(نيويورك) - قالت هيومن رايتس اليوم، إنه يجب على السلطات التونسية إلغاء إدانة الصحفيين توفيق بن بريك وزهير مخلوف بعد محاكمات جائرة وإطلاق سراحهم فورا. وأضافت، يتعين على الحكومة أيضا التحقيق في محاولة الاعتداء على صحفي آخر، هو سليم بوخذير، ووقف المضايقات التي يتعرض لها الصحفيون.

فمنذ إعادة انتخاب الرئيس زين العابدين بن علي للمرة الخامسة على التوالي في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2009، كثفت السلطات حملتها ضد الصحفيين الذين ينتقدون الحكومة. وعشية الانتخابات، حينما أسفرت النتائج الرسمية عن حصول زين العابدين بن علي على 89.62 في المائة من أصوات الناخبين، تعهد بن علي بمقاضاة جميع أولئك الذين شوهوا صورة تونس أو الذين أكدوا بدون دليل على أن الانتخابات كانت مزورة.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "زين العابدين بن علي بصدد حملة انتقامية لمعاقبة القلة من الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان الذين تجرأوا على انتقاد سجله خلال الانتخابات". وأضافت:"خلال الحملة الانتخابية، تعهد بأن تحترم إدارته حقوق الإنسان، ولكن يبدو أنها وعود زائفة".

ومنذ الانتخابات، قامت أيضا أجهزة الأمن بمضايقة عدة ناشطين في مجال حقوق الإنسان مع عمليات مراقبة مشددة، واعتقالات لفترات وجيزة وتهديدات، ومنعتهم من التحرك بحرية. من بينهم عبد الكريم هاروني من جمعية حرية وأنصاف، فضلا عن سهام بن سدرين، التي هي في نفس الوقت متحدثة باسم المجلس الوطني للحريات في تونس، إحدى منظمات حقوق الإنسان التي رفضت الحكومة الاعتراف بها، ومحررة بالمجلة على الإنترنت والمحطة الإذاعية "كلمة". ومنعت الشرطة في زي مدني بن سدرين من التحرك بحرية في الأماكن العمومية في أكثر من مرة، ومُنعت من ورشة يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول حول التغطية الإعلامية للانتخابات، فضلا عن منعها من زيارة بوخذير، وحضور محاكمة بن بريك.

 

الترصد وبعد ذلك محاكمة غير عادلة

كانت محكمة ابتدائية تونسية قد حكمت على بن بريك في 26 نوفمبر/تشرين الثاني بالحبس لستة أشهر بعد محاكمة استغرقت ثلاث ساعات، فيما يبدو أنه عملية ترصد واضحة. وكان رهن الاحتجاز منذ 29 أكتوبر/تشرين الأول، عندما مثل في مخفر الشرطة بتونس للرد على الاستدعاء يتهمه بالاعتداء على سائقة سيارة. وأدين بالاعتداء، والتشهير، وتدمير ممتلكات الآخرين، وانتهاك الآداب العامة.

وتنبع التهم من حادث بينما كان بن بريك ينتظر ابنته أمام مدرستها بعد ظهر يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول. وكانت التهمة الأولى ضرب سيارة المرأة، ثم الاعتداء عليها. بن بريك نفى ارتكاب أية مخالفات، ونشر تصريحات يقول فيها إن ما حدث كان من إعداد الشرطة للإيقاع به.

وخرقت مخالفات في محاكمته حقه في محاكمة عادلة وعلنية. على الرغم من أن عدداً من المراقبين الأجانب كانوا حاضرين، إلا أن الشرطة أبعدت الكثير من الناشطين في مجال حقوق الإنسان وأفراد عائلته.

ولم تكن المشكلة هي المقاعد المتاحة في قاعة المحكمة، حيث أن الأجهزة الأمنية منعت بن سدرين وزوجها عمر المستيري - كذلك في "كلمة" والمجلس الوطني للحريات -- قبل أن تصل إلى مقر المحكمة في ضاحية المرسى. أجهزة الأمن منعت من الدخول إلى تونس في مطار تونس- قرطاج محمد الحسني الإدريسي وحسين زهوان، محاميين مدافعين عن حقوق الإنسان من المغرب والجزائر على التوالي، الذين وصلا  في 18 نوفمبر/تشرين الثاني لحضور المحاكمة.

وقد حدت السلطات من إتاحة الدفاع لبن بريك، فمنعت اثنين من محاميه، نجيب الشابي وعياشي الهمامي، من زيارته في السجن في 2 نوفمبر/تشربن الثاني على الرغم من تصاريح المحكمة، مع أنه سُمح لهما بالدخول في مناسبات أخرى. ودون أي تفسير، رفضت المحكمة طلب المحامين تأجيل المحاكمة لإتاحة مزيد من الوقت لإعداد الدفاع.

