مقابر ضحايا هجمة 18 سبتمبر/أيلول 2011 على غاتومبا في صدر الصورة، ونصب تذكاري لضحايا هجمة غاتومبا 2004 في الخلفية.

© 2011 Human Rights Watch

 

(بوجومبورا) – قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن أعداداً كبيرة من الناس قُتلوا في هجمات سياسية في بوروندي منذ نهاية عام 2010. أعمال القتل التي ارتكبت بعضها أجهزة الدولة وعناصر من الحزب الحاكم وارتكبت بعضها الآخر جماعات معارضة مسلحة، تعكس تفشي الإفلات من العقاب وعدم قدرة الدولة على حماية مواطنيها وعدم فعالية قضائها.

 

تقرير "لن تحظوا بالسلام وأنتم أحياء: تصاعد العنف السياسي في بوروندي" الذي جاء في 81 صفحة، يوثق أعمال القتل السياسي إثر انتخابات 2010 في بوروندي. أعمال القتل هذه، التي وصلت إلى ذروتها نحو منتصف عام 2011، كثيراً ما جاءت على شكل هجمات ثأرية ما بين أعضاء حزب المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية-قوات الدفاع عن الديمقراطية، وقوات التحرير الوطني المعارضة. في الأغلبية العظمى من الحالات، تم حرمان أهالي الضحايا من العدالة.

 

كما يوثق التقرير محاولات الحكومة البوروندية تقييد الإعلام المستقل وجهود المجتمع المدني للتنديد بالعنف.

 

وقال دانييل بيكيلى مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "الحزب الحاكم كانت لديه فرصة لأن يقود بروندى نحو بداية جديدة عقب انتخابات 2010. لكننا نرى استهدافاً ممنهجاً لمقاتلي المتمردين السابقين وأعضاء المعارضة السياسية. والكثير ممن رفضوا الرضوخ للضغط من أجل الانضمام إلى قوات الدفاع عن الديمقراطية، دفعوا الثمن حياتهم".

 

ودعت هيومن رايتس ووتش الحكومة وجماعات المعارضة إلى التنديد بأعمال القتل التي يرتكبها المنتمين لجماعاتهم ومناصريهم، وأن يتخذوا إجراءات لمنع وقوع المزيد من العنف. كما طالبت هيومن رايتس ووتش الحكومة بالتصدي لنمط القتل والتهديد بالقتل لأعضاء والأعضاء السابقين بالمعارضة، من قبل عناصر قوات الأمن والمخابرات، وجماعة قوات الدفاع عن الديمقراطية الشبابية المعروفة باسم "إمبونيراكور".

 

يستند التقرير إلى بحوث موسعة في بوروندي منذ مطلع عام 2011 وحتى مطلع 2012، ويستند إلى مقابلات عديدة مع الضحايا  وأهاليهم وشهود. كما يوفر التقرير رواية تفصيلية بأكثر الهجمات دموية في تلك الفترة ببلدة غاتومبا، حيث قُتل 37 شخصاً على الأقل في حانة، في سبتمبر/أيلول 2011.

 

يلقي التقرير الضوء على حالات عديدة لتهديد أفراد وإجبارهم على الاختباء وقتلهم، بسبب القناعات السياسية المتصورة عنهم. على سبيل المثال، قُتل أوداس فياني هابوناروغيرا، مقاتل جماعة التحرير الوطني المعارضة في يوليو/تموز 2011. قبل أيام من قتله قدم لـ هيومن رايتس ووتش وصفاً تفصيلياً عن كيفية مطاردته من قبل الشرطة والجيش وعملاء المخابرات.

 

كما وقع بعض أعضاء الحزب الحاكم ضحايا للتصفية الجسدية. فتم قتل باسكال نغينداكومانا وألبرت نتيرانيباغيرا، من صغار المسؤولين بقوات الدفاع عن الديمقراطية، في حانة في شهر أبريل/نيسان 2011 على يد أفراد يُعتقد أنهم من أعضاء التحرير الوطني. وقُتلت أيضاً فتاة صغيرة تصادف أنها كانت معهما.

 

على امتداد الفترة الأولى من عام 2011 حاولت الحكومة تقليص معدلات القتل، زاعمة أن أغلب هذه الأعمال من ارتكاب مجرمين عاديين وأن بوروندي في سلام. لكن الزيادة الحادة في العنف بدءاً من يوليو/تموز إثر هجمة سبتمبر/أيلول في غاتومبا، جعلت من المستحيل تصديق هذا الزعم.

