الرئيس السوداني عمر حسن البشير يتحدث أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عن تمويل التنمية في الدوحة، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2008.

© 2008 Reuters

(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن إصدار المحكمة الجنائية الدولية أمر توقيف ضد رئيس السودان عمر البشير يُرسل بإنذار قوي مفاده أن حتى من يتبوأ أعلى المناصب يُمكن أن يُحاسب على أعمال القتل والاغتصاب والتعذيب الجماعي. وقد أصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية الأمر ضد البشير، وهو أول أمر من نوعه تصدره المحكمة الجنائية الدولية الدائمة بحق رئيس دولة ما زال في سدة الحُكم باتهامات الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب جراء دوره في تزعم الحملة السودانية لقمع التمرد في دارفور.

وقال ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدل الدولي في هيومن رايتس ووتش: "إن المحكمة الجنائية الدولية بإصدارها مذكرة التوقيف قد جعلت عمر البشير مطلوباً للعدالة" وتابع قائلاً: "فحتى الرؤساء ليسوا مُحصنين ضد المحاسبة جراء اقتراف الجرائم المروعة". وبالحكم بأن هناك قضية قائمة ضد الرئيس البشير لكي يتحمل جريرة الأعمال الوحشية التي وقعت في دارفور، فإن هذا القرار يكسر إنكار الخرطوم المتكرر لمسؤوليته".

ولم تؤكد المحكمة على الثلاث وقائع بالإبادة الجماعية التي طلب مدعي المحكمة الجنائية الدولية إقرارها. والإبادة الجماعية تحتاج إلى أدلة على ارتكاب الجرائم "بقصد تدمير، كلياً أو جزئياً" جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، فقط بناء على هويتها تلك.

وقال ريتشارد ديكر: "إثبات اتهامات الإبادة الجماعية أمر صعب للغاية... لكن الرئيس البشير ليس بمعزل عن المحاسبة، إذ أنه مطلوب للعدالة في تورطه في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، تشمل الاغتصاب على نطاق موسع، والقتل، والتعذيب، ضمن مخطط الحكومة.".

وبموجب النظام المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن المُدعي يمكنه طلب تعديل أمر التوقيف لكي يشمل جرائم الإبادة الجماعية إذا ما توصل إلى أدلة وقرائن جديدة تدعم إطلاق هذا الاتهام.

وقد طلب مدعي المحكمة الجنائية الدولية إصدار أمر توقيف ضد البشير في 14 يوليو/تموز 2008 .وإثر إعلان المدعي، أطلق المسؤولون بالحكومة السودانية تهديدات صريحة وضمنية بالانتقام من عناصر حفظ السلام الدوليين والقائمين على المساعدات الإنسانية. وفي 25 يوليو/تموز ذكر مستشار الرئيس السوداني بونا ملوال فيما يتعلق بقوات حفظ السلام: "إننا نقول للعالم إنه مع إدانة رئيسنا البشير، فنحن لسنا مسؤولين عن سلامة القوات الأجنبية في دارفور". كما هدد الرئيس البشير بطرد قوات حفظ السلام إذا ما صدر أمر التوقيف.

ولمجلس الأمن والدول الأعضاء فيه وأمانة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي دور هام في الرد الفوري على أية أعمال انتقامية بدعم من الحكومة في دارفور إثر إعلان نبأ أمر التوقيف.

وقال ريتشارد ديكر: "تلتزم الحكومة السودانية بالحفاظ على الأمن في السودان وعلى مجلس الأمن أن يتحرك بحسم لتحميل الحكومة هذه المسؤولية". وتابع: "ويجب ألا تسمح الخرطوم باستخدام أمر التوقيف ذريعة لتصعيد سياساتها المُعرقلة لعناصر حفظ السلام والجهود الإنسانية في دارفور".

ومطلوب من حكومة السودان بموجب قرار لمجلس الأمن أن تيسر نشر عناصر بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة المختلطة في دارفور، وأن تتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. وبموجب القانون الدولي فإن السودان ما زال مُلزماً بحماية رعاياه المدنيين وتوفير الإتاحة الكاملة والآمنة وبلا إعاقة للعاملين بالإغاثة، لكي يصلوا إلى من يحتاجون المساعدات في دارفور. ولا يُغير أمر التوقيف من هذه الالتزامات، ولا يعود بأي أثر يُذكر على التزامات الخرطوم بتنفيذ اتفاق السلام الشامل المبرم مع حكومة جنوب السودان.

وقال ريتشارد ديكر: "على مجلس الأمن والحكومات المعنية أن تفرض عقوبات محددة بحق المسؤولين السودانيين المسؤولين عن ارتكاب أية أعمال انتقامية، وأن تنظر في أمر فرض إجراءات من قبيل تجميد الحسابات البنكية أو توسيع مجال حظر الأسلحة".

والمحكمة الجنائية الدولية مؤسسة قضائية مستقلة. والسودان - رغم أنه ليس دولة طرف في نظام روما المنشئ للمحكمة - يخضع للاختصاص القضائي للمحكمة بموجب قرار مجلس الأمن. وصفة البشير كرئيس للدولة لا تمنحه الحصانة من المسؤولية الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وإلى جانب أمر التوقيف الصادر ضد الرئيس البشير، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمري توقيف ضمن ملف دارفور. ففي 27 أبريل/نيسان 2007 أصدرت المحكمة أمريّ توقيف بحق وزير الدولة للشؤون الإنسانية أحمد هارون، وزعيم ميليشيا الجنجويد علي كوشيب. كما طلب المدعي إصدار أوامر توقيف بحق ثلاثة من زعماء المتمردين على صلة بهجمات على عناصر حفظ السلام الدولية في هاسكانيتا أكتوبر/تشرين الأول 2007. وهذا الطلب يخضع حالياً لمراجعة المحكمة.

وقد رفض السودان حتى الآن التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. وكل أوامر الاعتقال ما زالت لم تُنفذ. ويستمر هارون في مزاولة مهام عمله الرسمي كوزير للدولة للشؤون الإنسانية. وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 اعتقلت الحكومة السودانية وعذبت ثلاثة من المدافعين عن حقوق الإنسان في الخرطوم، جراء إعطاء معلومات للمحكمة الجنائية الدولية حسب الزعم.

وقال ريتشارد ديكر: "مطلوب من الخرطوم التعاون مع المحكمة، لأن المحكمة الجنائية الدولية ليس لديها قوة شرطة خاصة بها، وتحتاج إلى دعم قوي من الحكومات لضمان توقيف كل من تصدر بحقهم اتهامات بارتكاب جرائم".

خلفية

في قرار بتاريخ 31 مارس/آذار 2005 أحال مجلس الأمن الوضع في دارفور إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق والملاحقة القضائية. ويستند القرار إلى توصيات لجنة تقصي دولية، انتهت إلى أن انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان مستمرة في دارفور وأن نظام العدالة السوداني غير مستعد وغير قادر على التصدي لهذه الجرائم. وملف دارفور هو أول وضع يُحال من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية.