(تونس) – إن القانون التونسي الذي يجرّم المثلية تمييزي ويتسبب في اعتداء الشرطة على المثليين والذين يُنظر إليهم على أنهم مثليون.

متظاهرون يرفعون أعلاما تونسية وعلما بألوان قوس قزح أثناء مسيرة ضدّ الإرهاب على هامش المنتدى الاجتماعي العالمي – تونس، مارس 2015.

©جمعية موجودين

حاكمت تونس ما لا يقل عن 7 رجال بسبب علاقات جنسية مثلية في قضيتين بارزتين على امتداد الأشهر الستة الماضية. أدينوا جميعا بموجب الفصل 230 من "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات) الذي يُجرم "اللواط" ويفرض عليه عقوبة بالسجن تصل إلى 3 سنوات. قابلت هيومن رايتس ووتش 5 من الرجال الذين حوكموا، وقالوا جميعا إن الشرطة مارست في حقهم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الضرب والاجبار على إجراء فحوص شرجية والمعاملة المهينة.

قالت آمنة القلالي، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس: "لا يحق للحكومة التونسية التدخل في السلوك الجنسي الخاص بالأفراد وتعنيفهم وإهانتهم بحجة تطبيق قانون تمييزي. على تونس إلغاء هذه القوانين البالية من تشريعاتها، ومحاسبة أعوان الشرطة الذين اساؤوا معاملة هؤلاء الاشخاص".

لا يحق للحكومة التونسية التدخل في السلوك الجنسي الخاص بالأفراد وتعنيفهم وإهانتهم بحجة تطبيق قانون تمييزي. على تونس إلغاء هذه القوانين البالية من تشريعاتها، ومحاسبة أعوان الشرطة الذين اساؤوا معاملة هؤلاء الاشخاص

آمنة القلالي

مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة اتخاذ الخطوات الكفيلة بإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية وإصدار توجيهات فورية للكف عن استخدام الفحوص الشرجية ضمن إجراءات التحقيق التي تقوم بها الشرطة للتأكد من السلوك الجنسي للأفراد. عليها أيضا التحقيق في مزاعم سوء المعاملة، بما يشمل إنشاء آلية تظلم سرية لجميع الحالات التي تشوبها انتهاكات للشرطة.

في سبتمبر/أيلول 2015، اعتقلت الشرطة "مروان" (22 سنة)، وهو طالب تم تغيير اسمه لحمايته، في سوسة، التي تبعد 120 كلم عن تونس العاصمة. قضت المحكمة الابتدائية بسوسة بسجنه لمدة سنة بتهمة اللواط، واعتمدت جزئيا في حكمها على تقرير طبي صدر بعد فحص شرجي معيب جدا.

في حالة أخرى وثقتها هيومن رايتس ووتش، أوقفت الشرطة 6 طلاب في القيروان، 166 كلم عن تونس العاصمة، في شقتهم الجامعية في ديسمبر/كانون الأول بتهمة اللواط، وأخضعتهم للفحص الشرجي. في 10 ديسمبر/كانون الأول، قضت المحكمة الابتدائية بالقيروان بسجنهم لمدة 3 سنوات، وأمرت بإبعادهم عن القيروان لـ 3 سنوات إضافية.

خففت محكمة الاستئناف بسوسة العقوبات الصادرة في القضيتين – إلى شهرين في القضية الأولى وشهر واحد في الثانية. ولكن بقيت الإدانات مدونة في السجلات القضائية لهؤلاء الرجال بعد أن أتموا عقوباتهم في السجن.

قابلت هيومن رايتس ووتش 4 من طلاب القيروان الستة بشكل منفصل بعد أن أطلق سراحهم مؤقتا من السجن على ذمة جلسة الاستئناف. كما قابلت مروان، الذي أفرج عنه بعد شهرين، وقابلت محاميي الرجال، و3 ناشطين في جمعيات تعنى بحقوق الأقليات الجنسية – ومختصين في الطب الشرعي مطلعين على استخدام الفحوص الشرجية في تونس. حللت هيومن رايتس ووتش أيضا الاحكام الصادرة في الطور الابتدائي ومحاضر تحقيقات الشرطة وتقارير الطب الشرعي في 5 من هذه القضايا.

