(بيروت) ـ  إن قوات موالية للحوثيين أطلقت نيراناً مميتة على سيدتين واحتجزت عمال إغاثة كرهائن في مدينة عدن اليمنية. وتدلل تلك الحوادث التي قد تشكل جرائم حرب على التهديدات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون في المدينة الجنوبية الساحلية المحاصرة، حيث يتقاتل أنصار الله المعروفين أيضاً باسم الحوثيين مع قوات من لجان المقاومة الشعبية للسيطرة على المدينة.

ويجب على الحوثيين وغيرهم من أطراف النزاع التقيد بقوانين الحرب، بما في ذلك اتخاذ جميع الاحتياطات المعقولة لتقليل الضرر الواقع على المدنيين. وعلى الحوثيين التحقيق مع أفراد قواتهم المسؤولين عن انتهاكات ومعاقبتهم على النحو المناسب.

وقد عانى سكان عدن من نقص خطير في الطعام والماء والوقود وغيرها من الضروريات نتيجة للقتال، وانخفاض أعداد السفن ناقلة البضائع، وحصار جوي وبحري من التحالف الذي تقوده السعودية، وتدخله في توصيل المساعدات. وبحسب الأمم المتحدة، أدت غارات التحالف الجوية التي انطوى بعضها فيما يبدو على انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، والقتال البري في اليمن، إلى مقتل ما لا يقل عن 646 مدنياً، بينهم 50 سيدة و131 طفلاً، وجرح ما يزيد على 1346 آخرين.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا : "يمر مدنيو عدن بالفعل بضائقة خطيرة، وهذا بدون التعرض للاعتداء والاحتجاز وأخذهم كرهائن. ويتعين على قادة الحوثيين وغيرهم من القوات حماية المدنيين وليس الإساءة إليهم وترويعهم".

وقد أصيبت السيدتان بنيران البنادق في واقعتين منفصلتين في 17 و18 أبريل/نيسان 2015، وتوفيتا قبل تمكن أقاربهما من العثور على منشأة طبية تستطيع معالجتهما. كما قامت قوات موالية للحوثيين، بالمخالفة للقانون، باحتجاز 10 من عمال الإغاثة المحليين لمدة 6-14 يوماً في أبريل/نيسان، ولم تفرج عن اثنين منهم إلا بعد دفع مبالغ مالية. ويعد الاعتداء العمدي على المدنيين واتخاذهم كرهائن من جرائم الحرب.

وكان رجل بزي عسكري فوق مبنى من 7 طوابق قد أطلق النار على صابرين العبوس، وهي مدنية عمرها 20 عاماً، في الساعة 8:50 من صباح 17 أبريل/نيسان، بحسب أقوال خالها، حسين العلبي، 50 عاماً، لـ هيومن رايتس ووتش. قال العلبي إنه كان يغذ السير مع ابنة شقيقته بطول أحد شوارع المعلى في عدن، لتجنب القتال الدائر في المنطقة بين قوات موالية للحوثيين ولجان المقاومة الشعبية، حينما شاهد مسلحاً يصوب سلاحه من مبنى قريب استولى عليه مقاتلون موالون للحوثيين، ويطلق طلقة واحدة. وأصيبت ابنة شقيقته في صدرها.

أخذ العلبي ابنة شقيقته إلى أربعة مستشفيات، فقال اثنان منهم إنهما لا يملكان التجهيزات ولا الأفراد اللازمين لعلاجها، بينما قال العاملون بالمستشفى الثالث إنهم لا يستطيعون علاج الطلقات النارية التي تعلو على الخصر. وتوفيت ابنة شقيقته في توقيت لاحق من ذلك اليوم في المستشفى الرابع. وقالت هيومن رايتس ووتش إن إطلاق النار، العمدي فيما يبدو، على مدنية، قد ازداد مأساوية بفعل غياب الرعاية الطبية المتاحة في عدن.

وفي الساعة 4:15 من عصر 18 أبريل/نيسان أصيبت نيفين الطيب، 42 سنة، برصاصة في الذراع والصدر، داخل غرفة النوم بشقتها في كريتر في عدن، كما قال زوجها، مهند نعمان، 47 سنة، لـ هيومن رايتس ووتش. وقد أتت الطلقة من باب الشرفة، على ما يبدو من اتجاه تل قريب تنتشر به قوات حوثية أثناء اشتباكها مع قوات موالية للرئيس المعزول عبد ربه منصور هادي.

