اليوم، 22 أكتوبر/تشرين الأول، يبلغ أحمد منصور المدافع عن حقوق الإنسان الإماراتي الـ 50. وكما في العامين الماضيين، سيقضي أحمد عيد ميلاده في زنزانة انفرادية في سجن الصدر بأبو ظبي. ليس لديه سرير ولا مياه جارية. لا يُسمح لأحمد، المحتجز في الحبس الانفرادي، بخروج إلى ساحة السجن أو إلى المطعم أو قاعة الأكل الجماعية. وفقا لمصدر بالسجن، بدأ أحمد الشهر الماضي إضرابا آخر عن الطعام، احتجاجا على إدانته وظروف سجنه الرهيبة، بما في ذلك الضرب الذي تعرض له مؤخرا، والتي تمثل عقوبة خارج نطاق القضاء. لا يُعرف من ضرب أحمد، أو ما إذا كان أحمد مستمرا في إضرابه عن الطعام، لكنه في حالة جسدية ونفسية يرثى لها، وفقا للتقارير.  

الناشط الحقوقي أحمد منصور يبتسم أثناء الحديث إلى صحفيّي "أسوشيتد برس" في عجمان، الإمارات، الخميس 25 أغسطس/آب 2016.

© 2016 أسوشيتد برس

في مايو/أيار 2018، أي بعد أكثر من عام من اقتحام قوات الأمن منزله في منتصف الليل، حيث أخذته من بين زوجته وأبنائه الأربعة، حكمت محكمة أمن الدولة الإماراتية على أحمد بالسجن 10 سنوات، بالإضافة إلى فترة مراقبة مدتها ثلاث سنوات، وغرامة بقيمة حوالي 250 ألف دولار. جرائمه؟ قالت المحكمة إنه مدان بـ"إهانة مكانة ودولة الإمارات ورموزها، بما في ذلك قادتها" و"نشر تقارير ومعلومات زائفة على وسائل التواصل الاجتماعي".

ماذا كانت هذه "الإهانة" و"التقارير الكاذبة"، التي كانت من الفظاعة بحيث تستدعي السجن عقدا من الزمن، معظمه في الحبس الانفرادي؟ لا نعلم، لأن محاكمة أحمد كانت مغلقة، ولم تُنشر لائحة الاتهام ولا حكم المحكمة. ما نعرفه هو أن أحمد تجرأ على استخدام "فيسبوك" و"تويتر" وغيرهما من منصات التواصل الاجتماعي للفت الانتباه إلى انتهاكات حقوق الإنسان وإخفاقات العدالة في الإمارات (وكذلك في الدول العربية الأخرى). كما تجرّأ على تزويد منظمات حقوقية في الخارج بمعلومات حول المحاكمات الجائرة التي زُجّ على إثرها بكثير من الناشطين الحقوقيين ومحامي الدفاع الإماراتيين في السجن بتهم كتُهمِه، متصلةٍ بمحاولة ممارسة حقَي حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات.

الإمارات هي بالطبع الدولة التي نظمت "القمة العالمية للتسامح" في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 وأعلنت عام 2019 "عامَ التسامح". ووراء هذه الواجهة الأُورويلية، ليس في دولة الإمارات تسامح قَطّ مع المعارضة السياسية، مهما كانت سلمية. منذ عام 2011، حلت الحكومة بالقوة منظمات للمجتمع المدني، مثل جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين وجمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، اللتين تمثلان آراء سياسية مختلفة عن آراء الحكام الإماراتيين. لا توجد وسائل إعلام مستقلة، وهذا بالتحديد ما زاد من أهمية تقارير أحمد على وسائل التواصل الاجتماعي، وما جعل السلطات لا تطيقها. يتعرض المواطنون والمقيمون الآخرون في الإمارات ممن يثيرون شواغل حقوق الإنسان لخطر الاعتقال التعسفي وأحكام طويلة بالسجن.

تعرفتُ على أحمد منذ حوالي 10 سنوات، عندما التحق باللجنة الاستشارية لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، حيث كُنتُ أعمل. عملنا معا في مجلس إدارة "مركز الخليج لحقوق الإنسان". قمت بزيارته آخر مرة في الإمارات في سبتمبر/أيلول 2013. أحمد مهندس، وهو رجل رقيق، لطيف الكلام. وهو مصمم على النضال، بشكل سلمي، من أجل الحقوق المدنية والسياسية الأساسية، والمحاكمات العادلة، ومن أجل الانفتاح الديمقراطي في بلده.

يعاقب جيران الإمارات المستبدون المنتقدين والمعارضين السلميين بشدة أيضا، كما في البحرين وإيران والسعودية. لكن في تلك البلدان، يمثل النقاد المسجونون، بدرجات متفاوتة، تيارات أكبر في مجتمعاتهم. يبدو أن اضطهاد أحمد منصور - وهذه هي الكلمة المناسبة لأن شدة العقوبة التي فرضها عليه سجّانوه خارج نطاق القضاء غير مبررة، لأنه كان، كما كان يحب أن يقول، "آخر رجل صامد"، هو الشخص الوحيد الذي يطالب بحقوق الإنسان علنا، في غياب أي منظمة أو حركة في الإمارات تدافع عنه.