تحدث الشباب عن انتهاكات متعددة ارتكبتها الشرطة – من لحظة القبض عليهم حتى إطلاق سراحهم – وشملت ملاحظات مهينة وحاطة من الكرامة حول توجهاتهم المثلية المزعومة، والضرب في مراكز الشرطة والسجن.

كما تحدثوا عن خضوعهم لفحوص شرجية من قبل مختصين في الطب الشرعي بهدف الحصول على "دليل" على سلوكهم الجنسي. بحسب "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، الفحوص الشرجية ليس لها قيمة طبية أو علمية لتأكيد حصول علاقة جنسية بالتراضي من عدمه. إضافة إلى ذلك، تعتبر هذه الفحوص شكلا من أشكال التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة واللاإنسانية، وهي محظورة بموجب "اتفاقية مناهضة التعذيب" و"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" و"الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب".

قال الرجال الخمسة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يعانون من صدمة بسبب الضرب والإهانة والفحوص الشرجية. كما قال 4 منهم على الأقل إنهم صاروا منبوذين من عائلاتهم والمجتمع. قال أحد الطلاب، في سياق حديثه عن تجربته: "الألم الجسدي يُنسى، ولكن الألم النفسي لا يُمحى".

تعتبر الملاحقات القضائية للعلاقات الجنسية الخاصة التي تتم بين بالغين بالتراضي انتهاكا للحقوق المتعلقة بالخصوصية وعدم التمييز التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتونس طرف فيه. "لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة"، ومهمتها مراقبة التزام الدول بالعهد، أكدت بوضوح وفي مناسبات متعددة أن التوجه الجنسي وضع محميّ من التمييز بموجب أحكام العهد. كما خلص "فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي" إلى أن إيقاف الأشخاص بسبب سلوك جنسي مثلي حصل بين بالغين بالتراضي يُعتبر من حيث التعريف عملا تعسفيا.

هذه الحقوق مكفولة في الدستور التونسي لسنة 2014، الذي ينص الفصل 24 منه على أن تحمي الدولة الحق في الحياة الخاصة وحُرمة المسكن. كما ينص الفصل 21 على أن "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهُم سواء أمام القانون من غير تمييز". الفصل 23 أيضا يحظر "التعذيب المعنوي والمادي".  

تعرض نشطاء تونسيون ممن أدانوا هذه المحاكمات علنا إلى محاولات اسكات. في 4 يناير/كانون الثاني 2016، أعلمت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة "جمعية شمس"، المسجلة لدى الحكومة منذ مايو/أيار 2015 كجمعية تعمل على مساندة الأقليات الجنسية، أن المحكمة علقت أنشطتها لمدة 30 يوما. جاء التعليق عقب دعوى رفعها الكاتب العام للحكومة، الذي أرسل في ديسمبر/كانون الأول تحذيرا للجمعية بالكف عن انتهاكاتها المزعومة لقانون الجمعيات بعد أن أدان الكاتب العام للجمعية علنا الملاحقات المتعلقة بالعلاقات الجنسية المثلية. في 23 فبراير/شباط، أسقطت المحكمة الإدارية القرار، وألغت تعليق نشاطات الجمعية.

قالت آمنة القلالي: "التعامل المسيء مع هؤلاء الطلاب لمجرد الاشتباه في كونهم مثليين يُلقي بضلاله على التقدم الذي أحرزته تونس في حقوق الإنسان الأخرى منذ الثورة. على الشرطة الكف عن تجريد الأشخاص من كرامتهم بسبب ميولهم الجنسية".

