يحظى التونسيون بقدر أكبر من الحقوق المدنية والسياسية مقارنة بفترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي، الذي سقط في 2011، وكذلك فترة حُكم الحبيب بورقيبة من قبله. أثناء الأشهر العشرة التي لحقت رحيل بن علي وانتخاب "المجلس الوطني التأسيسي" في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، سنّت السلطات المؤقتة عددا من القوانين التي وسعت من حرية تكوين الجمعيات والحق في تكوين أحزاب سياسية، وأدخلت إصلاحات على قانون الصحافة ألغت عددا من الجرائم التي كانت تُعاقب بالسجن. وفي 27 يناير/كانون الثاني 2014، صوّت المجلس التأسيسي على دستور جديد تضمن تدابير حماية أساسية لعدد من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما نصّ الدستور على انشاء محكمة دستورية لها صلاحية النظر في دستورية القوانين، واسقاط القوانين التي لا تتفق مع حقوق الإنسان المكفولة في الدستور. وفي 3 ديسمبر/كانون الأول، تبنى البرلمان القانون رقم 50 المتعلق بإنشاء المحكمة الدستورية، ولكن المحكمة لم تر النور إلى اليوم، وأعضاؤها لم يُعيّنوا بعد.

صادقت السلطات الانتقالية أيضا على "نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية" و"الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري" و"والبروتوكول الإضافي الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، وصكوك أخرى.

 

رغم هذه الخطوات، حصلت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في الفترة الانتقالية، مثل التعذيب، والتعدي على حقوق الاقليات الجنسية، وعدم المحاسبة على انتهاكات الماضي، وفرض الإقامة الجبرية التعسفية، وتقييد السفر، لا سيما في ظلّ حالة الطوارئ.

 

شهدت تونس أثناء هذه المرحلة الانتقالية عدّة هجمات قاتلة نفذها إسلاميون متطرفون تسببت في مقتل وإصابة العشرات. ففي 18 مارس/آذار 2015، هاجم مسلحان متحف باردو المحاذي للبرلمان، وقتلا 21 سائحا أجنبيا وعنصرا واحدا من قوات الأمن. وفي 26 يونيو/حزيران، فتح مسلح النار في منتجع سياحي شاطئي في سوسة، فقتل 38 سائحا أجنبيا. وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أعلن الرئيس الباجي قايد السبسي حالة الطوارئ بعد حصول تفجير انتحاري في تونس العاصمة تسبب في مقتل 12 عنصرا من الحرس الرئاسي وإصابة 20 آخرين بجروح. وفي 16 سبتمبر/أيلول جدّد السبسي حالة الطوارئ مرة اخري. تعتمد حالة الطوارئ على أمر رئاسي صادر في 1978 يسمح لوزير الداخلية بحظر المظاهرات والمسيرات التي تُعتبر تهديدا للأمن العام، وفرض الإقامة الجبرية على "أي شخص... يُعتبر نشاطه خطيرا على الأمن والنظام العامين".

 

تطبيق الدستور

أثناء الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012، قبلت تونس بعديد التوصيات المتعلقة بجهازها القضائي، لا سيما كفالة ادراج الضمانات الهامة لحقوق الإنسان في الدستور الجديد، بما في ذلك الحق في عدم التمييز، وحرية التعبير، وحرية التجمع وتكوين الجمعيات، واستقلال القضاء، وعدم التعرض للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وحماية حقوق الأقليات، والحق في الحياة، وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. نجح دستور 2014 في كفالة الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الأساسية، وحققت السلطات التونسية بعض التقدم في جعل التشريعات متوافقة مع الدستور الجديد.

