مجموعات صغيرة من المتظاهرين يتجمعون وسط القاهرة ويرددون هتافات مناهضة للحكومة في القاهرة، مصر في 21 سبتمبر/أيلول 2019.

© 2019 رويترز/محمد عبد الغني

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن السلطات المصرية ألقت القبض على نحو ألفي شخص في حملة شاملة على مستوى البلاد، بعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في 20 سبتمبر/أيلول 2019. اعترفت السلطات باعتقال ألف شخص فقط.

حجبت السلطات مواقع إخبارية وسياسية وعرقلت خدمات الإنترنت التي اعتمد عليها المحتجون للتواصل وتوثيق الانتهاكات الحكومية. على السلطات أن تتعهد باحترام الحق في التجمع السلمي عن طريق السماح بالاحتجاجات، واعتماد وسائل غير عنيفة للرد قبل اللجوء إلى استخدام القوة، واتخاذ تدابير لمنع العنف بين المؤيدين والمعارضين. على الحكومة الإفراج عن جميع من اعتقلوا لمجرد ممارستهم لحقوقهم سلميا، وأن تتوقف عن التدخل في المواقع الإخبارية وخدمات الإنترنت.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يبدو أن الاعتقالات الجماعية الحكومية والقيود على الإنترنت تهدف إلى تخويف المصريين وردعهم عن الاحتجاج، ومنعهم من معرفة ما يحدث في البلاد. الحملة ضد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد تشير إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي مذعور من انتقادات المصريين".

اندلعت الاحتجاجات الداعية  إلى القضاء على  الفساد والمطالبة بتنحي السيسي. ساعد محمد علي، المقاول الذي عمل مع الجيش لسنوات ويعيش الآن في إسبانيا في منفاه الاختياري، بإشعال الاحتجاجات من خلال نشر مقاطع فيديو في "فيسبوك"، انتشرت على نطاق واسع، وتكشف فساد حكومي مزعوم. دعا إلى احتجاجات جديدة في 27 سبتمبر/أيلول.

قالت هيومن رايتس ووتش إن حملة الاعتقالات الجماعية التي نفذتها الحكومة قد تكون الأوسع منذ أواخر 2013. صعّدت قوات الأمن بشكل كبير الاعتقالات الجماعية، حيث وردت تقارير من منظمات حقوقية مصرية تفيد باعتقال  نحو ألفي شخص منذ 20 سبتمبر/أيلول. قال "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" إن النيابة أمرت باحتجاز 977 منهم على الأقل في "حالة قبض ثم تحقيق ثم حبس احتياطي". احتجزت قوات الأمن بمعزل عن العالم الخارجي 920 شخصا آخر لم يمثلوا بعد أمام النيابة، وكل ذلك على ما يبدو بسبب صلاتهم المزعومة بالاحتجاجات. كما اعتقلت الحكومة عددا من السياسيين والصحفيين في حملتها.

من بين المعتقلين 68 امرأة وعدد غير معروف من الأطفال، بحسب محامين حقوقيين. قال محام لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن أطلقت سراح عدد من المعتقلين، من بينهم عديد من الأطفال.

قالت وزارة الداخلية في بيان لها يوم 26 سبتمبر/أيلول إنها "ستتصدى لأية محاولة لزعزعة الاستقرار والسلم الاجتماعي بكل حزم وحسم". قال النائب العام حمادة الصاوي في بيان حوالي الساعة 10 مساء في 26 سبتمبر/أيلول إن النيابة العامة استجوبت نحو ألف "متهم من المشاركين" في التظاهرات منذ 20 سبتمبر/أيلول، لكنه لم يحدد عدد المحتجزين الإجمالي.

بينما اعتقلت السلطات بعض المحتجين في الشوارع، اعتُقل كثيرون في منازلهم بعد أيام. كما نشرت الحكومة عناصر أمن بملابس رسمية ومدنية في القاهرة والإسكندرية ومدن أخرى في الشوارع والساحات الرئيسية وحولها، يوقفون المارة عشوائيا ويفتشون الناس ويستجوبونهم، و يفحصون محتويات هواتفهم الخلوية بالقوة وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي. قال المحامون إن الأمن اعتقل أشخاص يحملون أغانٍ أو شعارات أو منشورات معادية للحكومة على هواتفهم.