 

وبدلاً من إجراء تحقيقات موسعة ومقاضاة المشتبه بهم كأولوية قصوى، سمحت الحكومة للأغلب من نفذوا أعمال القتل السياسي بالبقاء طلقاء، حتى عندما تعرف الشهود على بعض هؤلاء المعتدين المزعومين.

 

في إحدى الحالات التي مثل فيها المشتبه بهم أمام المحاكمة – هجمة غاتومبا – كانت الإجراءات معيبة للغاية. قال عدة مدعى عليهم في المحكمة إنهم تعرضوا للتعذيب، لكن يبدو أن القضاة لم يأخذوا هذا في اعتبارهم ولم يأمروا بالتحقيق في ادعاءات التعذيب. فضلاً عن ذلك، رفض القضاة استدعاء الأفراد الذين طلب الدفاع شهادتهم، ومنهم عدد من كبار مسؤولي الشرطة والمخابرات، والذين ـ وحسب قول المدعى عليهم ـ كانوا متورطين في الأحداث المؤدية إلى الهجمة. الثغرات في إجراءات القضية أدت لانسحاب محامين لـ 21 مدعى عليهم من قاعة المحكمة. وانتهت القضية في ظرف أيام قليلة.

 

هناك تقرير للجنة تقصي حقائق لم يُعلن عنه على الملأ، وقد أمرت الحكومة اللجنة بالتحقيق في هجمة غاتومبا، وانتهى التقرير في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

 

وقال بيكيلى: "حتى في الحالات النادرة التي يُحاكم فيها الناس، تقوض المثالب الجسيمة من نزاهة ومصداقية المحاكمة". وأضاف: "هذا يُشعر الناس بأن العدالة لم تُنجز".

 

غياب التحقيقات المستفيضة والملاحقات القضائية أديا إلى تراجع ثقة الرأي العام في النظام القضائي وإلى انعدام ثقة ضحايا العنف وعائلاتهم. أحد ضحايا هجوم غاتومبا قال لـ هيومن رايتس ووتش: "إنهم [السلطات] كثيراً ما يقولون إنهم سيحققون ثم لا يحدث شيئاً. نحن اعتدنا هذا". هذا النقص في الثقة بالشرطة ونظام العدالة من قبل الرأي العام قد يؤدي إلى تعطيل التحقيقات المستقبلية، إذ لا يشعر الشهود بأن المعلومات التي يقدمونها تفيد في شيء.

 

قامت الحكومة بمضايقة وترهيب الصحفيين ونشطاء المجتمع المدني، واتهمتهم بالانحياز إلى المعارضة، عندما تحدثوا عن وقائع القتل. بوب روغوريكا، رئيس تحرير محطة إذاعية مستقلة رائدة، هي راديو أفريقيا العام، تم استدعائه إلى مكتب النائب العام ثماني مرات بين يوليو/تموز ونوفمبر/تشرين الثاني 2011، للرد على أسئلة عن برامج المحطة الإذاعية. اتهمته السلطات بنشر معلومات "تحرض على الكراهية العرقية" و"تحريض السكان على العصيان المدني". فيما لم تُنسب له اتهامات رسمياً.

 

أما بيير كلافير مبونيمبا – رئيس منظمة APRODH لحقوق الإنسان – فقد انتقده بعض كبار المسؤولين الحكوميين حديثه علناً عن شائعات عن خطط للحكومة بالقضاء على عناصر المعارضة. وفي رسالة في فبراير/شباط اتهمه وزير الداخلية بعمل "حملة من المعلومات المغلوطة و"شيطنة" الحكومة وتحريض المواطنين على عدم الثقة بالسلطات" وهدده بعقوبات ضد المنظمة.

 

وقال بيكيلى: "للإعلام والمجتمع المدني في بوروندي الحق في العمل بحرية وفي تغطية أحداث العنف". وأضاف: " يبدو أن الحكومة تركز على مضايقة الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان الذين ينددون بالعنف، أكثر مما تتصدى للعنف نفسه وتضمن تقديم المسؤولين عنه للعدالة".

 

لاحظت هيومن رايتس ووتش وجود تحسن في الوضع الأمني ببوروندي في عام 2012 وتراجع في عدد عمليات القتل السياسي.

 

وقال بيكيلى: "هذه فرصة للحكومة البوروندية كي تتصدى للمشكلات الأساسية التى أدت إلى تصاعد العنف عام 2011 وأن تتخذ إجراءات فعالة لمنع المزيد من القتل".