 

على سبيل المثال، ينص الفصل 29 من الدستور على حق الموقوف في "أن ينيب محاميا"، ولكن "مجلة الإجراءات الجزائية" لم تكن تسمح باتصال الموقوف بمحام إلى بعد المثول أمام قاضي التحقيق، أي بعد 6 أيام من الاعتقال. وفي 2 فبراير/شباط 2016، اعتمد البرلمان تنقيحا لمجلة الإجراءات الجزائية منح المشتبهين حق الاتصال بمحام من لحظة الاعتقال، وقصّر فترة الإيقاف التحفظي إلى 48 ساعة، قابلة للتجديد مرة واحدة.

 

إضافة إلى ذلك، وافقت تونس في 2012 على توصية بـ إصلاح النظام القضائي من أجل إنشاء سلطة قضائية مستقلة تتفق مع المعايير الدولية وتضمن إقامة سيادة القانون والعدالة. ضمن دستور 2014 استقلالية القضاء ونصّ على إنشاء "المجلس الأعلى للقضاء". وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، صادق البرلمان على قانون لإنشاء المجلس الأعلى للقضاء، ومن مهامه تعيين القضاة والإشراف على مسائل التأديب والترقية الخاصة بهم.

 

رغم هذه الخطوات الإيجابية، على تونس تبني إصلاحات أوسع لضمان اتساق تشريعاتها مع الدستور والمعايير الدولية.

 

رغم أن القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء أدخل تحسينات على القانون السابق الذي فقد مصداقيته إبان حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي بسبب المس من استقلالية القضاء وخضوع المحاكم لسلطة الحكومة، إلا أنه لم يُلغ تماما تأثير السلطة التنفيذية على السلطة القضائية. فالقانون الجديد يسمح لوزير العدل بفتح تحقيقات في سوء سلوك القضاة، ولا يوفر أي إجراءات تحميهم من النُقل العقابية المدفوعة بأسباب سياسية إلى دوائر قضائية أخرى. إضافة إلى ذلك، لم تشرع السلطات بعد في مراجعة النظام الأساسي للقضاة، رغم أنها قبلت بتوصية في الغرض أثناء المراجعة الدورية الشاملة لـ 2012.

 

يمنح الفصل 80 من دستور 2014 لرئيس الجمهورية سلطة اتخاذ تدابير استثنائية "في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة". ترمي هذه التدابير، بحسب الدستور، إلى ضمان عودة السير العادي لدواليب الدولة "في أقرب الآجال". كما نص الدستور على أن البرلمان يستطيع التماس تقييم للوضع من قبل المحكمة الدستورية، بعد 30 يوم من إعلان حالة الطوارئ. هناك أمر رئاسي يعود للعام 1978 يسمح لرئيس الجمهورية بإعلان حالة الطوارئ لمدة 30 يوما، قابلة للتجديد، عند وجود تهديدات جدية للأمن العام. ولكن هذا الأمر يفتقر للضمانات التي ينص عليها الدستور لأنه لا يفرض أي رقابة على قرار فرض حالة الطوارئ. بحسب التعليق العام رقم 29 لـ "لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان"، يجب أن تكون حالة الطوارئ ذات طبيعة استثنائية وظرفية، ويجب أن تُعلن في إطار ما يسمح به دستور البلاد وتشريعاتها حتى تكون مشروعة.

 

التوصيات:

  • يجب الإسراع في إصلاح القوانين غير المتسقة مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. يجب تحديدا إلغاء الأمر الرئاسي المتعلق بإعلان حالة الطوارئ لسنة 1978 لأنه لا يراعي الشروط المنصوص عليها في المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
  • الإسراع في إنشاء المحكمة الدستورية التي ستلعب دورا محوريا في ضمان احترام حقوق الإنسان بإسقاط القوانين غير المتسقة مع الحقوق والحريات المكفولة في الدستور، وذلك بمنحها جميع الوسائل التي ستساعدها على أداء وظيفتها بشكل مستقل عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.

