أثناء زيارتنا الأخيرة إلى الرياض في مارس/آذار 2008، تحدثنا إلى امرأة سريلانكية في العقد الخامس من عمرها وتعمل كمدبرة منزل. قالت لنا إنها ستعود إلى بلادها لأن أمها تحتضر. وكانت قد حضرت إلى المملكة العربية السعودية قبل عام كعاملة منازل إثر وفاة زوجها عام 2004 في التسونامي، ومع انهيار منزلها ونفاد مدخراتها كلها. كان راتبها كمُعلمة بمدرسة لا يكفي للإنفاق على ابنيها وعلى تعليمهما الجامعي.

ولم تذكر شيئاً سوى المديح لأصحاب عملها، الذين وافقوا دون تردد على منحها إجازة والترتيب لحصولها على تأشيرة الخروج ودفع ثمن تذكرة العودة. كانت تشعر بالراحة في منزلهم، وأدارت العمل وحصلت على راتبها بانتظام، وإن كان 400 ريال سعودي في الشهر لا أكثر. المؤسف أن عاملات منازل آسيويات كثيرات لا يحظين بمثل هذه الخبرات الإيجابية لدى العمل في المملكة.

وفي تقرير هيومن رايتس ووتش الجديد "وكأنني لست إنسانة" تروي عاملات المنازل الآسيويات الجانب المظلم من العمل كعاملات منازل في المملكة العربية السعودية.. تتمتع الكثيرات بظروف عمل ملائمة وجيدة، إلا أن نساء كثيرات سقطن ضحايا انتهاكات العمل أو الإساءات البدنية المروعة. وقد أجرينا 142 مقابلة مع عاملات المنازل والمسؤولين الحكوميين ووكلاء مكاتب الاستقدام من أجل إعداد هذا التقرير. وسبق لـ هيومن رايتس ووتش أن نظرت في الشكوى العامة للعُمال الأجانب في تقرير صدر عام 2004 بعنوان "أحلام مزعجة" فلم تجد إلا أقل التغير في طبيعة الشكاوى منذ ذلك الحين وحتى الآن.

ولا تعرف عاملات منازل كثيرات حقوقهن. ونظراً لطبيعة وضعهن القانوني غير المستقر ولاحتياجهن المالي الشديد، يجدن أنفسهن عادة مُكرهات على قبول الرواتب الفعلية الأقل من الموعودة، والعمل من الفجر حتى وقت متأخر من الليل، أو أداء مهام عمل إضافية مثل تنظيف أكثر من بيت واحد. ولا تعرف الكثيرات منهن لمن يلجأن، لاسيما حين يؤخر أصحاب العمل رواتبهن لمدة شهور أو يحددن إقامتهن في البيت.

ويوثق تقرير هيومن رايتس ووتش إساءات من قبيل إجبار نور مياتي على العمل، التي قام أصحاب عملها بضربها وحرمانها من الطعام وحبسها حتى أصيبت بالغرغرينا. كما يعرض التقرير حالات أقل شهرة، مثل آني ر.، التي تم الإتجار فيها وتوريدها إلى المملكة العربية السعودية كعاملة منازل على يد رجل سعودي تزوجها في أندونيسيا. وهناك أيضاً هايما ج. العاملة الفلبينية التي تعيش في أوضاع تشبه الاسترقاق، إذ يقول لها صاحب عملها إنه اشتراها قبل أن يغتصبها مراراً ثم يحبسها في البيت.

وقد اتخذت الحكومة السعودية بعض الخطوات على طريق تحسين هذه الأوضاع. مثلاً تدير وزارة الشؤون الاجتماعية مأوى في الرياض لعاملات المنازل اللاتي يحتجن إلى المساعدة في استصدار تأشيرات الخروج للعودة إلى ديارهن أو في الحصول على الأجور غير المدفوعة من أصحاب عملهن. وقد بدأت وزارة العمل في تجريم أصحاب العمل الذين يسيئون معاملة العُمال بمنعهم من استئجار عمال أجانب لمدة خمسة أعوام، وأحياناً مدى الحياة.