قضية ضد بن بريك تستند إلى تصريح الشرطة التي نسبته إليه ولكنه يقول بأنه خاطئ ويحمل توقيعاً مزوراً. المحكمة لم تقبل طلبات الدفاع باستدعاء الشهود والمدعية حتى يمكن الطعن في شهادتها. ولم يسمح لأي من المحامين الرئيسيين الثلاثة لبن بريك، محمد عبو، راضية نصراوي، عياشي الهمامي، بعرض قضية الدفاع كاملة في المحكمة، وقاطع القاضي كل منهم بعد بيان مقتضب. وبعد نزاع مع فريق الدفاع على المسائل الإجرائية، علق القاضي المحاكمة. ولم يستأنف المحاكمة، ولكن بعد ذلك أعلن عن الحكم في الأسبوع التالي.

وبعد وقت قصير من إدانة بن بريك، نقلته السلطات إلى السجن سليانة على بعد 130 كم من منزل أسرته في تونس. وقدم التماسا بالإفراج المشروط في 10 نوفمبر/تشرين الثاني بناء على أسباب طبية؛ حيث يعاني من مرض نادر ُدعى داء كوشينغ. لكن تم رفض الطلب، وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدرت وزارة العدل بيانا يؤكد أنه يتلقى العناية اللازمة في السجن. ومنذ نقله إلى سجن سليانة، فلم يسمح لأي من محامي بن بريك بزيارته، على الرغم من أنه بصدد الاستئناف. وفي 7 ديسمبر/كانون الأول، اعترض ثلاثة من محاميي الدفاع أمام محكمة الاستئناف في تونس العاصمة؛ لأنهم حرموا من تصاريح لزيارة موكلهم، فمُنحوا تصاريح في اليوم التالي، ولكنهم ما زالوا ممنوعين من الدخول.

يعتبر بن بريك من المعارضين البارزين للحكومة التونسية، وكان آخر انتقاداته نشر سلسلة من المقالات في الصحافة الفرنسية أثناء الحملة الانتخابية سخر فيها من الرئيس زين العابدين بن علي، الشيء الذي يدعي الشابي، وهو محام، أنه السبب الحقيقي وراء إلقاء القبض على بن بريك. واحدة من هذه المقالات، التي نشرت في 21 أكتوبر/تشرين الأول في المجلة الفرنسية لو نوفيل أوبسرفاتور، كانت مقابلة وهمية ساخرة يتحدث فيها "زين العابدين بن علي" عن المحسوبية، والفساد، وقمع المعارضين.

 

تاريخ من الترصد

الحكومة التونسية لديها تاريخ في تقديم ادعاءات ضد الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان عن الاعتداء الجنسي، والتحرش، والبذاءة. في عام 1993، تم نشر صور إباحية يُزعم أنها لبن سدرين وبدأت بالانتشار في تونس العاصمة، في محاولة واضحة لتشويه سمعتها وتثبيطها عن مواصلة العمل في مجال حقوق الإنسان.

وفي نيسان/أبريل 2005، حكمت المحكمة على المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان، محمد عبو، بسنتين في السجن باتهامات ملفقة لاعتدائه على محامية في نفس اليوم الذي أدانته فيه محاكمة منفصلة بكتابة مقال "أهان السلطة القضائية" و"كان من شأنه أن يخل بالنظام العام".

وفي أيلول/ سبتمبر، اعتقلت الشرطة الناشط الحقوقي عبد الله الزواري بالقرب من جرجيس وكما يقول، تم تهديده بنشر فيلم زعموا أنه يبين تورطه في ممارسة جنسية، إذا هو لم يوقف نشاطه.

وقالت سارة ليا ويتسن: "محاولة تقديم المعارضين والناشطين في مجال حقوق الإنسان باعتبارهم منحلين أخلاقيا أو عنيفين هي مجرد خدعة من جانب الحكومة للتغطية على قمعها".

 

أحداث أخرى جديدة

صحفي آخر، هو زهير مخلوف، حُكم عليه في 1 ديسمبر/كانون الأول بالحبس لمدة ثلاثة أشهر وغرامة قدرها 6,000 دينار تونسي (4,600 دولار) بعد محاكمة جائرة. وأدانت المحكمة مخلوف بـ "الإضرار بطرف ثالث عن طريق شبكة اتصالات عمومية"، بموجب المادة 86 من قانون الاتصالات.

ويسهم مخلوف في الموقع الإلكتروني للحزب الديموقراطي التقدمي، وهو حزب معارض رسمي وقام بمقاطعة الانتخابات. وقد غطى مخلوف مختلف قضايا حقوق الإنسان على موقع Assabilonline.net، مثل محنة السجناء السياسيين وعائلاتهم.

وقبل فترة وجيزة من اعتقاله، أعد مخلوف ونشر شريط فيديو قصير على الانترنت يعرض تقريرا عن مكان بنابل حيث صناعة الفخار المحلية ساهمت في تدهور الأوضاع البيئية والصحية. واحد من الناس الذين جرت مقابلتهم، خزاف اسمه مراد لطهيب، رفع شكوى يتهم فيها مخلوف بتصويره دون موافقته، رغم أن شهود عيان يقولون إن لطهيب قد منح الإذن ليتم تصويره في المقابلة التي استغرقت أكثر من عشر دقائق.