 

حرية التعبير

 أصلحت الحكومات الانتقالية قانون الصحافة والقانون المتعلق بالإعلام السمعي البصري بإلغاء أغلب العقوبات الجنائية التي كانت تفرضها هذه القوانين على جرائم التعبير. ولكن "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات) و"مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية" و"مجلة الاتصالات" مازالت تحتوي على مواد تفرض عقوبات بالسجن على جرائم التعبير. استخدمت الدولة هذه المواد، التي تتعلق أساسا بالتشهير بالأشخاص ومؤسسات الدولة، لتوجيه تهم غامضة من قبيل تعكير صفو النظام العام والاعتداء على الأخلاق الحميدة، لمحاكمة وسجن 17 شخصا على الأقل أثناء الفترة الانتقالية التي امتدت من 2011 إلى 2014. هناك مشروع قانون جديد حول "زجر الاعتداءات على قوات الأمن" سيُشكل – في حال اعتماده – تهديدا أكبر لحرية التعبير لأنه يُجرّم "إهانة القوات المسلحة". رغم أن الحكومة قبلت بتوصيات تؤسس لمسار معاكس، إلا أنها اعتمدت مشروع القانون في 10 أبريل/نيسان 2015 وأرسلته إلى البرلمان، الذي مازال لم يحدد تاريخا لمناقشته. من أهم التوصيات التي قبلت بها الحكومة التونسية في 2012 اتخاذ تدابير تكفل توافق تشريعها الوطني بصورة كاملة مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك القوانين التي تنال من إعمال حرية التعبير وحرية التجمع.

 

بغض النظر عن تعهدات تونس أثناء الاستعراض الدوري الشامل، فإن المادة الواردة في المجلة الجزائية والتي تجرّم "إهانة موظف عمومي" استُخدمت على أرض الواقع من قبل الشرطة لاعتقال الأشخاص – وبعضهم تعرض للمحاكمة والسجن – فقط لأنهم جادلوا الشرطة أو لم يمتثلوا لأوامرها بسرعة. كما استُخدمت ضد أشخاص رفعوا دعاوى، أو يُعتقد أنهم سيرفعون دعاوى، ضدّ الشرطة.

 

التوصيات:

  • على البرلمان إلغاء المواد القمعية المتبقية في المجلة الجزائية، مثل المواد التي تجرّم التشهير؛
  • عليه أيضا اسقاط مشروع القانون المتعلق بزجر إهانة قوات الأمن.

 

العدالة الانتقالية

أثناء الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012، قبلت تونس بجميع التوصيات المتعلقة بإنشاء آلية خاصة بالعدالة الانتقالية، ومنها توصية ترمي إلى تحديد المسؤوليات والمتورطين وضمان المحاسبة، وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات والقمع التي حصلت في النظام السياسي السابق. في 24 ديسمبر/كانون الأول 2013، اعتمد المجلس الوطني التأسيسي "القانون المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها".

 

تضمّن القانون مقاربة شاملة للتصدي للانتهاكات الحقوقية السابقة، فنص على المحاسبة الجنائية من خلال إنشاء غرف متخصصة داخل نظام المحاكم المدنية للفصل في القضايا الناتجة عن انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي، بما فيها الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن.

 

ينص القانون أيضا على تشكيل "هيئة الحقيقة والكرامة" المكلفة بالكشف عن حقيقة الانتهاكات المرتكبة في الفترة منذ يوليو/تموز 1955، قبيل الاستقلال عن فرنسا، وحتى 2013، تاريخ تبني القانون. انتخب المجلس الوطني التأسيسي 15 من أعضاء الهيئة في 15 مايو/أيار 2014. وفي أغسطس/آب 2015، قالت الهيئة إنها استلمت 16 ألف تظلّم من أشخاص حول مزاعم تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان، وإنها بدأت في دراسة الملفات.

