(جنيف) - ينبغي على مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن يناشد السودان بأن يحاسب فوراً المسؤولين عن مقتل مئات من المتظاهرين، غالبيتهم من المحتجين السلميين، على يد قوات الأمن الحكومية في سبتمبر/أيلول 2013 أو إجراء تحقيق بشأن مقتلهم. وكانت قوات الأمن قد أطلقت الرصاص على متظاهرين خلال موجة من الاحتجاجات بدأت في 23 سبتمبر/أيلول 2013 عقب إعلان الرئيس عمر البشير رفع الدعم عن المحروقات.

من المتوقع أن يتبنّى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي سيعقد جلسة مناقشة حول السودان في 23 سبتمبر/أيلول 2014، قراراً في وقت لاحق من الأسبوع الجاري حول الوضع في البلاد. وينبغي أن يدين مجلس حقوق الإنسان قتل المحتجين والانتهاكات الأخرى في السودان، كما ينبغي عليه أن يضغط الحكومة لحملها على إجراء تحقيق مستقل وعام في العنف الذي تم استخدامه ضد المحتجين بهدف محاكمة المسؤولين عنه. أما إذا استمر السودان في تأخير إجراء التحقيق، فيجب على مجلس حقوق الإنسان حث هيئة دولية، مثل الاتحاد الأفريقي، على التدخل. 

وقال دانيال بيكيل، رئيس القسم الأفريقي: "قوات الأمن الحكومية متورطة في عدد من عمليات قتل وإصابة المحتجين، وعلى الرغم من مرور عام لم تتحقق العدالة لهؤلاء الضحايا"، وأضاف بيكيل قائلاً: "ينبغي على الأمم المتحدة أن توضح للسودان أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فورية لتحقيق العدالة بشأن عمليات القتل التي حدثت في عام 2013، فستكون هنالك حاجة لمحققين إقليميين أو دوليين للاضطلاع بهذا الأمر."

وكانت هيومن رايتس ووتش قد توصلت إلى أدلة من خلال بحث أجرته مطلع عام 2014 إلى أن قوات الأمن السودانية قد قتلت ما يزيد على 170 شخصاً، بمن في ذلك أطفال، وجرحت واعتقلت واحتجزت مئات آخرين. واحتجزت السلطات السودانية عشرات المحتجين والناشطين السياسيين والصحفيين لفترات طويلة بدون أن توجه لهم تهمة أو تسمح لهم بالاستعانة بمحامين أو تسمح لأسرهم بزيارتهم. كما توصلت هيومن رايتس ووتش من خلال بحثها إلى أن مسؤولين أمنيين قاموا بإخضاع بعض المعتقلين للتعذيب أو سوء المعاملة.

اعترضت السلطات السودانية مراراً على عدد القتلى وقللت من دور الحكومة في العنف الذي حدث. ويبدو واضحاً أن السلطات لم توف بوعودها بإجراء تحقيق مستقل والإعلان عن نتائجه. إذ أن مكتب المدعي العام بولاية الخرطوم كان قد أرسل في يونيو/حزيران تقريراً إلى مكتب خبير الأمم المتحدة المستقل لحقوق الإنسان في السودان، مسعود بدرين، أورد فيه أن عدد القتلى 85، وجاء في التقرير أيضاً أنه قد تعذر تحديد هوية الجناة الذين أطلقوا الرصاص لعدم توفر الأدلّة.

وفي تقرير صدر في 4 سبتمبر/أيلول، خلص مسعود بدرين إلى أن تقرير الحكومة السودانية "لا يتضمّن أي دليل يشير إلى إجراء تحقيق شامل ومستقل"، وقال إنه في ضوء "العدد الكبير من الأرواح التي أُزهقت خلال المظاهرات والحاجة إلى المساءلة، ينبغي من الناحيتين الأخلاقية والقانونية أن يكون هناك تحقيق قضائي مستقل في عمليات القتل والانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان التي حدثت خلال مظاهرات سبتمبر/أيلول 2013."