مخلوف، واستجابة لأمر بالحضور، ذهب إلى مركز شرطة معمورة في 20 أكتوبر/تشرين الأول، حيث تم إلقاء القبض عليه.

مخلوف، الذي يعاني من مرض السكري، بدأ إضرابا عن الطعام في 21 أكتوبر/تشرين الأول احتجاجا على اعتقاله. في ذلك اليوم، رفضت إدارة سجن المرناقية السماح لمحامي مخلوف، فوزي بن جاب الله، بزيارته. وكلاء الأمن منعوا أيضا محام آخر، سيف الدين مخلوف، من زيارته يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني.

في جميع أطوار محاكمة مخلوف، أبقت الشرطة في محكمة الدرجة الأولى بقرمبالية معظم الناشطين في مجال حقوق الإنسان والمراقبين المحاكمة خارج قاعة المحكمة. في أول جلسة، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، كانت سهام بن سدرين من بين الذين منعوا من الدخول. في الجلسة الثانية، التي عقدت في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، حاصرت الشرطة المحكمة ورفضت دخول ما يقارب جميع نشطاء حقوق الإنسان وأعضاء منظمات المجتمع المدني. مارتن برادل، وهو محام معين لحضور المحاكمة من قبل مرصد حماية المدافعين عن حقوق الإنسان و الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان، كان من بين القليلين الذين سمح لهم بالدخول.  (برادل عين أيضا كمراقب من قبل هيئة المحامين بباريس ورابطة المحامين الدولية).

ولم تقبل المحكمة أي من الطلبات التي قدمها الدفاع لإدلاء الشهود بشهاداتهم، ولم يشاهد القاضي مطلقاً تسجيل هذه المقابلة. واعتمدت المحكمة بدلا من ذلك على شكوى المدعي دون حاجته للإدلاء بشهادته في المحكمة. خلال جلسة 24 نوفمبر/تشرين الثاني، قاطع القاضي أحد محاميي مخلوف، راضية نصراوي، في منتصف مرافعتها للمطالبة بالحكم بالبراءة ولم يسمح لها بالإتمام.

بوخذير، وهو صحفي مستقل، واجه مضايقات الشرطة في فترة ما بعد الانتخابات. كان قد قضى فترة في السجن في عامي 2007 و 2008، للإدانة بانتهاك الآداب العامة والاعتداء على موظف عمومي، وذلك إثر محاكمة لم يكن قادرا خلالها على استدعاء شهود الدفاع. وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول تعرض بوخذير لاعتداء أمام منزله في باردو من قبل خمسة رجال، وقال إنه تعرف في أحدهم على ضابط شرطة.

قال بوخذير إن الرجال غطوا عينيه، وضربوه، وأهانوه، وأجبروه على أن يستقل السيارة التي قادته إلى ساحة بلفيدير في شمال تونس حيث يوجد المزيد من الرجال كانوا بانتظاره. ألقى به الرجال خارج السيارة، وشرعوا في لكمه، وركله، وضربه بعصا مدة 30 دقيقة تقريباً. خلال الاعتداء، استمر الرجال في إهانة بوخضير واتهموه بالتحرش بالنساء. بوخذير قال إنه يعتقد أن السبب الحقيقي هو مقابلته مع بي بي سي التي كانت بثت لمدة ساعتين في وقت سابق، والتي انتقد فيها قمع الصحفيين خلال الحملة الانتخابية. وقبل أن يفروا هاربين، صادر مهاجموه تحت التهديد بسكين ملابسه، ونقوده، ومفاتيحه، وهاتفه النقال، وأوراق هويته. بوخذير كان يعالج في أحد مستشفيات لكسر في أنفه وإصابة في العين، وكدمات متعددة في وجهه وصدره.

ولدى عودته، وجد عدداً من رجال الشرطة يرتدون الملابس المدنية في الخارج، ومكثوا هناك لمدة 11 يوما، وقاموا بمضايقة الزوار الذين حاولوا رؤيته، وكانوا يستجوبونهم بشكل تطفلي بطريقة تنطوي على التهديد.

وفي صباح 8 نوفمبر/تشرين الثاني، كثفت الشرطة تواجدها حول منزل بوخذير والحي، ولم يسمحوا لأحد بالخروج أو الدخول. ومنعت الشرطة سهام بن سدرين، وعبد الرؤوف عيادي، ناشط آخر، والمستيري من زيارته في ذلك اليوم.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذين صدقت عليهما تونس، يكفلان حرية التعبير، والحق في محاكمة عادلة، وحرية التنقل. المادة 14 من العهد الدولي يتضمن، ضمن الحق في محاكمة عادلة، الحق في "الوقت والتسهيلات بما يكفيه [المدعى عليه]" لإعداد الدفاع، وحق المدعى عليه في أن يفحص شهادات شهود الثبوت.