 

إلا أن الحكومة صادقت في 14 يوليو/تموز على مشروع قانون يتعلق بالمصالحة الاقتصادية والمالية، يحظى بدعم من الرئيس الباجي قايد السبسي. إن تم تبنيه، سيوقف هذا المشروع أي ملاحقات ومحاكمات حالية ومستقبلية ضد الموظفين العموميين ومسؤولي الدولة المتهمين بالفساد المالي أو سوء استخدام المال العام، وضدّ كل من لم يفعل ذلك لمصلحته الشخصية، إن وافقوا على مناقشة اتفاق "مصالحة" مع هيئة تعينها الدولة، وإرجاع المال المكتسب بطريقة غير مشروعة إلى خزينة الدولة. كما سيلغي القانون المحاكمات الجارية ضد رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين الذين حققوا منافع شخصية جراء الفساد المالي أو الاختلاس بعد الوصول إلى اتفاق "مصالحة" مع الهيئة الحكومية لإرجاع الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة إلى خزينة الدولة.

 

في تونس – كما في أي مكان في العالم – توجد علاقة بين الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. بحسب تقرير "اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة" الصادر في 2012، استغلت عائلة بن علي وأصدقاؤه أموال الدولة وأراضيها لصالحهم، واعتمدوا على مؤسسات الدولة – مثل البنوك العامة وجهاز القضاء والشرطة – لتحقيق مصالحهم الشخصية، وعاقبوا كل من عارض مشاريعهم الاقتصادية.

 

التوصيات

  • يجب سحب مشروع القانون المتعلق بالمصالحة الاقتصادية والمالية وعدم عرضه على البرلمان؛
  • ضمان الدعم الكامل لهيئة الحقيقة والكرامة التي تعمل على تمكين الضحايا من حقهم في الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.

 

المحاسبة على انتهاكات الماضي

رغم أن قوات الأمن إبان حكم الرئيس بن علي كانت تستخدم التعذيب على نطاق واسع، إلا أن السلطات فشلت في السنوات الخمس التالية لإسقاطه في التحقيق أو محاسبة أي متورطين في أغلب حالات التعذيب. قبلت تونس أثناء الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012 بتوصيات تتعلق بسوء المعاملة والتعذيب، ومنها واحدة صادرة عن سويسرا بـ التحقيق بإسهاب في جميع حالات التعذيب وسوء المعاملة المزعومة، وإحالة الجناة إلى العدالة وضمان تقديم الدعم الأدبي والمادي للضحايا.

 

حاكمت المحاكم العسكرية مجموعات من الأشخاص المتهمين بقتل المتظاهرين أثناء الثورة التي أطاحت ببن علي. ورغم أن هذه المحاكمات احترمت على ما يبدو حقوق المتهمين، وسمحت للضحايا بالسعي للعدالة، إلا أن عوامل متعددة حدّت من قيمتها في تحقيق المساءلة، لا سيما فشل السلطات في تحديد المتورطين الحقيقيين في عمليات القتل، وعدم وجود إطار قانوني يسمح بملاحقة كبار المسؤولين في سلسلة القيادة على جرائم ارتكبها مرؤوسوهم. فشل الحكومة في الضغط الفعال لاسترجاع بن علي من السعودية تسبب أيضا في تقويض المحاسبة.

 

أنشأ قانون العدالة الانتقالية دوائر قضائية متخصصة لمحاكمة الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبت بين يوليو/تموز 1955 وديسمبر/كانون الأول 2013. هذه الدوائر لها صلاحية إعادة فتح قضايا قتل المتظاهرين، ولكنها لم تبدأ عملها بعد.

 

التوصيات:

  • يجب ضمان محاسبة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في الجرائم التي كانت منتشرة على نطاق واسع أثناء فترة حكم بن علي لمدة 23 سنة. على السلطات – بشكل خاص – ضمان إرساء نظام قضائي جنائي مدني مستقل وفعال للتحقيق في مزاعم تعذيب الشرطة للمشتبهين أثناء التحقيق، ومحاسبة الجناة، احتراما لالتزامات تونس باتفاقية مناهضة التعذيب؛
  • ضمان الدعم الكامل لعمل الدوائر القضائية المتخصصة؛
  • منح هيئة الحقيقة والكرامة حق النفاذ إلى جميع أرشيفات الدولة لتسهيل تحديد انتهاكات حقوق الإنسان والمتورطين فيها. 