محاكمة "مروان"

كان مروان طالبا يُساعد نفسه بالعمل في محل للملابس في سوسة. في 6 سبتمبر/أيلول، استدعته شرطة حمام سوسة، بلدة مجاورة لسوسة، لاستجوابه كشاهد بعد أن وجدت رقم هاتفه مسجلا في هاتف رجل قتل قبل ذلك بأسبوع. قال مروان لـ هيومن رايتس ووتش إن رقم هاتف هذا الرجل كان ضمن أرقام أشخاص آخرين اتصل بهم من مكان عمله لإعلامهم – كزبائن منتظمين – بتخفيضات خاصة في محل الملابس.

ظن مروان في البداية أن الشرطة تستجوبه حول علاقته بجريمة القتل، ولكن التحقيق فجأة تحول إلى ميوله الجنسي.

اقتادوني إلى غرفة فيها 6 أو 7 أعوان شرطة. بدؤوا يستجوبونني وأعلموني أن الرجل مات. قلت لهم: "تعالوا معي إلى المحل وستتأكدون أنني كنت في العمل لما قتل، فأنا لم أغادر المحل، وكاميرات المراقبة تشهد على ذلك". لكن شرطيا قال لي: "أنا لا أكترث لذلك".

ثم شرعوا يسألونني: "ما هو فارق العمر بينكما؟ كيف تعرفت على هذا الرجل العجوز؟". قلت لهم: "ما هذه الأسئلة؟" فصاروا يصفعونني. لم أفهم كيف حصل ذلك، لأنهم لم يقبضوا عليّ بصدد القيام بشيء ما، ولكنني وجدت نفسي في تلك الوضعية.

صفعوني على وجهي عديد المرات، وقالوا لي: "إن لم تتكلم، سنستخدم معك أساليب أخرى. سنجعلك تجلس على زجاجة فانتا" [كانت هذه الطريقة منتشرة في تونس وتتمثل في إجلاس شخص على زجاجة مشروبات غازية]. وهددوني قائلين: "سنعتدي عليك، وسنغتصبك".

قال لي أحد أعوان الشرطة: "إن اعترفت أنك مثلي ولك علاقة بهذا الرجل، لن نتهمك بالمشاركة في قتله. هذا في صالحك". اعتقدت أنه صادق وأنه سيطلق سراحي، فاخترعت قصة حول علاقتي بالرجل.

ولكن الشرطة حبست مروان على ذمة المحاكمة بدل أن تفرج عنه، وبقي في ذلك الوضع 3 أيام، دون أن يعلم طبيعة التهم الموجهة إليه. بعد يومين من جلسة التحقيق الأولى، اقتادته الشرطة إلى "مستشفى فرحات حشاد" في سوسة، وأخذته إلى غرفة الفحص، وهناك أعلمه طبيب أنه سيفحصه ليتأكد مما إذا كان يوجد "سائل منوي للرجل الذي قتل". ولأنه اعتقد أن الفحص ربما يُبرئه من تهمة العلاقة الجنسية مع الضحية، لم يُمانع مروان من إجرائه. ولكنه قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الفحص كان "قاسيا جدا بالنسبة إليه".

طلب مني الطبيب أن أخلع كل ملابسي وأصعد على طاولة الفحص، وأمرني بالانحناء إلى الأمام. لم تكن الشرطة معنا في الغرفة. كانت توجد فقط طبيبتان متدربتان. أدخل الطبيب اصبعه في شرجي، وراح يحركه، والامرأتان تشاهدان ما يحصل.

الطبيب لم يخبر مروان "بنتائج" الفحص، ولم يشرح له أنه لم يُجرى للتأكد من وجود سائل منوي للضحية، وانما لاستخدامه في المحكمة كدليل عام على سلوكه المثلي.

