ضابط شرطة يستوقف دراجة بخارية عند نقطة تفتيش على طريق قرب مقر الشرطة في مدينة القيروان في 18 مايو/أيار 2013. قامت الحكومة التونسية يوم الجمعة بمنع جماعة أنصار الشريعة من تنظيم مظاهرة أسبوعية في مدينة القيروان بوسط تونس.

© 2013 رويترز

(تونس) ـ إن على المشرعين التونسيين تعديل مشروع قانون مكافحة الإرهاب بما يجعله متناسبًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بالمحاكمة العادلة، والحياة الشخصية، وحرية التعبير. وسيحلّ القانون الجديد محلّ قانون سنة 2003 الذي تم استخدامه لسنوات لسحق المعارضة من خلال التضييق على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع. وفي 7 يوليو/تموز 2014، أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريرًا قدمت فيه تحليلا مدققا للقانون وتوصيات بتعديله.

حافظ مشروع القانون على بعض الأحكام المثيرة للقلق الواردة في قانون 2003. كما تضمّن أحكامًا قد تفتح الطريق أمام محاكمات سياسية بتهمة الإرهاب، وتمنح القضاة سلطات مفرطة في العمل باجراءات استثنائية، وتُقيّد قدرة المحامي على الدفاع بطريقة فعالة. إضافة إلى ذلك، لا يضمن مشروع القانون وجود رقابة قضائية كافية على تدخل الشرطة في خصوصيات الأشخاص أثناء عمليات مكافحة الإرهاب.

قال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا : "أثبتت التجربة في العقد الماضي أن قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة، والتي لا تحتوي على ضمانات، قد تتسبب في انتهاكات جسيمة، وتغذي الكراهية، وتنتج عنها سلسلة من الانتهاكات الأخرى. ورغم أن الدول تتحمل مسؤولية منع الإرهاب ومعاقبة مرتكبيه، إلا أن ذلك لا يمنحها ترخيصًا للاعتداء على الحقوق الأساسية".

تبنت تونس سنة 2003، إبان حكم زين العابدين بن علي، قانونًا لمكافحة الإرهاب كثيرا ما كان محل انتقاد لأنه تضمن تعريفًا فضفاضًا للإرهاب، شمل أعمالا من قبيل "تعكير صفو النظام العام"، ونتج عنه محاكمة المعارضة السلمية. كما انتهك القانون حق المشتبه فيه بإعداد دفاع قانوني جيّد ، وذلك بتجريم عدم إعلام المحامي للسلطات بـ "معلومات تتعلق بأي نشاط إرهابي". يُذكر أن مشروع القانون الجديد يحتوي على أحكام مماثلة.

في فترة حكم بن علي، قامت السلطات بمحاكمة أكثر من ثلاثة آلاف شخص بموجب قانون الإرهاب. وتم توجيه تهم إلى بعض الأشخاص بسبب توجهاتهم الدينية، وأدينوا اعتمادًا على اعترافات انتزعت منهم تحت وطأة التعذيب. وقال مارتن شاينن، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، إن قانون 2003 "لم يمنح للتونسيين مزيدًا من الأمن، ولكنه استخدم بشكل واسع كأداة لقمع جميع أشكال المعارضة السياسية".

وفي يناير/كانون الثاني 2014، قدّم رئيس الحكومة مشروعًا جديدًا لقانون مكافحة الإرهاب، وهو الآن محل نقاش لجنة التشريع العام في المجلس الوطني التأسيسي، قبل أن يتم عرضه علي التصويت

 في جلسة عامة.

في الأشهر الماضية، نفذت مجموعات مسلحة عددًا من الهجمات على قوات الأمن والجيش في تونس. وأعلنت السلطات القضائية أنها وجهت تهمًا للأشخاص الذين تم اعتقالهم في عمليات مقاومة الإرهاب بموجب قانون سنة 2003.

ومنذ خلع بن علي، تسببت المجموعات المسلحة في قتل أكثر من 37 عنصرًا من قوات الأمن والقوات المسلحة التونسية، وإصابة 148 آخرين. وفي أحدث عملية من نوعها، قتل أربعة عناصر أمن، في هجوم على منزل وزير الداخلية في القصرين، وهي مدينة قريبة من الحدود مع الجزائر.