 

مكافحة الارهاب وتأثيرها علي حقوق الانسان

في 25 يوليو/تموز 2015، تبنى البرلمان التونسي قانونا جديدا لمكافحة الإرهاب يُشكل خطرا على حقوق الإنسان، ويفتقر للضمانات الضرورية ضدّ الانتهاكات. يمنح القانون قوات الأمن سلطات واسعة للقيام بالرقابة علي الأشخاص، ويسمح بتمديد احتجاز المشتبه بارتكابهم جرائم إرهابية بمعزل عن العالم الخارجي من 6 أيام إلى 15 يوما، ويسمح للمحاكم بعقد جلسات مغلقة لا يحضرها الجمهور، وللشهود بعدم الكشف عن هويتهم للمتهمين.

 

يقدّم القانون تعريفا غامضا للإرهاب قد يتسبب في قمع بعض الأعمال التي لا تكتسي طبيعة إرهابية بحسب القانون الدولي.

 

رغم أن تونس تعهدت أثناء الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012 بـ المبادرة إلى إصلاح مراكز الاحتجاز في مراكز الشرطة عن طريق النظر في تقليص المدة القصوى إلى 48 ساعة، فضلا عن تمكين المحامين من حضور الاستجوابات وإتاحة الأسس وسجلات الإيقاف للأسر والدفاع، إلا أن الإطار التشريعي التونسي مازال يحتوي على أحكام تطرح إشكاليات في قضايا الإرهاب. يستطيع كل من قاضي التحقيق والنيابة العامة تأخير اتصال الشخص بمحام لمدة 48 ساعة منذ بدء الاحتجاز في القضايا التي يواجه فيها المتهم تهما إرهابية.

 

خلص بحث أجرته هيومن رايتس ووتش في يوليو/تموز 2015 إلى أن السلطات التونسية منعت ـ باسم مكافحة الإرهاب ـ أشخاصا دون 35 سنة من السفر إلى بلدان مثل الجزائر وليبيا والمغرب وتركيا ما لم يحملوا تراخيص أبوية، رغم أن القانون التونسي لا ينص على ضرورة الحصول على هذه التراخيص. استمرت هذه الممارسة طيلة 2016.

 

على إثر هجمات إرهابية استهدفت مواقع سياحية في 2015 وهجوم قاتل جدّ في شارع محمد الخامس في تونس العاصمة، تسبب في مقتل 12 عنصرا من الحرس الرئاسي وإصابة 20 آخرين بجروح، أعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وهي مازالت سارية إلى الآن.

 

منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2015 صار 139 تونسيا على الأقل رهن الإقامة الجبرية، دون أن توجه إليهم تهم. أعلمتهم الشرطة بهذه القرارات شفاهيا، ولم تقدم لهم أي وثائق يُمكن أن يستخدموها للطعن في القرارات في المحاكم.

 

تسببت هذه الإجراءات في مصاعب اقتصادية، وجعلت المستهدفين يواجهون نظرة دونية، ومنعتهم من مواصلة دراستهم وأعمالهم.

 

التوصيات:

  • يجب تعديل قانون مكافحة الإرهاب بتعريف الأعمال الإرهابية بما يتماشى مع المعايير الدولية، وضمان الإسراع في توجيه اتهامات للمعتقلين في قضايا إرهابية، كما تنص على ذلك المعايير الدولية؛
  • تبني الإصلاحات التشريعية اللازمة لضمان تمتع كل مُحتجز بجميع الضمانات القانونية الأساسية، بما يشمل القضايا المتعلقة بالإرهاب، مثل الاتصال بمحام منذ لحظة الاعتقال؛
  • التأكد من أن التدابير المتخذة بموجب حالة الطوارئ ليست تعسفية، وهي ضرورية جدا للاستجابة لمتطلبات الوضع، وتنتهي بمجرد انتهاء الحاجة إليها، وتُمارس في إطار سيادة القانون، وتضمن لكل من يتأثر بها الحق في الحصول على مراجعة فعالة لأي قرار يحدّ من حرياته، بما في ذلك الحق في المراجعة القضائية لجميع أشكال الاحتجاز.