قال مروان إنه نقل بعد 12 يوما للمحاكمة في المحكمة الابتدائية بسوسة، فقضت بسجنه لمدة سنة. وفي 17 ديسمبر/كانون الأول، خففت محكمة الاستئناف بسوسة العقوبة إلى شهرين – وهي المدة التي كان مروان قد قضاها رهن الاحتجاز – وغرامة مالية قدرها 300 دينار (145 دولار أمريكي). استأنف مروان الحكم الثاني لدى محكمة التعقيب.

راجعت هيومن رايتس ووتش وثائق من هذه القضية. يقول تقرير الطب الشرعي، الذي أعده طبيب مساعد في مستشفى فرحات حشاد في سوسة، إنه استلم طلبا من الشرطة العدلية في حمام سوسة للتأكد مما إذا كان المشتبه فيه "يحمل علامات شذوذ".

نص الحكم المؤرخ في 22 سبتمبر/أيلول – الذي أدان مروان – واعتمد جزئيا على محضر الشرطة الذي ذكر أنه اعترف باللواط. تجاهل القاضي زعم مروان أنه أدلى باعترافات خاطئة تحت الإكراه والترهيب. كما اعتمد القاضي على تقرير الطب الشرعي كدليل إضافي للحكم عليه بالسجن لمدة سنة.

"مجموعة الستة في القيروان"

في 10 ديسمبر/كانون الأول، قضت المحكمة الابتدائية بالقيروان بسجن الطلاب الستة لمدة 3 سنوات، و"ابعادهم" عن القيروان لـ 3 سنوات إضافية بتهمة اللواط. وفي 3 مارس/آذار، خففت محكمة الاستئناف بسوسة العقوبة إلى السجن لمدة شهر واحد، التي كانوا قد أنهوها، وغرامة مالية بـ 400 دينار (195 دولار)، وألغت قرار الإبعاد.

قال الرجال الأربعة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إن الشرطة قدمت في 4 ديسمبر/كانون الأول إلى سكنهم الجامعي في رقادة، قرب القيروان، للبحث عن شاب من تونس العاصمة كانت عائلته قد بلّغت عن احتفائه. نشر والداه إعلانا على التلفزيون مصحوبا بصورته طلبا للإدلاء بمعلومات عنه خوفا من أن يكون قد غادر تونس للالتحاق بجماعة إسلامية مقاتلة. وكان أحد الحراس قد استدعى الشرطة لما شاهد هذا الشاب صحبة طالب من جامعة القيروان. كان الشاب يعيش مع أصدقائه.

عثرت الشرطة على هذا الشاب في الشقة حوالي الساعة 7 من مساء 4 ديسمبر/كانون الأول مع طالبين كانا قد استأجراها مع صديقين آخرين. قال الطلاب لـ هيومن رايتس ووتش إن أعوان شرطة في ملابس مدنية قدموا إلى الشقة وتعرفوا على الشاب الذي كانوا يبحثون عنه، وفتشوا المكان فوجود حاسوبا محمولا وفساتين وأحذية بكعب عال. اقتادوا الرجال الخمسة إلى مركز شرطة رقادة، ومعهم صديق سادس قبضوا عليه في الدرج بينما كان قادما لزيارتهم.

ذكر محضر الشرطة أن أحد الأعوان قال إنه قبض على الطلاب الستة بعد أن وصلته معلومات مفادها أن "عددا من المثليين يستخدمون منزلا في القيروان لممارسة اللواط". كما قال العون إنه لما دخل المنزل، وجد الطلاب في "وضع عادي"، وإنه صادر جهاز حاسوب محمول وفساتين وواقي ذكري غير مستعمل. قال أيضا إن جهاز الحاسوب فيه مقاطع فيديو لعلاقات مثلية إباحية، ولكن ليس للرجال الذي اعتقلوا.

تم تغيير جميع الأسماء في الرواية التالية لحماية خصوصية الطلاب.

