع بأن هؤلاء المحتجزين يُشتبَه بانتمائهم إلى داعش لا يعطي دولهم الأصلية مبررا لتجاهلهم. إذا لم تتحسن الظروف في هذه السجون، قد تُصبح مخاوف البلدان الأصلية من عودة التطرف وداعش حقيقة".