قال نعمان إنه اقتاد زوجته إلى أقرب عيادة رغم استمرار الاشتباكات المسلحة في المنطقة. وبعد أن قال العاملون بالعيادة إنهم لا يستطيعون علاجها بسبب نقص التجهيزات والأفراد، حاول نعمان أخذها إلى مستشفى. وعندما أصيبت سيارتهما بطلقة قادمة من اتجاه مبنى استولت عليه قوات الحرس الجمهوري الموالية للحوثيين، فكسرت النافذة الخلفية، انطلق نعمان إلى مسجد سليماني بأمل الحصول على المساعدة في عيادة المسجد المخصصة للإسعافات الأولية. إلا أن العيادة عجزت عن معالجة جراح الطلقات النارية، وتوفيت زوجته هناك، بحسب نعمان.

وفي 7 أبريل/نيسان قام جنود موالون للحوثيين، يديرون نقطة تفتيش، باستيقاف 10 من عمال الإغاثة واحتجازهم دون وجه حق، وكان العمال في قافلة من 5 سيارات لتوصيل المستلزمات الطبية إلى مجمع طبي في المعلى بعدن، كما قال أحد الرجال وهو طلعت مزاحم، لـ هيومن رايتس ووتش. وقد أخذهم الجنود إلى فيللا استولت عليها قوات حوثية حيث عثر عمال الإغاثة على 3 محتجزين آخرين.

قال مزاحم إن الحراس كانوا يستجوبونهم يومياً، واتهموهم بنية توصيل المساعدات إلى الجماعتين المتطرفتين، القاعدة في جزيرة العرب والدولة الإسلامية، المعروفة أيضاً باسم داعش. وفي اليوم السادس أفرج الحراس عن مزاحم وأحد زملائه، تاركين إياهما على جانب الطريق. ثم أفرجوا عن الباقين على مدار الأيام الـ14 التالية، بمن فيهم اثنين دفعت عائلاتهما آلاف الدولارات للخاطفين ووفرت لهم سيارة. ومن شأن طلب فدية مقابل الإفراج عن بعض العاملين في القطاع الصحي أن يحيل احتجازهم اتخاذاً لرهائن، وهو جريمة حرب.

وقد دار في الأسابيع الأخيرة قتال عنيف في عدن وحولها، فاشتبكت قوات الحوثيين وقوات مسلحة متحالفة معها وموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي خُلع في 2012، في قتال مع لجان المقاومة الشعبية المكونة من مقاتلين منتمين إلى الحراك الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن، وعدد ضئيل من الوحدات العسكرية الموالية لهادي.

تمكنت قوات الحوثيين وحلفاؤها من السيطرة على وسط عدن والقصر الرئاسي في 2 أبريل/نيسان 2015. وبعد يومين، بحسب رواية سكان محليين لـ هيومن رايتس ووتش، امتد القتال إلى حي المعلى في شبه الجزيرة الجنوبية التابعة لعدن، وفي 18 أبريل/نيسان امتد إلى منطقة كريتر (صيرة) القريبة بعد غارة جوية شنها التحالف الذي تقوده السعودية والمعارض للحوثيين.

وبموجب قوانين الحرب المنطبقة على النزاع المسلح في اليمن، لا يجوز مطلقاً استهداف المدنيين والأعيان المدنية بالهجوم العمدي. كما تحظر الهجمات التي تخفق في التمييز بين المدنيين والمحاربين أو تلحق بالمدنيين أضراراً غير متناسبة مع المكسب العسكري المتوقع من الهجوم. وعلى الأطراف المتحاربة اتخاذ جميع الاحتياطات المعقولة لتقليل الضرر الواقع على المدنيين، وعليهم تجنب الانتشار في المناطق المدنية كثيفة السكان وإلا فعليهم نقل المدنيين من محيط انتشارهم. وتلتزم الحكومات بالتحقيق في مزاعم الانتهاكات ذات المصداقية.

قال جو ستورك: "إن صعوبة التحقيق في القتال الدائر في اليمن قد تعني أن تكون الانتهاكات على شاكلة ما وقع في عدن هي فقط مجرد نقطة في بحر. وتتحمل كافة الفصائل، وكذلك التحالف الذي تقوده السعودية، عبء اتخاذ خطوات للتقيد بقوانين الحرب".

الاعتداءات على المدنيين

صابرين العبوس
كانت العبوس، طالبة الحقوق، والعلبي، يسيران في حي المعلى نحو منزل العبوس في صباح 17 أبريل/نيسان، كما قال العلبي. وكانت قوات الحوثيين والحراك الجنوبي مشتبكة في تبادل مكثف للنيران في المنطقة: "كنا نسير مسرعين، بإزاء جدران المباني، محاولين تجنب الطلقات النارية والاحتماء".

