Skip to main content
Government of National Accord fighters take positions during clashes with east-based fighters from the Libyan National Army at Al-Yarmouk frontline in Tripoli, Libya on August 29, 2019.

مقابلة: دليل إلى الفوضى في ليبيا

المدنيون يتحملون وطأة القتال المُتجدد

مقاتلو حكومة الوفاق الوطني يتخذون مواقع خلال اشتباكات مع مقاتلين من الجيش الوطني الليبي متمركزين في الشرق عند جبهة اليرموك في طرابلس، ليبيا في 29 أغسطس/آب 2019.  © 2019 عمرو صلاح الدين / سيبا يو إس إيه (سيبا عبر وكالة أسوشيتيد بريس)

اشتعل القتال العنيف مجددا في ليبيا في أبريل/نيسان الماضي، عندما شنت مجموعة مسلحة من شرق ليبيا هجوما على طرابلس، المدينة الواقعة غرب البلاد والتي يبلغ عدد سكانها حوالي 1.2 مليون. أسفر القتال عن مقتل مئات المدنيين وجرح الآلاف، وفقا لـ "الأمم المتحدة"، ويتزايد العنف مع تصعيد دول أخرى تدخلها - مُتجاهلة حظر الأسلحة الأممي - لتُحوّل النزاع الليبي إلى حرب بالوكالة كما هو الحال في سوريا. تحدثت الباحثة الأولى في هيومن رايتس ووتش حنان صلاح، التي عادت مؤخرا من طرابلس، مع إيمي براونشفايغر حول ما وجدته هناك، وأهمية توثيق انتهاكات حقوق الإنسان لضمان العدالة في المستقبل، وكيف يمكن للمجتمع الدولي مساعدة المدنيين الليبيين العالقين تحت النيران.

بدأت ليبيا تغرق في الفوضى بعد الإطاحة بمعمر القذافي في 2011. هل يمكنكِ تلخيص الوضع المُعقد في ليبيا اليوم؟

بدأ النزاع الأخير في أبريل/نيسان 2019، عندما أطلقت مجموعة مسلحة من شرق ليبيا اسمها "الجيش الوطني الليبي"، تحت قيادة خليفة حفتر - وهو جنرال سابق في الجيش الليبي تحت قيادة معمر القذافي - هجوما على طرابلس. يوجد حاليا كيانان يسميان نفسيهما "الحكومة" في ليبيا. الأول، يتواجد في طرابلس، وهو "حكومة الوفاق الوطني" التي شُكلت في 2016 من قبل الأمم المتحدة بعد مفاوضات سياسية مطولة. أما  الكيان الثاني، المتواجد الآن في شرق ليبيا، فتم التصويت على تشكيله خلال الانتخابات المتنازع عليها في 2014 ورفض حل نفسه عندما نصّبت الأمم المتحدة حكومة الوفاق الوطني. هذا الكيان الثاني متحالف مع الجيش الوطني الليبي، ومجلس النواب المُنتخب في 2014.

في حين أننا لا نتخذ موقفا من مزاعم الشرعية لأي من الحكومتين، فإن كلتا المجموعتين والقوات التي تدعمهما تتحمل مسؤولية حماية المدنيين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أجزاء من جنوب ليبيا، المنطقة الأكبر، تسودها شريعة الغاب. لا أحد يسيطر عليها.  إنها البوابة لتهريب البشر والاتجار بهم، لا سيما من أفريقيا جنوب الصحراء إلى بلدان المقصد في أوروبا ومناطق أخرى. كما تسمح الفوضى الحالية بانتشار الجماعات المتطرفة.