نشر محامو المعتقلين على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي عدة شهادات عن اعتقال قوات الأمن  كثير من الأشخاص تعسفا لمجرد أنهم كانوا في "المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب" أو بحوزتهم محتوى حساس على هواتفهم، واتهمتهم لاحقا بالمشاركة في الاحتجاجات.

تحتجز الحكومة مئات المعتقلين في مراكز الاعتقال السرية التابعة لـ "قطاع الأمن الوطني" وفي معسكرات "الأمن المركزي"، وهي شرطة مكافحة الشغب المصرية، وكلا الفئتين من مواقع الاحتجاز غير قانونية ولا يمكن للمحامين زيارتها. قال محام لـ هيومن رايتس ووتش إن معسكرات الاعتقال تشمل معسكرات "الدرّاسة"، و"الجبل الأصفر" ومعسكرات "السلام" التابعة للأمن المركزي في القاهرة وجوارها.

قال محاميان لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات رفضت السماح للمحتجزين في هذه الأماكن بمقابلة المحامين أو الأقارب. لا يرى المحامون المحتجزين إلا عندما ترسلهم السلطات بأعداد كبيرة إلى "نيابة أمن الدولة"، حيث يستجوبهم أعضاء النيابة ثم يأمرون باحتجازهم دون أوامر قضائية.

يشترط القانون الدولي على السلطات أن تعرض جميع المحتجزين أمام قاضٍ بسرعة، وعادة خلال 48 ساعة، للنظر في أمر اعتقالهم. يتيح القانون المصري المسيء، الذي لا يفي بالمعايير الدولية، لأعضاء نيابة أمن الدولة إبقاء المحتجزين رهن الحبس الاحتياطي لأشهر قبل المراجعة القضائية.

يواجه المعتقلون مجموعة من التهم، من بينها "مشاركة جماعة إرهابية في تنفيذ أغراضها"، والتظاهر بدون إخطار من الجهات المختصة، ونشر أخبار كاذبة، بحسب محامين وتقارير إخبارية.

كما أثار المحامون مخاوف من حرمان السلطات الحكومية المحتجزين من الغذاء والدواء والرعاية الطبية، بما فيه علاج السرطان والأدوية النفسية الضرورية.

صورت الحكومة ووسائل الإعلام الموالية للحكومة الاحتجاجات على أنها مؤامرة من قبل وكالات الاستخبارات الأجنبية و"جماعة الإخوان المسلمين" والجماعات الإرهابية. يبدو أن السلطات اعتقلت تعسفا تسعة أجانب على الأقل - هولندي وتونسي وسوداني وتايلندي وتركيان وثلاثة أردنيين. بثّ المذيع التلفزيوني الموالي للحكومة عمرو أديب فيديوهات تظهر الرجال "يعترفون" بحيازة كاميرات والتقاط صور في ميدان التحرير أو بالقرب منه أو في وسط القاهرة، أو يُقرون بانتقاد الحكومة.

وسّعت الحكومة مضايقتها للصحفيين، والمحامين، والشخصيات السياسية المستقلة. من بين المعتقلين تعسفا عدة محامين كانوا يساعدون المعتقلين مثل ماهينور المصري وسحر علي، وثلاثة صحفيين على الأقل كانوا ينقلون أخبار الاحتجاجات، كما قالت جماعات حقوقية مصرية.

في 25 سبتمبر/أيلول، اعتقلت قوات الأمن أستاذَي العلوم السياسية المعروفَين حسن نافع وحازم حسني، والمعارض والصحفي المخضرم خالد داود، بحسب محامين. كما اعتقلت الحكومة نحو 20 من قادة المعارضة البارزين ونشطاء من خلفيات مختلفة مثل اليساري كمال خليل، والإسلامي مجدي قرقر. أفادت تقارير أن الصحفيين وغيرهم من الشخصيات المعروفة يواجهون تهما مماثلة للتي يواجهها المحتجون.