وفي شارع مسجد الغفاري قرر الاثنان الاحتماء بين مبنيين قريبين. وعند انحسار الطلقات النارية قررا مواصلة الطريق. إلا أن العلبي، المصاب بعرج بسبب حادث عسكري قديم، لا يستطيع الإسراع في سيره.

وقال العلبي: "كانت صابرين تمسك بيدي وتمشي بجواري. وقبل شارع المعلى مباشرة سقطت منها حقيبة كانت تحملها فتوقفت لالتقاطها". وقال إنه شاهد أحد مسلحي الحوثيين بزي عسكري، فوق مبنى من 7 طوابق على بعد نحو 10 أمتار من مكان وقوفهما، يصوب سلاحه ويطلقه. "وبينما كانت تقف اخترقت طلقة ثديها الأيسر وخرجت من ظهرها. فوقفت وسارت ثلاث خطوات وهي تشهق: ’خالي، لقد أصابتني الرصاصة‘. ثم سقطت".

ووصل الاثنان إلى مستشفى باصهيب العسكري الساعة 9:20 صباحاً. وبعد أن قال الأطباء هناك إنهم لا يستطيعون معالجة العبوس، أخذها إلى مستشفى تابع لأطباء بلا حدود على الجهة المقابلة من الخليج في عدن، مستقلين أحد الزوارق بسبب قلقه من استهداف مسلحي الحوثيين لعربات الإسعاف. وعند وصوله قال له سائق إسعاف بالمستشفى إن المستشفى لا يقبل أشخاصاً مصابين بطلقات نارية فوق البطن. فأخذها العلبي بعد ذلك إلى مستشفى النقيب، حيث قال له الأطباء إنهم لا يستطيعون معالجتها بسبب نقص الأفراد والمعدات. وأخيراً حصلت العبوس على بعض العلاج في مستشفى الوالي، لكنها توفيت هناك الساعة 6:30 مساءً.

نيفين الطيب
كانت الطيب، التي تدرس للحصول على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع، تعيش مع زوجها و5 أطفال في شقة بالطابق الثاني بحي كريتر في عدن. وقالت شقيقتها، أحلام الطيب، لـ هيومن رايتس ووتش إنها هي وشقيقها وأمها كانوا جميعاً يقيمون مع نيفين الطيب لشعورهم بانعدام الأمان في منازلهم بعدن.

وقال نعمان إنه كان مع زوجته بغرفة نومهما، واقفين بجوار الباب، حينما اخترقت رصاصة باب الشرفة وأصابتها. وقالت شقيقتها التي كانت بغرفة المعيشة: "رأيت نيفين تدخل غرفة نومها في إثر زوجها، ثم سمعت صوت الطلقة تحطم الزجاج، ثم خرجت نيفين من الغرفة مكسوة بالدماء". وتواجه الشرفة تلاً يعرف باسم جبل البدري، وكان الحوثيون يسيطرون على مواقع على التل في ذلك الوقت.

اخترقت الطلقة ذراعها ومنها إلى صدرها. وقاد نعمان زوجته إلى أقرب عيادة، فيما استمر القتال في المنطقة. فقال له العاملون بالعيادة إنهم لا يملكون المستلزمات الضرورية للتعامل مع الحالة، فبدأ يقود سيارته إلى مستشفى أطباء بلا حدود في منطقة الشيخ عثمان، على بعد نحو 20 كيلومتراً. وفي الطريق استوقفه مسلحون عند اثنين من نقاط التفتيش المقامة على عجل، وفي شارع الملكة أروى اخترقت رصاصة نافذة السيارة الخلفية، التي تحطم زجاجها فوق شقيق نيفين الطيب على المقعد الخلفي لكنه لم يتعرض لإصابات جسيمة.

وقال نعمان إن الرصاصة أتت من اتجاه مبنى تحتمي به قوات من الحرس الجمهوري، وهو وحدة عسكرية موالية للرئيس السابق صالح المؤيد لمقاتلي الحوثيين. فقرر نعمان الاستدارة والذهاب إلى مسجد سليماني القريب، الذي يدير عيادة للإسعافات الأولية. إلا أن العيادة عجزت عن معالجة جرح الطلق الناري، وتوفيت زوجته في المسجد.