 

التعذيب وسوء المعاملة

في 2011، ضيّقت السلطات الانتقالية من تعريف التعذيب في المجلة الجزائية واعتبرت أن الانتهاك الذي يُعدّ تعذيبا يجب أن يكون بهدف انتزاع معلومات، أو لأسباب تتعلق بالتمييز العنصري. هذا التعريف يتجاهل ما نصت عليه اتفاقية مناهضة التعذيب من أن يكون العمل القصد منه معاقبة الشخص وليس فقط انتزاع معلومات منه. حصل هذا رغم أن تونس قبلت بجميع توصيات الاستعراض الدوري الشامل لملاءمة تشريعاتها المتعلقة بالتعذيب مع المعايير الأممية الدولية.

 

صادق المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2013 على القانون المتعلق بإنشاء "الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب"، آلية وقائية تونسية تأسست بموجب "البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب". من صلاحيات هذه الهيئة القيام بزيارات تفتيش غير معلنة لمواقع الاحتجاز.

 

رحبت لجنة الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب، في ملاحظاتها الختامية، بعد النظر في التقرير الدوري الثالث لتونس أثناء دورتها التي عقدت بين 19 و21 أبريل/نيسان 2016، بالتقدم الدستوري والتشريعي الذي حققته تونس في مكافحة التعذيب. ولكن اللجنة عبرت أيضا عن قلقها من استمرار التعذيب في مراكز الاحتجاز، والتقارير المتسقة المتعلقة بعدم بذل القضاة والشرطة العدلية للعناية الواجبة في سياق تحقيقات التعذيب وسوء المعاملة.

 

التوصيات:

  • يجب مراجعة الفقرة 3 من الفصل 11 مكرر من المجلة الجزائية ليصبح تعريف التعذيب متوافقا مع التعريف الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وذلك بإضافة العقاب وغيره من الأسباب الأخرى كدوافع للأعمال التي تشكل تعذيبا؛
  • تدريب الشرطة على الممارسات الفُضلى في مجال التحقيق، والتأكيد على أن التعذيب عمل إجرامي، وأن استخدامه لانتزاع اعترافات يجعل تلك الاعترافات غير مقبولة. يجب أن يُركّز التدريب أيضا على أهمية الرقابة المستقلة لسلوك الشرطة، بما في ذلك من قبل المجتمع المدني.
  • تعديل مجلة الإجراءات الجزائية بالتأكيد على أن واجب الاثبات، في حال وجود مزاعم تعذيب أو سوء معاملة، يقع على عاتق النيابة العامة، التي عليها التأكد من أن الاعترافات حُصل عليها بطرق قانونية، كما نصت على ذلك توصية المقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في تقريره حول تونس في فبراير/شباط 2012؛
  • توفير الموارد اللازمة لهيئة الوقاية من التعذيب لتقوم بعملها على أحسن وجه.

 

حقوق المرأة  

أحرزت تونس، التي طالما نُظر إليها على أنها أكثر الدول العربية تقدميّة في مجال حقوق المرأة، خطوات إضافية هامة في هذا المجال. تم ادراج مبدأ المناصفة بين الجنسين في القانون الانتخابي، ما فرض على الأحزاب السياسية تقديم قوائم انتخابية تتضمن عدادا متساويا من المترشحين من كلا الجنسين. نتج عن ذلك انتخاب 68 امرأة، من أصل 217 نائبا، في الانتخابات البرلمانية لسنة 2014. وفي يونيو/حزيران 2016، تبنى البرلمان تعديلا للقانون الانتخابي صارت بموجبه الأحزاب مُلزمة باختيار نصف رؤساء قائماتها الانتخابية على الأقل من النساء في الانتخابات المحلية والجهوية مستقبلا.