  • انتهاكات في مركز الشرطة

قال الطلاب الأربعة إنهم استجوبوا بشكل جماعي في البداية في مركز الشرطة. قال جمال:

سألونا لماذا جئنا جميعا من تونس العاصمة واجتمعنا في رقادة، ثم فتحوا جهاز الحاسوب وشاهدوا المقاطع الإباحية وشرعوا يسألوننا عن سلوكنا الجنسي. وصفوني بـ "الميبون" [مصطلح مهين يُوجه للمثليين]، وقالوا لي: "جئت لتنشر ممارساتك الفاسدة في القيروان". قالوا لنا إننا مثليون، فأنكرنا ذلك وقلنا لهم ليس لنا علاقات مثلية، فبدؤوا يصفعوننا ويضربوننا ويركلوننا.

قال الطلاب الأربعة لـ هيومن رايتس ووتش إن أعوان الشرطة خوفوهم بشكل مستمر أثناء الاستجواب، وأهانوهم باستخدام عبارات مهينة يوصف بها المثليون.

قال جمال إنه كان يرتدي فقط ملابسه الداخلية وقميص عندما قُبض عليه. قال إنه بقي في تلك الملابس طيلة فترة الحبس، حتى 10 ديسمبر/كانون الأول. كما قال إن أحد أعوان الشرطة طلب منه خلع سرواله الداخلي ليرى ما إذا كان شعر عضوه التناسلي محلوقا.

لمين – طالب آخر – قال:

استجوبني شرطيان، وسألاني ما إذا كنت منتميا لجمعية شمس فأنكرت. ولكن بعد أن أطلق سراحي وتمكنت من قراءة محظر الاستجواب، اكتشفت أن الإجابة التي دوناها هي "نعم". لما طُلب مني التوقيع على المحضر، طلبت منهما قراءته، ولكنهما رفضا وأجبراني على التوقيع. أثناء الاستجواب سألاني: "مع أي طالب كنت تنام؟ من تعرف في القيروان؟ من يشبهك؟ أنت "ميبون"، لماذا تنكر ذلك؟"

  • الاجبار على الفحوص الشرجية والضرب

قال الطلاب الأربعة إنهم أمضوا الليلة في مركز الإيقاف التابع لشرطة القيروان. وفي الصباح اقتادتهم الشرطة إلى المستشفى دون أن تعلمهم بالسبب. كان بعضهم يعتقدون أنهم سيخضعون لاختبار البول للتأكد مما إذا استهلكوا مخدرات. ولما وصلوا، شاهدوا يافطة "قسم الطب الشرعي" على جدار المستشفى.

قال عمار – أحد الطلاب – إن الشرطة ضربته بعد أن حاول رفض إجراء الفحص الشرجي:

كنت أول من دخل إلى غرفة الطبيب. سألته: "ما هو الفحص؟"، فأجاب: "فحص شبيه بفحص المرأة" – وكان يعني فحص العذرية.

قلت له: "لا، لن أجري هذا الفحص"، فصرخ الشرطي في وجهي: "احترم الطبيب". قلت له: "أنا أحترم الطبيب، ولكنني أرفض الفحص"، فأمرني الشرطي بأن أكتب أنني رفضت الفحص، ففعلت.

أخذني الشرطي إلى حديقة صغيرة في الخارج وضربني. صفعني على وجهي ولكمني على كتفي وقال: "ستجري الفحص". لم يشاهد الطبيب ذلك، لكنه كان يعلم أنني أتعرض للضرب. دفعني الشرطي مرة أخرى داخل الغرفة وقال للطبيب: "سيجري الفحص".

طلب مني الشرطي أن أكتب على ورقة أخرى أنني أوافق على الفحص.

طلب مني الطبيب الصعود على طاولة الفحص، وقال لي: "اركع وكأنك تصلي" [وضع الانحناء أثناء الصلاة]. نزعت سروالي وصعدت على الطاولة.

أدخل الطبيب اصبعه في شرجي بعد أن وضع عليه كريما. سألني "هل أنت بخير الآن"، أجبته "لا، لست على ما يرام". كان ذلك مؤلما.