وحدة الذيل من قنبلة عنقودية من طراز "آر بي كي- 250 بي تي إيه بي-2.5 إم"، عُثر عليها في منطقة سكنية قرب طريق الأصفاح، ضواحي طرابلس، ليبيا، 18 ديسمبر/كانون الأول 2019.  © 2019 هيومن رايتس ووتش

كيف تبدو الحياة في طرابلس ونواحيها؟

عندما تكونين في وسط طرابلس، غالبا لا تلاحظين الكثير من مظاهر النزاع المسلح. يمكنكِ أحيانا سماع الطائرات والغارات الجوية، لكن المتاجر مفتوحة، والناس يعملون، والعديد من المدارس مفتوحة. لكن حينما تنتقلين 10 إلى 15 كيلومتر جنوبا، إلى الضواحي الجنوبية المكتظة بالسكان، ستواجهين هذه المظاهر. إنها منطقة حرب. سترين مجموعات مسلحة تتجول في شاحنات صغيرة مزودة بأسلحة مثبتة في الأعلى. نقاط التفتيش في كل مكان، والناس خائفون. تسمعين نيران المدفعية والغارات الجوية، وطنين الطائرات المسلحة بدون طيار.

على الرغم من أن الجيش الوطني الليبي له حاليا اليد الطولى في القوة الجوية، فقد عرّض الطرفان المدنيين للخطر بإطلاق النار العشوائي على المناطق السكنية واستخدام بعض الأسلحة العشوائية بطبيعتها، ما يعني أنه لا يمكن توجيهها بشكل صحيح، ولا تعرفين أين ستسقط. استخدامها في المناطق المأهولة غير قانوني.

ماذا رأيتِ؟

وجدنا تجاهلا مُهولا لحماية المدنيين. وثّقنا الغارات الجوية، وغارات الطائرات بدون طيار، وحالات قتل فيها القصف المدفعي أشخاصا في منازلهم. في كثير من الحالات، وبسبب طبيعتها العشوائية، فإن هذه الضربات تُشكّل انتهاكا لقوانين الحرب، وفي بعض الحالات تشكّل جريمة حرب. استخدم الجيش الوطني الليبي قنابل عنقودية، وهو سلاح محظور. وثّقنا حالات إخفاء، وادعاءات بقتل المُقاتلين خارج نطاق القضاء، والتمثيل بجثامين المقاتلين.

زرتُ عيادات طبية تضررت وأغلقت بسبب القتال. زُرتُ مدرسة كانت بها بقايا صاروخ في أحد الفصول الدراسية بعد هجوم أدى إلى إغلاقها. زُرت المباني السكنية والمنازل التي تعرضت للقصف. والشيء الأكثر فظاعة هو التحدث مع أشخاص يخبرونكِ عن أحبائهم الذين قُتلوا والجيران الذين لقوا حتفهم.

منذ بدء النزاع، ارتكب الطرفان انتهاكات، لكن من المحتمل أن يكون الجيش الوطني الليبي مسؤولا عن العدد الأكبر من المدنيين الذين قُتلوا، لأنه يمتلك قوة جوية متفوقة. ووفقا للأمم المتحدة، قُتل معظم المدنيين في غارات بمقاتلات حربية أو طائرات مسيّرة.

© هيومن رايتس ووتش

هل أثار انتباهكِ شخص تحدثتِ معه؟

تحدثتُ إلى شابة نجت من غارة جوية قتلت ستة أشخاص، بينهم أربعة أطفال، في منطقة السواني في الضواحي الجنوبية لطرابلس. بدا الدمار في شارعها مباشرة بعد الهجوم مُروِّعا. وصفت بدقة ما رأت. قُتل ثلاثة أطفال من الحي كانوا يلعبون أمام منزلها بصاروخ، وبحسب وصفها، فقد انتهى الأمر في ثانيتين. تعرفت على طفل صغير من قميصه، واعتقدت أنها رأت يد صبي صغير آخر تتحرك. أرادت حقا أن تحرص على أن تكون هذه المعلومات بحوزة شخص ما. لم يسألها أحد من قبل عنها. لم يأتِ أحد من السلطات، ولم تحضر الشرطة. هذا النوع من المقابلات يكون دائما صعبا للغاية. وعرفت أنه من خلال إخباري بدقة عن شكل الأطفال الأربعة القتلى، كانت تستعيد أسوأ تجربة في حياتها.

ذهبتُ أيضا إلى مدرسة تضم حوالي 800 طفل في منطقة السواني، أُغلقت لأن صاروخين أصاباها. لم يُقتل أحد لأنه لم يكن هناك أحد. لكن عندما فتحت المديرة باب الفصل الدراسي، كان يمكنكِ رؤية السقف بأكمله قد انهار وكل بقايا الصاروخ مُنتشرة على الأرض والطاولات والكراسي مبعثرة. لم أستطع التوقف عن التفكير أنه كان من المفترض أن يكون الأطفال هنا. لدي ابنة عمرها أربع سنوات تقريبا وقد بدأت للتو الدراسة.