 

في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2011، اعتمدت الحكومة مرسوما ألغى تحفظات تونس على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، وأعلمت به الأمم المتحدة رسميا في 23 أبريل/نيسان 2014، فنفذت بذلك توصية كانت قد قُدّمت في الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2008. ولكن الحكومة أبقت على "اعلان عام" قالت فيه إنها ربما لن تنفذ إصلاحات تتعارض مع الإسلام.

 

تضمن دستور 2014 حماية إضافية لحقوق المرأة، وألزم الدولة بالعمل على تحقيق التناصف بين الجنسين في المجالس المنتخبة في الانتخابات الوطنية والجهوية والبلدية.

 

في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اعتمد البرلمان قانونا جديدا سيسمح للمرأة بالسفر مع أطفالها القاصرين دون موافقة الأب.

 

تمنح "مجلة الأحوال الشخصية" للمرأة التونسية حقوقا عائلية أكثر من قوانين الأحوال الشخصية لدول المنطقة الأخرى، إلا أنها ما زالت تحتوي على مواد تمييزية. من هذه المواد حرمان المرأة من المساواة في الإرث. قبلت تونس بجميع التوصيات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين في مسائل الميراث أثناء الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012، بما يشمل مواصلة مكافحة جميع أشكال التمييز التي لا تزال المرأة تواجهها، ولا سيما ما تبقى منها في مجلة الأحوال الشخصية في مجالي الميراث وحضانة الأطفال.

 

عند كتابة هذه الأسطر، هناك مشروع قانون شامل لمكافحة العنف ضدّ المرأة، يتضمن أحكاما تعزز حماية الناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، قيد الدرس من قبل الحكومة. قبلت تونس توصيات في هذا الصدد خلال الاستعراض الدوري الشامل لسنة 2012، لـ سنّ التشريع اللازم للقضاء على العنف القائم على أساس نوع الجنس.

 

التوصيات:

  • على الحكومة إصلاح مجلة الأحوال الشخصية للقضاء على جميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة؛
  • رفع التحفظ العام على اتفاقية "سيداو" لمنع حصول أي تأويل تعسفي أو جائر من قبل القضاة؛
  • تبني استراتيجية شاملة لمكافحة العنف ضدّ المرأة.

 

التوجه الجنسي والهوية الجندرية

تُعاقب المجلة الجزائية السلوك الجنسي المثلي بالتراضي بالسجن لمدة تصل إلى 3 سنوات. كما تُستخدم الفحوص الشرجية كقرينة أساسية لإدانة الرجال بالمثلية. قبلت تونس بثلاث توصيات حول التوجه الجنسي والهوية الجندرية أثناء الاستعراض الدوري الشامل في 2012.

 

في قضيتين بارزتين في 2015، أجبر 7 شُبان على الأقل على إجراء فحوص شرجية قسرية من قبل أطباء شرعيين في مدينتي سوسة والقيروان. استخدمت التقارير التي أعدها الأطباء كدليل لإدانتهم جميعا باللواط. اعتدت الشرطة على العديد منهم لإجبارهم على إجراء الفحص: حصلت اعتداءات جسدية، وجُرّدوا من كرامتهم، بحضور ومشاركة موظفين طبيين تونسيين.

 

أدانت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالتعذيب، في أحدث تقييم لها لتونس، استخدام الفحوص الشرجية بحثا عن "دليل" إدانة ضدّ المتهمين بعلاقة مثلية.

 

التوصيات:

  • يجب إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية لأنه يُجرّم اللواط؛
  • حظر الفحوص الشرجية كطريقة لإثبات العلاقة الجنسية المثلية التي تتم بالتراضي. هذه الفحوص المسيئة ليس لها أي قيمة استدلالية ولا يستطيع الأشخاص الموافقة عليها بحرية وهم محتجزون لدى الشرطة.