سجن أحمد لا يمكن تبريره، رغم أن المسؤولين الإماراتيين يحاولون ذلك باستمرار. في يونيو/حزيران، راسل خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي (كوري بوكر، وشرود براون، وكريس كونز، وريتشارد دوربين، وباتريك ليهي) سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة يطلبون "تحديثا عن حالة [أحمد منصور] وما يُعتزم فعله من أجل إطلاق سراحه دوم تأخير". رد العتيبة بالقول إن أحمد خاض في "خطاب الكراهية الطائفية غير المسموح به" و"حرّض على العنف". لم يقدّم السفير العتيبة أو أي مسؤول آخر في الإمارات تصريحا واحدا صدر عن أحمد بما يؤكد هذا التوصيف.

كما ادعى العتيبة أن "السيد منصور خضع ’للإجراءات القانونية الواجبةʻ مثل جميع المدعى عليهم الآخرين في محاكم الإمارات". صحيح أن محاكمة أحمد كانت تشبه إلى حد كبير تلك التي حكمت فيها الإمارات على معارضين سلميين آخرين بالسجن لفترات طويلة، لكن "الإجراءات القانونية الواجبة" ليست المصطلح المناسب. وفقا لتقارير دولية موثوقة، ليس هناك من "إجراءات قانونية واجبة"عندما يتعلق الأمر بالمعارضة السياسية في الإمارات. على سبيل المثال، أشارت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين إلى أنها "تشعر بالقلق بوجه خاص إزاء التقارير التي تفيد بوقوع انتهاكات خطيرة لضمانات المحاكمة العادلة ومراعاة الأصول القانونية في الجرائم المتعلقة بأمن الدولة بصفة خاصة، ولكن ليس فيها وحدها". وجاء في الفصل الخاص بالإمارات في أحدث التقارير القطرية لوزارة الخارجية الأمريكية حول ممارسات حقوق الإنسان، ولو بصيغة أكثر كياسة، أن "حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان تم تقييدها في قضايا الأمن القومي أو القضايا التي اعتبر القضاة أنها تمس بالأمن العام".

من أبرز رموز السلطوية في الإمارات انعزالها عن الانتقادات الدولية - أكثر بكثير من السعودية، على سبيل المثال. ففي الولايات المتحدة، باستثناء الأصوات الحذرة للغاية في تقرير حقوق الإنسان الصادر عن وزارة الخارجية، يبحث المرء دون جدوى عن انتقاد واحد لسجل الإمارات الرهيب في مجال حقوق الإنسان من البيت الأبيض أو بقية السلطة التنفيذية. كان هذا الصمت المخزي هو القاعدة منذ فترة طويلة، حتى قبل رئاسة دونالد ترامب ذي الانجذاب الواضح للديكتاتوريين.

لم تنطق إدارتا أوباما وبوش كذلك بأي تقييمات سلبية لمشاكل حقوق الإنسان المنهجية في الإمارات. فالنقد المحدود للغاية من جانب "الكونغرس"  حديث جدّا ويركز على مزاعم الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإماراتية والقوات التابعة لها في الحرب في اليمن، بدلا من إسكات الإمارات المستمر للمعارضة الداخلية السلمية، وهو ما يجعل رسالة أعضاء مجلس الشيوخ الخمسة الأخيرة إلى السفير العتيبة استثنائية ومُرحّبا بها.

في بروكسل، أصدر البرلمان الأوروبي قرارا قويا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ضدّ إدانة أحمد ويدعو السلطات الإماراتية إلى إطلاق سراحه دون قيد أو شرط وإسقاط جميع التهم عنه. لكن مسؤولي الشؤون الخارجية في "الاتحاد الأوروبي" لم يطالبوا بالإفراج عنه، واكتفوا بالإشارة، بشكل سطحي وغير شخصي، إلى أنه "لا يجوز احتجاز أي شخص لمجرد التعبير عن آرائه بطريقة سلمية". لم أتمكن من إيجاد أي تصريح رسمي من أي عاصمة أوروبية ينتقد اضطهاد الإمارات لأحمد أو يدعم حريته.

اليوم، في عيد ميلاد أحمد الـ50، ينظّم مؤيدون في العديد من مدن أمريكا الشمالية وأوروبا احتجاجات تضامنية لدى البعثات الدبلوماسية لدولة الإمارات، ويقدمون إلى المسؤولين الإماراتيين رسالة مفتوحة وقّعت عليها حوالي 140 منظمة دولية وإقليمية لحقوق الإنسان تطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن أحمد. تأخرت واشنطن ولندن وغيرهما من العواصم كثيرا في الالتفات والاستماع، وفي التأكيد بأصواتها المنفردة أن ما تتبجح به الإمارات من تسامح لا مصداقية له، طالما أحمد منصور خلف القضبان.

 

جو ستورك نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش ورئيس المجلس الاستشاري لمركز الخليج لحقوق الإنسان.