وقالت أحلام الطيب إن الاشتباكات دارت في المقابر حيث أقاموا جنازة شقيقتها في اليوم التالي. وقد تمكنوا من دفنها، لكن عائلة أخرى كانت تحاول دفن قريب لها فاضطروا للتفرق بسبب نيران البنادق. وقالت الطيب إن رصاصة أخرى اخترقت غرفة النوم بعد أيام قليلة فدمرت جهاز التكييف، لكن القوات العسكرية المتحاربة كانت آنذاك قد غيرت مواقعها ولم يتسن تحديد الطرف الذي أطلق الرصاصة.

اتخاذ عمال إغاثة كرهائن
قال مزاحم إن القافلة المكونة من 5 عربات و10 رجال كانت توصل مستلزمات طبية إلى مجمع طبي في حي المعلى بعدن في الحادية عشرة من صباح 7 أبريل/نيسان، وتم استيقافها من قبل نحو 25 رجلاً، بعضهم بأزياء عسكرية وبعضهم بثياب مدنية، يديرون نقطة تفتيش وتدعمهم دبابة ومدرعة و4 من عربات الدفع الرباعي.

وقام عدد من الرجال، كلهم مسلحون، بسؤاله هو وزميل له في سيارتهما عما يفعلونه بالمستلزمات الطبية، واتهموهم بنية توصيلها إلى القاعدة في جزيرة العرب وداعش. حاول مزاحم إقناعهم، بإبراز الأوراق، بأنهم يحاولون توصيل المستلزمات إلى المستشفى الذي كان يحاول التكيف مع ضخامة أعداد الجرحى منذ بدء القتال في المعلى قبل 3 أيام. لكن الرجال في نقطة التفتيش شرعوا في مصادرة الهواتف الخلوية من الرجال العشرة جميعاُ، مطلقين التهديدات والإهانات. وأمر المسلحون عمال الإغاثة بالترجل من السيارات، واحتجزوهم على جانب الطريق حتى السادسة مساءً، بدون تقديم أي سبب. وقال مزاحم:

بدا عليهم أنهم سيطلقون سراحنا في مرات ثلاث، لكنهم تلقوا بعد ذلك أمراً من أحد القادة بنقلنا إليه. فوضعونا في عربات الدفع الرباعي وقادونا إلى فيللا في المعلى، حيث جاء القائد لتفقدنا، ثم أمرهم باحتجازنا في فيللا أخرى قريبة. ويحتل الحوثيون في الوقت الراهن جميع فيللات المنطقة، فأنا أعرفها جيداً. في الفيللا التقينا بثلاثة سجناء آخرين. وكان قد مر يومان على احتجاز اثنين منهم، و8 أيام على احتجاز الآخر.

ووضعونا جميعاً معاً في غرفة منفصلة بدون إضاءة، وكانوا يطعموننا ما يقل عن وجبة واحدة يومياً. وكان 2 أو 3 من الحرس يأخذون كلاً منا للاستجواب يومياً. وواصلوا اتهامي بتوفير المساعدات الطبية للقاعدة في جزيرة العرب وداعش، وقالوا إنهم سيطلقون سراحي إذا ساعدتهم على محاربة الجماعتين. وفي اليوم الثالث لاحتجازنا، سمحوا لنا بالاتصال بعائلاتنا. حتى ذلك الحين لم تكن عائلاتنا تعرف أي شيء عن مكاننا.

وفي اليوم السادس قام الحراس بوضع مزاحم وأحد زملائه في عربة وقادوهما إلى كريتر، وهو جزء آخر من عدن، ثم أفرجوا عنهما على جانب الطريق. وأفرج الحراس عن سبعة آخرين على مدار اليومين التاليين. وفي 19 أبريل/نيسان أفرجوا عن محتجز إضافي بعد تفاوضه على إطلاق سراحه وتكليفه لعائلته بإعطاء محتجزيه من الحوثيين سيارة و500 ألف ريال يمني (2300 دولار أمريكي). وفي 21 أبريل/نيسان أفرج الحوثيون عن الرجال الثلاثة المتبقين من المجموعة بعد قيام عائلاتهم بتسليم سيارة و22 ألف ريال سعودي (5900 دولار أمريكي)، بحسب قول مزاحم.

وتحظر قوانين الحرب احتجاز العاملين في القطاع الصحي ما لم يشتركوا في عمليات عسكرية. أما مواصلة احتجاز شخص وإرغام طرف ثالث على عمل ما، من قبيل دفع فدية مقابل إطلاق سراحه، فهو يرقى إلى اتخاذ الرهائن، المعدود من جرائم الحرب بموجب اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.