وتشير هذه الإصلاحات في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تأتي بالتغيرات اللازمة لمنع الإساءات من الوقوع في المقام الأول. فنظام الكفيل المُطبق حالياً يمنح صاحب العمل سلطة هائلة على عاملة المنازل لأنها لا يمكنها مغادرة البلاد أو تغيير أصحاب العمل دون موافقة منه. وتتعرض عاملات المنازل على الأخص لخطر الإساءة بما أن نظام العمل لا يشملهن بمظلة تدابير الحماية التي ينص عليها من قبيل تحديد ساعات العمل والعطلة الأسبوعية ودفع مقابل لساعات العمل الإضافية. وللأسف فإن هذا الاختلال العميق في القوى وغياب الأنظمة الكافية يؤدي في أحيان كثيرة إلى وقوع الاستغلال.

لقد عرضت وزارة العمل إجراء إصلاحات أساسية للتصدي لهذه المشكلات، لكن الحكومة بطيئة في تبنيها. وأحد العروض القائمة هو تغيير نظام الكفيل بحيث تصبح بضعة وكالات استقدام عمال قليلة كبيرة الحجم هي الكفيلة للعمال الأجانب بدلاً من أصحاب العمل من الأفراد. مثل هذا التغيير قد يساعد العمال على تغيير أصحاب العمل المسيئين بشكل أسهل، وإن كانت مثل هذه الوكالات ستحتاج إلى مراقبة مُشددة، كما ويُرجح أنها ستصبح مُهتمة للغاية بتحقيق أرباح مادية بدلاً من إيلاء الانتباه لحقوق العُمال.

كما أصدرت وزارة العمل مسودة لملحق – لم يتم تبنيه بعد – لنظام العمل لعام 2005، تُحدد فيه حقوق وواجبات عاملات المنازل. وإذا منح هذا الملحق لعاملات المنازل قدراً متساوياً من الحقوق المضمونة لكافة العُمال الآخرين بموجب نظام العمل، فيُمكن أن يصبح نموذجاً يُحتذى في المنطقة بالكامل.

أما المنطقة التي لم تعرض الحكومة بعد أن تنفذ فيها إصلاحات ملموسة فهي انتصاف عاملات المنازل عبر قنوات نظام العدالة الجنائية. ففي الأفعال الجنائية، من قبيل حبس عاملة المنازل في البيت، أو حرمانها من الطعام أو ضربها والتحرش بها جنسياً، لم تحقق الشرطة السعودية والمحاكم في الشكاوى المرفوعة إليها بالجدية المأمولة، وأحياناً تُصدق مزاعم أصحاب العمل بأن العاملة ساحرة أو سرقت من الأسرة، على حساب مزاعم العاملة. وبما أنهن وحدهن ولا يتمتعن بما يكفي من الموارد لدعم شكاواهن، فإن عاملات المنازل اللاتي يتعرضن لمثل هذه الإساءات لا يجدن عادة ما يحتجنه من خدمات ترجمة أو محامين أو القدرة على اللجوء إلى سفاراتهن.

كم نور مياتي وآني ر. وهايما ج. أخريات نحتاج قبل أن تُنفذ الحكومة هذه الإصلاحات؟ إن هذه الإساءات وما شابهها من أعمال تُخالف القيم السعودية وتضر بسمعة البلاد. لقد مرت سنوات نظرت فيها الحكومة هذه الاقتراحات وراجعتها ملياً. يجب ألا تستمر في الانتظار قبل حماية حقوق عاملات المنازل، بل أن تتبنى هذه الإصلاحات الآن وتُطبقها.

* كريستوف ويلكى ونيشا فاريا هما من كبار الباحثين في هيومن رايتس ووتش ومعنيان، على التوالي، بالمملكة العربية السعودية وحقوق المرأة