تصفّح إحدى الصحف أو شاهد التلفاز، وقد ترى، في خضم التكهنات المتواصلة حول محتوى تقرير "مولر" بشأن احتمال تواطؤ حملة ترامب الانتخابية مع روسيا، صورا مروعة للحرب في اليمن. بدأ التحالف بقيادة السعودية والإمارات قبل 4 سنوات شن عمليات جوية عسكرية ضد جماعة الحوثيين المسلحة التي كانت تسيطر على معظم اليمن.

تسببت الحرب في أكبر أزمة إنسانية في العالم مع ارتفاع حاد في حالات الكوليرا في الأسابيع الأخيرة وحاجة حوالي 80 في المئة من السكان، أي 24 مليون شخص، إلى مساعدات إنسانية. انتهك طرفا النزاع قوانين الحرب، إذ ارتكبا جرائم حرب عديدة بوجود مزاعم مقلقة بارتكاب كلا الجانبين التعذيب خلال الاحتجاز.

لكن ما لن تراه عند قراءة الأخبار أو مشاهدتها هو محاسبة لأي شخص على هذه الجرائم. 

تراجع تسامح المشرعين الأمريكيين في الأشهر الأخيرة حيال الانتهاكات التي يرتكبها حلفاؤهم السعوديون والإماراتيون، وبخاصة بعد مقتل الكاتب الصحفي في صحيفة "واشنطن بوست" جمال خاشقجي. ورغم ثبات إدارة ترامب في دعمها للسعودية تحديدا، شكك أعضاء في "الكونغرس" في الدعم الأمريكي للنزاع، إذ صوّت كلا الحزبين  في مجلسي النواب والشيوخ (اللذين يشكلان الكونغرس) على سحب كافة أشكال مشاركة الولايات المتحدة في النزاع، على أساس أن الكونغرس لم يأذن بذلك.

على الرغم من وجود مبيعات للأسلحة الأمريكية إلى السعودية والإمارات قيد التنفيذ، لم تقدم الإدارة إشعارا رسميا إلى الكونغرس بشأنها، ربما لمعرفتهاأن الأخير قد يعلق مثل هذه المبيعات. ولم يفعل الكونغرس بدوره الكثير فيما يتعلق بالمساءلة عن جرائم الحرب في اليمن. سيكون وقف المبيعات العسكرية الأمريكية إلى السعودية والإمارات بمثابة رسالة رفض قوية ويقيّد العمليات الجوية مستقبلا، لكنه لن يفعل الكثير لمساعدة الضحايا.

فرضت إدارة ترامب، بموجب "قانون ماغنيتسكي الدولي للمساءلة حول حقوق الإنسان"، عقوبات على 17 شخصا يُعتقد بتورطهم في مقتل خاشقجي. لكن لم تُفرض أي عقوبات على السعوديين أو الإماراتيين المتورطين في انتهاكات قوانين الحرب في اليمن، أو أولئك لم يتخذوا خطوات لإنهاء الانتهاكات.

القائمة قصيرة، على رأسها ولي العهد السعودي ووزير الدفاع و"الإصلاحي" المزعوم محمد بن سلمان، الذي ذكرت تقارير أن عهده تضمن احتجاز ناشطات حقوق المرأة وتعذيبهن.

ثم هناك أمير سعودي آخر هو قائد القوات المشتركة في اليمن الفريق الركن فهد بن تركي بن ​​عبد العزيز آل سعود. وثقّت "هيومن رايتس ووتش" 87 هجوما غير قانوني على ما يبدو لقوات التحالف تحت قيادته، تسببت بمقتل 1,000 مدني تقريبا، بينهم أكثر من 200 طفل. وهناك الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، التي حاربت إلى جانب القوات الجوية السعودية وتسيطر، عبر وكلاء، على مرافق الاحتجاز في الجنوب حيث وثقت هيومن رايتس ووتش التعذيب والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري.

قد يكون هؤلاء الرجال مسؤولين، بشكل مباشر أم من منطلق مسؤولية القيادة، عن الهجمات التي أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين يمنيين وتدمير الممتلكات المدنية. وقصف قوات التحالف لحافلة مدرسية في 9 أغسطس/آب 2018، والذي أودى بحياة 26 طفلا على الأقل وجرح 19 آخرين، ليس سوى مثال واحد على ذلك.

كما أظهر هؤلاء أنهم غير مهتمين بمساءلة قواتهم. أنشأ التحالف بمساعدة أمريكية"الفريق المشترك لتقييم الحوادث" للتحقيق في انتهاكات قوانين الحرب المزعومة. لكن عمل الفريق كان بمثابة تحصين ضد المساءلة. فقد واصل التحالف هجماته غير القانونية، ولم يحقق بشكل مناسب في الحوادث، ولم يحاسب المسؤولين، وقلة من ضحايا الغارات الجوية غير القانونية حصلوا على تعويض أو انتصاف، إن وجدت أصلا.

ما الذي يمكن أن يفعله الكونغرس؟ على الولايات المتحدة في الحد الأدنى فرض حظر سفر على المسؤولين عن جرائم الحرب في اليمن وتجميد أصولهم. وإذا لم تفعل الإدارة ذلك، يتعيّن على الكونغرس فرض هذا الإجراء عبر إقرار تشريع. يجب ألا تقتصر العقوبات على التحالف، إذ ارتكبت قوات الحوثيين أيضا هجمات غير قانونية، بما في ذلك انتهاكات جسيمة بحق المحتجزين، وينبغي أن يُطبق أي تشريع على جميع الأطراف.

يشجب أعضاء الكونغرس الانتهاكات في اليمن. يتعيّن عليهم أن يُبيّنوا لجميع الأطراف أن الولايات المتحدة لم تعد تتسامح مع الفظائع في اليمن. لماذا الآن؟ لأن اليمن لا يستطيع الانتظار.