ثم أدخل في شرجي أنبوبا ليتأكد مما إذا كان يوجد سائل منوي. أدخل الأنبوب بعمق، وكان في طول الاصبع. شعرت بألم شديد، وأحسست كأنني حيوان، ولم أحظى بأي احترام. شعرت كأنه يغتصبني، وأنا أشعر بذلك إلى الآن. إن الأمر صعب جدا بالنسبة لي.

قال طالب آخر – اسمه قيس – إنه سمع عمار يصرخ عندما أخرجته الشرطة.

طلبت الشرطة من عمار الدخول إلى غرفة الفحص، ولكنه رفض. قلت للشرطي: "لا يحق لك ذلك، لماذا تفعلون هذا بنا؟ فأجابني: "لأنك ميبون".

قلت له: "ولكن الدستور يحمي الحرمة الجسدية"، فرد أحد الشرطيين "سأريك ماذا تعني هذه الحقوق".

وقع عمار على ورقة قال فيها إنه يرفض إجراء الفحص، فاقتاده الشرطيان إلى الخارج، وسمعتهم يضربانه. كان الطبيب واقفا يشاهد ما يحصل. سمعتهم يصفعونه، ثم أعادوه إلى غرفة الفحص.

قال إنه بعد أن شاهد صديقه يُضرب من قبل الشرطة، لم يستطع الرفض لأنه كان يخشى أن يُضرب أيضا:

أعطوني ورقة بيضاء وطلب مني الطبيب أن أكتب: "أنا الموقع أسفله، أقبل وأرخص للطبيب بأن يجري فحصا شرجيا لي". ثم قال لي الطبيب: "إن لم توقع، سأذكر في التقرير أنك مارست اللواط".

تحدث الطلاب الآخرون عن الفحص الشرجي بتفاصيل مماثلة، وقالوا إن الطبيب أدخل فيهم أنبوبا طويلا شفافا، بحجم القلم تقريبا، لاستخراج عينات على ما يبدو.

راجعت هيومن رايتس ووتش الإذن الصادر عن مدير الشرطة العدلية في مركز شرطة القيروان بتاريخ 5 ديسمبر/كانون الأول. طلب فيه من الطبيب الشرعي في "مستشفى ابن الجزار" بالقيروان أن يتأكد مما إذا كان كل طالب "معتادا على العلاقات الجنسية الشرجية، وإن كانت النتيجة إيجابية، يُرجى تحديد تاريخ آخر علاقة من هذا النوع".

راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا تقرير الطبيب الذي خلص إلى أنه "لا توجد علامات عنف على جسم الشخص المذكور. توجد علامات على علاقات مثلية سلبية فيها اختراق للشرج. وتوجد علامات على أن هذا الشخص حصل له اختراق شرجي بجسم صلب مثل القضيب عند الانتصاب، في الأيام القليلة الماضية".

يرفض مختصون في الطب الشرعي قابلتهم هيومن رايتس ووتش بشدة الزعم بأن الفحص الطبي يستطيع الكشف عن علامات لحصول علاقة جنسية شرجية بالتراضي. في خطاب وجهته لـ هيومن رايتس ووتش، قالت الدكتورة لورنا مارتن، أخصائية أولى ورئيسة قسم الطب الشرعي والسموم في "جامعة كايب تاون"، إنه "يستحيل التأكد من وجود اختراق شرجي مزمن، والحالة الوحيدة التي قد يكون فيها فحص الطب الشرعي مجديا هي الحالات التي يحدث فيها اختراق شرجي حاد وعنوة، حيث يُمكن ملاحظة بعض الجروح".

  • الأدلة المستخدمة في المحكمة

قال الطلاب إن القاضي سألهم أثناء المحاكمة في 10 ديسمبر/كانون الأول: "ماذا كنتم تفعلون؟ وفي أي وضعية وجدتكم الشرطة لما قبضت عليكم؟" كما قالوا إن القاضي أعلمهم أنه استنادا لتقارير الطب الشرعي الستة – التي كانت متطابقة – فقد كانت لهم علاقات جنسية تلك الليلة مع بعضهم البعض أو مع شخص آخر. استخدم التقرير الطبي والفساتين التي عثر عليها في الشقة كأدلة.