كانت مديرة المدرسة تبكي، قلقة بشأن مستقبل الأطفال. في غرب ليبيا، أُغلقت 220 مدرسة بسبب القتال، وفقا للأمم المتحدة. هذا يؤثر على 116 ألف طفل.

ما هي الدول الأخرى التي تدعم كل طرف في النزاع؟

يتمتع الجيش الوطني الليبي بدعم عسكري وسياسي من الإمارات، ومصر، والأردن، ووفقا للأمم المتحدة، روسيا. بسبب هذا الدعم، خاصة من الإمارات، لدى الجيش الوطني قوة جوية هائلة. تقول الأمم المتحدة إن الجيش الوطني الليبي لديه عقود مع مقاتلين من السودان وتشاد.

على الجانب الآخر، وقَعت حكومة الوفاق الوطني مذكّرة مع تركيا، التي تزودها بالأسلحة وطائرات مسيّرة مسلحة والذخيرة. تقول الأمم المتحدة إن حكومة الوفاق الوطني تعاقدت مع مقاتلين أجانب من السودان وتشاد. آلاف المقاتلين السوريين المدعومين من تركيا يدعمون حكومة الوفاق الوطني ويقاتلون في الخطوط الأمامية.

صورة نشرها "خفر السواحل الليبي" تُظهر أشخاص غادروا ليبيا بعد اعتراضهم في عرض البحر، 24 يونيو/حزيران 2018. © 2018 خفر السواحل الليبي عبر أسوشيتد برس

كيف يؤثر القتال على آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا؟

ما يزال الناس يحاولون المرور عبر ليبيا للوصول إلى أوروبا. يتعرضون للانتهاكات من قبل المهربين، ويُعتقل الآلاف في مراكز الاحتجاز حيث يتعرضون أيضا للانتهاك. زُرنا مراكز الاحتجاز التابعة لـ حكومة الوفاق الوطني في غرب ليبيا في الماضي ووجدنا سوء التغذية، وظروف صحية فظيعة، والضرب. سواء كانوا أطفالا أو بالغين، غالبا ما يتم معاملتهم كأنهم أدنى من البشر. في الصيف الماضي، أسفرت غارة جوية على مركز احتجاز المهاجرين، تقول تقارير إن الإمارات وراؤها، عن مقتل 50 شخصا. المركز الذي تديره حكومة الوفاق الوطني هو داخل مجمع تُديره مجموعة مسلحة، ما يُعرض المهاجرين للخطر. ينبغي إغلاق جميع هذه المراكز.

كما أنه من العار أن يُحاول الاتحاد الأوروبي إغلاق ليبيا حتى لا يتمكن الناس من الفرار. يدعم الاتحاد الجماعات المسلحة التي تقوم بأعمال خفر السواحل الليبي، ويدعمها لاعتراض قوارب المهاجرين وطالبي اللجوء - المتجهين إلى أوروبا - الذين تمكنوا من الفرار من البلاد، ما أجبرهم على العودة إلى جحيم مراكز الاحتجاز الليبية.

ماذا الآن؟

حان الوقت ليُركز المجتمع الدولي على المساءلة، ويمكنه البدء بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تهدف إلى كشف الأدلة على الانتهاكات وحفظها وتحديد المسؤولين عنها. الاحتمال التالي للقيام بذلك هو في جلسة "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، والتي تستمر حاليا حتى 20 مارس/آذار.

كما على الجميع التوقف عن تسليم الأسلحة إلى ليبيا التي يمكن استخدامها في الانتهاكات والبدء باحترام الحظر المفروض على الأسلحة. البلدان التي تُسلم الأسلحة والمواد المحظورة الأخرى إلى أطراف النزاع، وهي تعلم أنها ترتكب انتهاكات، يمكن أن تكون متواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان وحتى جرائم الحرب.

** تم تحرير هذه المقابلة وتكثيفها بهدف الوضوح.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.