وكانت احتجاجات 2013، التي استمرت حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول، سلمية في غالبها، على الرغم من بعض المحتجين الشباب في بعض المواقع ألحقوا أضراراً بالممتلكات، بما في ذلك مباني الشرطة ومباني حكومية أخرى، ومركبات ووسائل مواصلات عامة ومحطات للمحروقات. وكانت الحكومة قد قابلت الاحتجاجات بقوة مفرطة وقاتلة، واستخدمت الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية والهراوات. واتخذت السلطات أيضاً تدابير لحجر أي تغطية مستقلة للاحتجاجات، وفرضت رقابة على وسائل الإعلام وقامت باعتقال واحتجاز صحفيين، وفرضت تعتيماً إعلامياً.

قامت السلطات، على المستويين الوطني والولائي، خلال الأسابيع التي أعقبت الاحتجاجات بتشكيل لجان للتحقيق في أحداث العنف. إلا أن هذه اللجان ركّزت فيما يبدو على الأضرار التي لحقت بالممتلكات بدلاً عن التركيز على الاعتداءات ضد المحتجين. إذ جرت محاكمة مئات الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، أمام محاكم مستعجلة أصدرت قرارات بالغرامة أو الحبس بحقهم على خلفية الأضرار التي حدثت. احتجزت السلطات أيضاً عشرات آخرين، بمن في ذلك قاصرون، لفترات طويلة قبل محاكمتهم. لم يتم الإعلان عن تقارير صادرة عن هذه اللجان، كما لم يحدث أن أسفر تقرير عن محاكمة عناصر قوات الأمن على خلفية عمليات القتل التي حدثت أو الإصابات أو الانتهاكات التي تعرض لها آخرون خلال الاحتجاجات.

وعلمت هيومن رايتس ووتش أن السلطات السودانية قد منعت أسر من اتخاذ الإجراءات القانونية لتحقيق العدالة بحق ذويهم. ورفض مسؤولون في مستشفيات تقديم أدلة طبية، كما رفضت الشرطة ورفض مدّعون فتح تحقيقات في هذا الشأن.

ومن ضمن 84 شكوى تم تقديمها بواسطة أسر الضحايا، لم تنظر المحاكم سوى في قضية واحدة. إذ نظرت إحدى المحاكم في قضية ضد واحد من أفراد الشرطة كان يرتدي ملابس مدنية رفعتها أسرة سارة عبد الباقي، 29 سنة، التي لقيت مصرعها بالرصاص خلال تشييع ابن عمها الصبي البالغ من العمر 14 عاماً، والذي قتل أيضاً خلال الاحتجاجات. إلا أن المحكمة، التي انعقدت في يونيو/حزيران، قضت بعدم توفر أدلة لإدانة المتهم. وعلى الرغم من أن أسرة الضحية استأنفت قرار المحكمة، فإن المتهم اختفى منذ ذك الحين وتدور شائعات بأنه قد فرّ من البلاد.

حدثت الاحتجاجات في سياق يتسم بالقمع السياسي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان واستمرار النزاعات في كل من دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. إذ قامت السلطات باعتقال أعضاء في أحزاب المعارضة، بمن في ذلك قادة حزبَي الأمة والمؤتمر السوداني، لفترات امتدت لأسابيع أو شهور خلال عام 2014 بسبب معارضتهم العلنية لسياسات الحكومة.

لم يحقق السودان على مدى سنوات أي تقدم في جلب المسؤولين عن ارتكاب جرائم حقوق الإنسان الخطيرة التي حدثت في دارفور أمام العدالة. فالرئيس عمر البشير واحد من أربعة أشخاص مطلوبين بواسطة المحكمة الجنائية الدولية على خلفية تهم تتعلق بارتكاب جرائم في دارفور، كما يواجه تهماً بالإبادة وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وقال دانيال بيكيل: "في ظل فشل السودان المتكرر في إجراء تحقيق، ينبغي على مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إصدار توصية بتدخل هيئة دولية للتحقيق في قتل المحتجين العام الماضي"، وأضاف قائلا: "مئات الأسر السودانية التي فقدت ذويها أو عانت من الانتهاكات على يد الحكومة يجب ألا تُنسى."