أفادت تقارير إخبارية نقلا عن مصادر غير مسمّاة مؤيدة للحكومة أن كلا من الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، والمخابرات العامة أصدرا تعليمات إلى مؤيدي السيسي، بمن فيهم قادة الأحزاب السياسية المؤيدة للسيسي ومديري الشركات والمؤسسات الحكومية والوزارات، بجمع الموظفين والأتباع لإظهار دعمهم للسيسي في 27 سبتمبر/أيلول. دعا بضعة من أعضاء البرلمان من "حزب مستقبل وطن"، أحد الأحزاب الرئيسية الموالية للسيسي، وشخصيات فنية مشهورة إلى احتجاجات موالية للحكومة في هذا التاريخ قرب ميدان هشام بركات (المعروف سابقا باسم ميدان رابعة العدوية) في شرق القاهرة. أفادت تقارير أن المسؤولين وعدوا الناس بمجانية النقل والوجبات "للاحتفال" بالجيش والرئيس. كما ذكرت تقارير إخبارية أن قوات الأمن أصدرت تعليمات للأئمة في المساجد التي تسيطر عليها الحكومة بتكريس خطب صلاة الجمعة لدعم الحكومة.

حجبت السلطات وقطعت عددا من خدمات الإنترنت والمواقع الإلكترونية، بحسب مجموعات ترصد الرقابة على الإنترنت. فرضت السلطات قيودا على الوصول إلى موقع "بي بي سي عربي"، وموقع قناة "الحرة" ومقرها الولايات المتحدة، و"فيسبوك ماسنجر". قالت مجموعة "نيتبلوكس" التي تراقب انقطاع الإنترنت إن الوصول إلى "تويتر" أصبح متقطعا في مصر منذ مساء 22 سبتمبر/أيلول، حيث يعاني حوالي 40 % من المستخدمين من صعوبة الاتصال بمنصات التواصل الاجتماعي. قال خبراء أيضا إن السلطات حجبت تطبيقي "سيغنال" و"واير" للاتصالات الآمنة.

أتت هذه الخطوات الأخيرة لعرقلة الوصول إلى المعلومات لتضاف إلى حجب السلطات نحو 600 موقع إلكتروني منذ مايو/أيار 2017، بما فيها مواقع مستقلة رئيسية للأخبار وحقوق الإنسان. تشمل هذه المواقع على سبيل المثال موقع "إندبندنت مصر" و"مدى مصر" و"المنصة" وهيومن رايتس ووتش.

هناك مخاوف جدية من أن الحكومة قد تقطع خدمات الإنترنت والاتصالات السلكية واللاسلكية في جميع أنحاء البلاد، كما فعلت حكومة الرئيس حسني مبارك ردا على احتجاجات عام 2011، أو تحظر فيسبوك وتويتر ومواقع أخرى تماما. مثل هذا الإجراء سيؤدي إلى خسائر تجارية بملايين الدولارات. لم تقم المحاكم المصرية بمعاقبة مبارك أو مسؤوليه عن قطع خدمات الاتصالات في عام 2011، رغم أدلة الأضرار الجماعية التي قدمها المحامون.

في يوليو/تموز 2016، أصدر "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" قرارا يدين التدابير التي تتخذها البلدان لمنع أو تعطيل الوصول إلى الإنترنت والمعلومات، ودعا إلى حماية حرية التعبير بموجب المادة 19 من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، و"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية". في إعلان مشترك عام 2015 بشأن حرية التعبير والاستجابة لحالات النزاع، قال خبراء ومقررو الأمم المتحدة إنه "حتى في أوقات النزاع، لا يمكن أبدا تبرير استخدام مفاتيح القتل للاتصالات (أي إغلاق أجزاء كاملة من أنظمة الاتصالات) بموجب قانون حقوق الإنسان".

تكرر هيومن رايتس ووتش دعوتها إلى حلفاء مصر، وخاصة دول "الاتحاد الأوروبي" والولايات المتحدة، إلى تعليق المساعدات العسكرية والأمنية للحكومة إلى أن تكفّ عن انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي. على الحكومات المعنية حث حكومة السيسي على احترام حقوق المحتجين في التعبير عن آرائهم، والتوقف عن حجب الأخبار والمعلومات على الإنترنت، والإفراج عن جميع المعتقلين ظلما.

قالت ويتسن: "بينما كان الرئيس السيسي يتسامر مع زعماء العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، كانت قواته الأمنية تنتهك المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان التي بنيت عليها الأمم المتحدة. على قادة العالم أن يدركوا أن توفير المساعدة الأمنية والعسكرية للقوات المسيئة لن يحقق الاستقرار لمصر، وأن ما يجب أن يكون بدلا من ذلك هو حكومة تحترم حقوق وحريات الشعب المصري".