قال لمين:

أثناء المحاكمة، سألني القاضي: "هل أنت مثلي؟"، فأجبته: "نعم، ولكن لم تكن لي علاقات جنسية منذ 3 سنوات". قال القاضي: "لا، هذا ليس صحيحا لأن الفحص الشرجي أثبت أنك أقمت علاقات مؤخرا". كما سألني عن جهاز الحاسوب ومقاطع الفيديو وقال: "أنت جئت للقيروان لتنشر شذوذك، مثل جمعية شمس".

قال جمال:

كان القاضي يستجوبنا ويسألنا عما إذا كنا نعرف بعضنا البعض، وما إذا كانت لنا علاقات جنسية فيما بيننا... قال لنا: "لماذا تفعلون هذا في عاصمة الإسلام؟" [عادة ما يُنظر إلى القيروان على أنها رابع مدينة مقدسة في الإسلام].

ذكر نص الحكم الصادر عن المحكمة بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول أن 4 طلاب اعترفوا أنهم مارسوا اللواط من حين لآخر في الماضي، ولكنهم أنكروا أنهم "متعودين عليه" وأنه كانت لهم علاقات جنسية مع بعضهم البعض. كما ذكر أن جريمة اللواط ثابتة بموجب الفصل 230 "لأن المتهمين معتادين على علاقات جنسية غير طبيعية يُدينها القانون".

ذكر نص الحكم كذلك أنه رغم إنكار أحد المتهمين إلا أن نتائج الفحص وحضوره في نفس المنزل مع "لواطيين" آخرين هي أدلة على إدانته. كما ذكر أن "المحكمة لن تنظر في ظروف التخفيف في هذه القضية. ولذلك قررت – بالنظر إلى أثر الجريمة على المجتمع – الحكم على كل متهم بأقصى عقوبة ينص عليها القانون لمعاقبتهم وردعهم على أعمالهم".

أما فيما يتعلق بإبعادهم عن القيروان، ذكر نص الحكم: "لأن المتهمين يمارسون اللواط بشكل جماعي، وهم قدموا إلى المدينة لنشر هذا الفحش، في محاولة واضحة لاستقطاب آخرين ونشر الرذيلة، والوقوف ضد تعاليم المجتمع وهويته، ولتجنب كل استفزاز أو ردة فعل، قررت المحكمة ابعادهم عن مدينة القيروان لمدة 3 سنوات".

  • الانتهاكات في السجن

أمضى الطلبة شهرا في سجن القيروان بعد أن أصدر وكيل الجمهورية (النائب العام) بالمحكمة الابتدائية بالقيروان مذكرة إيقاف في 8 ديسمبر/كانون الأول. قالوا إن حراس السجن شرعوا في ضربهم منذ وصولهم.

قال قيس:

بدؤوا يضربوننا. أوقفوننا بجانب الجدار وحلقوا لنا رؤوسنا. لم يفعلوا ذلك لبقية الموقوفين الذين جاؤوا في نفس اليوم من المحكمة. طلبوا منا الوقوف قبالة الجدار، وضربنا شرطي الواحد تلو الآخر وهو يقول: "هذه مؤخراتكم التي تنازلتم عنها". أثناء الحلاقة، كان أحدنا ينزف دما من أنفه بسبب الضغط النفسي، لكنهم استمروا في حلاقته. كان الحلاق أحد السجناء.

قال الطلاب إن الحراس أساؤوا معاملتهم وأهانوهم ورهبوهم. قال عمار:

كان حراس السجن يخرجوننا إلى فضاء مفتوح ويطلبون منا الرقص كالنساء. إن رفضنا، نتعرض للصفع. لقد أجبرت على القيام بذلك، لقد صفعوني وأرغموني على ذلك. أحد الحراس أخرج هراوة وكسرها على يدي لأنني رفضت الرقص. كانون يفعلون ذلك 3 أو 4 مرات في الأسبوع.

قال قيس:

عندما يشعر الحراس بالقلق، كانوا يأخذوننا إلى الخارج وأيدينا في الأغلال ويضربوننا. كانوا يهمزوننا بالهراوات من مؤخراتنا، لقد فعلوا ذلك لي. في الأيام العشرة أو الخمسة عشر الأولى، كانوا يفعلون ذلك كل يوم. كانوا يخرجوننا إلى الفناء وأيدينا مغلولة ويتركوننا هناك، ثم يأتي جميع الحراس ويصفعوننا.

  • الآثار المدمرة لهذه المحاكمات

رغم أن الرجال السبعة أطلق سراحهم، إلا ان كل من قابلناهم قالوا إن حياتهم تغيرت.

حاول عمار الانتحار مرتين في السجن بعد أن علم أنه سيسجن 3 سنوات. لما قابلته هيومن رايتس ووتش قال إنه مازال يعاني من الاكتئاب، ويرغب في الحصول على مساعدة من طبيب نفساني.

اعتبر الطلاب الفحوص الشرجية مؤلمة بشكل خاص. قال قيس: " الألم الجسدي يُنسى، ولكن الألم النفسي لا يُمحى".

أجبر جميع الطلاب على مغادرة الجامعة بعد أن صار يُنظر إليهم كمثليين ويتعرضون للتشويه في وسائل الإعلام. قيس، الذي يأمل في الحصول على الدكتوراه ليصبح أستاذا في الدراسات العربية، عاد إلى القيروان لاجتياز اختباره الأخير. ولكنه قال إنه عندما وصل إلى الجامعة، "بدأ الطلاب يهينونني ويقولون لي أخرج من القيروان. شعرت أنني لا أستطيع البقاء هناك".

العديد من الطلاب لقوا صدا من عائلاتهم. لما حاول لمين العودة إلى عائلته، مع صديقه جمال، اعتدى عليهما شقيقه بالضرب الشديد وطردهما من منزل العائلة. عندما قابلتهما هيومن رايتس ووتش، لم يكن لهما مسكن. واجه قيس وضعا مشابها:

كانت عائلتي تعلم أنني مثلي، وكانت تساندني. كانوا يزورونني كل أسبوع في السجن. ولما عدت إلى تونس، بقيت معهم 3 أيام، ولكن عائلتي الموسعة مارست بعد ذلك ضغطا على أبي فطردني.

طاب منه والده مغادرة منزل العائلة. لما قابلته هيومن رايتس ووتش، كان يعيش مع أحد أصدقائه. قال قيس: "لولا صديقي، لكنت الآن في الشارع".

التوصيات

  • على الحكومة إدانة الانتهاكات التي تطال جميع المحتجزين، بما في ذلك الموقوفين على أساس التوجه الجنسي المنسوب لهم، والتحقيق في مزاعم سوء المعاملة، بما يشمل إنشاء آلية تظلم سرية تنظر في جميع الانتهاكات التي ترتكبها الشرطة.
  • على الشرطة التونسية منع الأعوان من المعاملات التمييزية، بما يشمل الموقوفين على أساس توجهاتهم أو هويتهم الجنسية، ومحاسبة الأعوان المتورطين في معاملات تمييزية.
  • على وزارة العدل أن تحظر فورا الفحوص الشرجية للرجال المتهمين باللواط.
  • على "عمادة الأطباء التونسيين" إصدار منشور يأمر جميع الأطباء بعدم المشاركة في الفحوص الشرجية، التي تعتبر انتهاكا لأخلاقيات المهنة.
  • على البرلمان تعديل المجلة الجزائية بإلغاء الفصل 230 الذي يجرم السلوك الجنسي المثلي الذي يتم بالتراضي.