تحذير حول الألغام مكتوب على الجدار الخارجي لمبنى في الرقة، سوريا، 21 يناير/كانون الثاني 2018.

© Human Rights Watch
 

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن العبوات الناسفة قتلت وجرحت مئات المدنيين، بينهم أكثر من 150 طفلا، في الرقة في سوريا منذ طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا باسم "داعش") من المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

زرع داعش خلال سيطرته على المدينة، ألغاما مضادة للأفراد، المعروفة أكثر باسم العبوات الناسفة. يبدو أن معظم هذه الألغام تنفجر لدى ملامستها الضحية، ولذلك هي محظورة بموجب القانون الدولي.

قال نديم حوري، مدير قسم الإرهاب ومكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش: "اعتبرت هزيمة داعش في الرقة انتصارا عالميا، ولكن لم يرتقِ الدعم الدولي للتعامل مع آثار المعركة، لا سيما الألغام القاتلة، إلى مستوى التحدي. قتلت الألغام وجرحت مئات المدنيين، وستزداد الأرقام على الأرجح مع عودة المزيد من النازحين".

جمعت هيومن رايتس ووتش، خلال زيارتها إلى المدينة أواخر يناير/كانون الثاني 2018، معلومات من "الهلال الأحمر الكردي" والمنظمات الطبية الدولية العاملة في المنطقة. وجدت أنه بين 21 أكتوبر/تشرين الأول 2017 و20 يناير/كانون الثاني 2018، أصابت الألغام ما لا يقل عن 491 شخصا، بينهم 157 طفلا، وقتلت أغلبهم. من المؤكد أن العدد الفعلي للضحايا أعلى بكثير نظرا لوفاة الكثيرين قبل تلقيهم أي مساعدة طبية وعدم توثيق هذه الحالات بالضرورة.

تبرع بعض أعضاء التحالف ضد داعش بالأموال اللازمة لجهود إزالة الألغام، وخصوصا لتطهير "البنية التحتية الحيوية". لكن السلطات المحلية ومقدمي الخدمات الطبية في الرقة أعربوا عن قلقهم إزاء جهودهم المحدودة لمسح المناطق السكنية، وقالوا إن هناك نقصا في معدات وخبرات إزالة الألغام. دفع هذا الوضع سكان الرقة إلى تقديم أموال لسكان محليين، بلا تأهيل أو معدات، للمخاطرة بحياتهم لإزالة الألغام من المنازل.

بحسب السلطات المحلية، عادت أكثر من 14,500 أسرة إلى الرقة، لا سيما في الأحياء الواقعة في ضواحي المدينة، مثل المشلب، بحلول 20 ديسمبر/كانون الأول 2017. تتوقع السلطات استمرار عودة أعداد أكبر، رغم ارتفاع مستوى التلوث بالألغام ومحدودية الخدمات المتاحة في المدينة المتضررة بشدة.

أصدر "مجلس الرقة المدني"، المسؤول عن المدينة، توجيها في 21 نوفمبر/تشرين الثاني يحث الناس على عدم العودة إلى ديارهم قبل تطهيرها من الألغام والعبوات الناسفة. لكن العديد من السكان المحليين ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش قالوا إنهم عادوا للتحقق من منازلهم، رغم المخاطر، لخوفهم من نهبها أو لعدم رغبتهم في البقاء في مخيمات النازحين.

قال السكان إن أقاربهم وجيرانهم أصيبوا بجراح بسبب عبوات ناسفة انفجرت لفتحهم ثلاجة أو غسالة أو لنقلهم شوالا من السكر أو لدفعهم ببساطة باب غرفة نوم مفتوح. تظهر هذه الحالات أن إصابة معظم الضحايا أو مقتلهم جاء بما يبدو وكأنه عبوة ناسفة معدة يدويا تنفجر لدى ملامسة الضحية، بدلا من السيارات المفخخة أو التفجير عن بعد.

ملصق يحذر من خطر مخلفات الحرب من المتفجرات على دوار في الرقة، سوريا، 21 يناير/كانون الثاني 2018.