يتضمن مشروع القانون الجديد بعض التحسينات مقارنة بقانون 2003، فهو ينص على جبر ضحايا الإرهاب، بما في ذلك تمكينهم من الرعاية الصحية المجانية في المستشفيات العامة والمساعدة القضائية. كما ينص على إنشاء لجنة تتكون من ممثلين عن وزارات معينة، ويرأسها قاض، لرسم استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب، وتهدف إلى تجفيف منابعه عبر التعليم وغيره من الوسائل.

كما يمنع مشروع القانون السلطات من ترحيل أو تسليم شخص متهم بالإرهاب عندما توجد مخاطر ذات مصداقية بإمكانية تعرضه إلى التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية في بلد ما.

ولكن مشروع القانون حافظ على تعريف فضفاض وغامض لكل ما يُعتبر نشاطًا إرهابيًا، وهو ما قد يسمح للحكومة بقمع بعض الحريات المكفولة دوليًا. وعلى سبيل المثال، يسمح مشروع القانون باعتبار مظاهرة عامة عملا إرهابيًا إذا تسببت في "الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة" أو تعطيل المرافق العمومية.

سوف تسمح المصطلحات الفضفاضة من قبيل "الإشادة بالإرهاب" بإجراء محاكمات بسبب استعمال مصطلحات أو رموز تُعتبر مساندة للإرهاب، بغض النظر عما إذا كانت ستتسبب في أي أعمال عنف مادي. كما ستتسبب بعض الأحكام في تقويض حقوق إجراءات التقاضي السليمة، وذلك بمنح القضاة، على سبيل المثال، سلطات واسعة جدًا لإغلاق جلسات الاستماع واستدعاء شهود مجهولين.

لا توجد في مشروع القانون ضمانات كافية تمنع التدخل في الحق في الخصوصية عبر السماح بالمراقبة. وبدلا من إخضاع قرارات المراقبة لإشراف قضاة مستقلين، يسمح المشروع للنيابة العمومية باتخاذ القرارات المتعلقة بهذه الإجراءات، رغم أن القانون التونسي مازال ينص على أن النيابة العمومية تابعة للسلطة التنفيذية.

يتعين على المشرعين التونسيين إلغاء الجرائم الفضفاضة مثل "الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة"  أو "بوسائل النقل أو الاتصالات أو بالمنظومات المعلوماتية أو بالمرافق العمومية". كما يتعين عليهم تعريف جميع الجرائم بشكل دقيق في قوانين البلاد، بما في ذلك جريمة الإرهاب. يقول التقرير الذي أعدّه المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة أنه يجب أن يكون العنف الجسدي القاتل أو الخطير الذي يستهدف الجماهير بشكل عام، أو جزءً منها، عنصرًا مركزيًا في أي تعريف للإرهاب.

كما يجب أن يشمل التحريض على الإرهاب وجود نيّة محددة للتحريض على ارتكاب عمل إرهابي ووجود خطر ملموس بأن العمل سيُنفذ نتيجة لذلك. ويجب أيضا تعديل مشروع القانون لضمان الحقوق الأساسية في المحاكمة العادلة، مثل حق المتهمين في التعرف على الشهود الذين يشهدون ضدّهم، على أن يشمل هذا الحق كل شخص يواجه تهمًا تتعلق بالإرهاب، أو تهما بارتكاب جرائم خطيرة أخرى. كما يجب أن يضمن مشروع القانون حق المتهم في الطعن في الأدلة والشهود الرئيسيين ضدّه، وأن لا يتم إخفاء هوية الشهود إلا في حالات استثنائية.

ويجب أيضًا احترام الطبيعة المميزة للاتصالات بين المحامي وموكله، بما في ذلك ملفات المحامين، وعدم تجريم رفض الإفصاح عن هذه المعلومات المميزة.

وقال إريك غولدستين: "أصبحت تونس رائدة في المنطقة في مجال الإصلاحات المتعلقة بالحقوق، ويتعين عليها لعب نفس الدور في معركتها ضدّ الإرهاب. كثيرًا ما تم استخدام جهود مكافحة الإرهاب كذريعة لإخماد الانتقادات الشرعية".