© Human Rights Watch

العبوات الناسفة المعدة يدويا التي تنفجر بوجود شخص أو اقترابه منها أو ملامسته إياها تندرج تحت تعريف الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وهي محظورة بموجب "معاهدة حظر الألغام عام 1997". تمنع المعاهدة استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد تحت أي ظرف من الظروف، ويُمنع استخدامها حتى لو وُصفت كعبوات ناسفة أو شراك خداعية. لم تنضم سوريا إلى المعاهدة.

وفقا لمنظمة لإزالة الألغام تعمل في الرقة، هناك مفتاح أو مفجر شائع يستخدمه داعش يعتمد على أجهزة استشعار خاملة بالأشعة تحت الحمراء، وهو جهاز استشعار إلكتروني يقيس ضوء الأشعة تحت الحمراء القادمة من أشياء تقع في مجاله وينفجر حالما يمر شخص ما عبر منطقة معينة. أشارت المجموعة إلى أنه عُثر على مثل هذه العبوات الناسفة في "مداخل الأبنية، تحت الأدراج، أكوام الحطام، على الطرقات، ضمن الأنقاض، وحتى مدفونة في الحقول".

دعمت الولايات المتحدة وباقي أعضاء التحالف الدولي المناهض لتنظيم داعش، بما في ذلك المملكة المتحدة، ألمانيا، هولندا، وفرنسا، أو وعدت بدعم جهود إزالة الألغام، وبخاصة مسح "مواقع البنية التحتية الحيوية"، إضافة إلى تدريب السكان المحليين على تولي عاتق تطهير المناطق السكنية. لكن الطلب المحلي على إزالة الألغام يفوق الخدمات المقدمة بكثير.

أشار أحد أعضاء المجلس المدني في الرقة إلى أنه يمكن للأسر الطلب من مجلس الحي المحلي تفتيش منازلها قبل عودتها، إلا أن الطلبات تفوق القدرات الحالية. في أحد أحياء الرقة لوحده، ذكر المجلس المحلي تلقيه حوالي 10 طلبات تفتيش منازل يوميا، في حين قال إن قدرة السلطات المحلية على الاستجابة محدودة بـ10 مهام تطهير أسبوعيا في كامل المدينة.

دفع هذا التباين العديد من السكان المحليين لتعيين شخص ما لمسح منازلهم. شاهدت هيومن رايتس ووتش خلال زيارتها شبانا يقفون في الشوارع لتقديم خدماتهم لتفتيش المنازل وإزالة الأنقاض مخاطرين بأرواحهم. قال أحد السكان المحليين إنه دفع 25 ألف ليرة سورية (حوالي 50 دولارا) لرجل لتفتيش منزله. أضاف "كأنها لعبة روليت روسية، لكن حاجة هؤلاء الشباب للمال ماسّة".

تبذل جهود ظاهرة لتثقيف السكان بشأن مخاطر الألغام في المدينة، فهناك ملصقات على التقاطعات الرئيسية والمباني الإدارية، لكن لا يزال العديد من السكان يتعرضون للخطر من خلال العودة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الجهات المانحة الدولية جعل إزالة الألغام والتثقيف حول مخاطر الألغام أولوية لحماية الناس من هذه الوفيات والإصابات التي يمكن تجنبها. على البلدان المجاورة لسوريا تسهيل وصول منظمات إزالة الألغام وتقديم المساعدة الإنسانية للناجين.

قال حوري: "خلال زيارة الرقة، كان هناك تناقض مدهش بين الدعم الدولي لهزيمة داعش عسكريا والدعم المحدود لما بعد الهزيمة. إذا لم يتغير الوضع، سيستمر إرث داعش من الألغام الأرضية القاتلة لسنوات".

هيومن رايتس ووتش عضو مؤسس في "الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية"، التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1997 لجهودها الرامية إلى تحقيق معاهدة حظر الألغام ومساهماتها في دبلوماسية دولية جديدة على أساس الضرورات الإنسانية.